ميريل ستريب ملكة الأوسكار الحرباء الجميلة

الأحد 2014/03/16
ميريل ستريب من بيت الأرواح إلى المرأة الحديدية

كلمات مثل “ماهرة” أو “غير اعتيادية” لا تفيها حقها على ما فعلته ، فعندما تسرب سيناريو فيلم “المرأة الحديدة- 2011” إلى العالم قال أبناء تاتشر إنهم شعروا “بالسخط” تجاه فكرته. كما ثارت تساؤلات حول ما إذا كان من المناسب أن تقوم ممثلة أميركية بأداء دور شخصية شامخة في السياسة البريطانية مثل مارجريت تاتشر.

الحرباء الجميلة


أطلقوا عليها لقب الحرباء، لقدرتها على تقمص أي دور يسند إليها ببراعة شديدة. إنها الممثلة ميريل ستريب التي ولدت في 22 يونيو 1949 في مدينة سوميت في ولاية نيو جيرسي بالولايات المتحدة الأميركية. تعتبر ميريل من أعظم الممثلات اللاتي ظهرن على الشاشة الفضية والقادرة بتميز على إعطاء كل دور تمثله الروعة والبصمة التي لا تنسى للأبد. ليس هناك دليل أكبر على هذا من ترشيحها للأوسكار ثمانية عشر مرة و فوزها بثلاث جوائز من بينها. إنه لمن الواضح حقاً أن ميريل ستريب ممثلة لا تقارن بغيرها من الممثلات.

انطلقت ميريل ستريب في عالم السينما أواخر السبعينات من القرن الماضي مع أول فيلم لها “كوني جوليا” (1977). دورها لم يكن كبيراً في هذا الفيلم، ولكنها استطاعت بإتقانها أن يلاحظها الجميع. إنجازها الكبير جاء بعد ذلك عندما مثلت أمام الأسطورة روبرت دي نيرو في فيلم “صائد الغزلان” (1978) الذي يحكي عن قصة بلدة أميركية يتضرر سكانها من الآثار النفسية المدمرة من حرب فيتنام. دورها في هذا الفيلم رشحها لنيل جائزة أوسكار أفضل ممثلة مساعدة للمرة الأولى. ومنذ ذلك الوقت وهي تزداد تطوراً وشهرة.

مع وودي آلن في مانهاتن

في عام 1979، مثلت ميريل ستريب اثنين من أفضل أدوارها. في فيلم “مانهاتن” لوودي ألن، قدمت ميريل ستريب دور الزوجة السابقة اللئيمة والساخطة وحظيت بالعديد من الإعجاب والقبول من قبل النقاد. كما أبدعت في دور الأم التي تمر بتجربة طلاق صعبة في فيلم “كرايمر ضد كرايمر” الذي شاركها في بطولته الممثل المتميز الآخر داستن هوفمان. وكان هذا الدور هو الذي أهلها للترشيح لجائزة الأوسكار للمرة الثانية والفوز بها للمرة الأولى في حياتها المهنية، ووصلت شعبيتها إلى أوجها في عقد الثمانينات وفي 1981 حين أدت دور البطولة في فيلم “امرأة الملازم الفرنسي” مشاركة البطولة مع جيريمي أيرنز. وفي العام التالي مثلت واحداً من أكثر أدوارها شهرة في فيلم “اختيار صوفي”، الذي أدت فيه دور امرأة بولندية نجت من المحرقة النازية “الهولوكوست”.

قدمت ستريب في هذا الدور أداء مشحوناً بالعاطفة أكثر مما قدمت في أي دور آخر، وأثبتت مرة أخرى قدرتها الكبيرة على تقليد اللهجات لغير الناطقين بالإنكليزية. كان استقبال الدور رائعاً من قبل المشاهدين والنقاد لدرجة أنه أعطى ستريب جائزة الأوسكار الثانية.

ومع ذلك، فهي لم تهدأ وتكتفي بهذا الإنجاز واستمرت في تقديم العروض الرائعة التي تعلق بالذاكرة.

في عام 1983، لعبت ستريب دور الناشطة الاتحادية كارين سيلكوود في واحدة من أول أفلامها للسير الذاتية، “سيلكوود”. كما قدمت أفلاماً أخرى جديرة بالذكر خلال هذا العقد منها فيلم “الوقوع في الحب”، وهو التعاون الثاني لها مع روبرت دي نير، وهناك أيضا فيلم “الكثرة”، وفيلم “خارج أفريقيا” الذي شاركها فيه البطولة روبرت ريدفورد، كما مثلت أيضاً فيلمين مع جاك نيكلسون هما “حرقة قلب” و”أعشاب الحديد”. وفي أواخر الثمانينات مثلت ستريب أول دور كوميدي لها في فيلم “شيطانة” عام 1989 مشاركة البطولة فيه مع روزان بار.

لم تظهر ممثلة أخرى يمكنها أن تمنح السينما ما أعطته لها ميريل ستريب، إنها حقا أسطورة في عالم التمثيل


نجمة كل الأدوار

حبها للأدوار الجديدة والمثيرة للاهتمام نما أكثر في التسعينات من القرن الماضي حيث واصلت العمل جنباً إلى جنب مع نجوم هوليوود مثل دينيس كويد في فيلم “بطاقات بريدية من الحافة”، وكذلك مع بروس ويليس وغولدي هون في فيلم “الموت أصبح هي”. ثم وقفت أمام كلينت إيستوود في واحد من أكثر أفلامها المفضلة لديّ وهو فيلم “جسور مقاطعة ماديسون” الذي أعتقد أنه لا يزال لم ينل التقدير الذي يستحقه.

كما تألقت ستريب في فيلم “غرفة مارفن” (1996) الذي يحكي عن أختين أُجبرتا أن تضعا خلافاتهما جانباً عندما تتعرض عائلتهما لأزمة. آخر أدوارها المميزة في هذا العقد كان في فيلم “الموسيقى من القلب” (1999) كمدرسة كمان تلهم مجموعة من الأطفال للإبداع والتفوق، واصلت ميريل ستريب تقديمها لأفلام كثيرة لا تنسى في الألفية الثانية وازدهرت بصفة خاصة عام 2002 عندما أدت دور الصحفية سوزان أورلين في كوميديا سبايك جونز غريبة الأطوار “الاقتباس”.

في هذا الفيلم أثبتت فيه ستريب مرة أخرى أنها تمتلك مجموعة متنوعة من القدرات الهائلة، و في تلك السنة أيضاً قدمت ستريب دوراً آخر رائعاً في فيلم “الساعات” لستيفن دولدري، بجانب الممثلتين المتميزتين نيكـــول كيدمـــــان وجوليــان مور.

إن دورها في فيلم “المرأة الحديدية” عام 2011 الذي جسدت فيه شخصية مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة يعد من أعظم أدوارها الحديثة. تقمصت ستريب شخصية رئيسة الوزراء الأسطورة ببراعة وتمكنت بأدائها المذهل الجذاب أن ترفع من تقدير الفيلم متوسط المستوى. وقد استحقت عن هذا الفيلم جائزة الأوسكار الثالثة بجدارة.

وتشمل الأفلام المتميزة الأخرى لستريب في الألفية الثانية فيلم “برايري هوم كومبانيون” وهو آخر فيلم للمخرج العظيم روبرت آلتمان، وفيلم”الشيطان يرتدي برادا” والتي جسدت فيه دور رئيسة تحرير قوية ومتغطرسة لمجلة أزياء مشهورة، والفيلم الموسيقي “ماما ميا” ، وفيلم “الشك” الذي أدت فيه دور راهبة لا ترحم، وفيلم “جولي وجوليا” وهو سيرة ذاتية للطاهية الأميركية الشهيرة جوليا تشايلد.


فيلم صنع أسطورة

أخذ هذا الفيلم عن رواية “عشيقة الملازم الفرنسي”، وعبره قدمت ميريل ستريب شخصية سارا في العصر الفيكتوري بوصفها لوحة حية إنسانية وسيدة ذات شعر خمري اللون، كلماتها ومشاعرها تخرج عصراً وتتقطر عبر قناع مشاحب، وكأنها مصابة بالوهن وشرود الذهن، في ما يشبه المونولوج الداخلي.

وبوصفها نجمة الفيلم ” أنّا” فإن ميريل تكون أكثر تقلباً وطيشاً، أكثر رشاقة ونشاطاً، أكثر عصرية وحياة، لكنها ـ على نحو ممكن إدراكه ـ هي الشخصية ذاتها تحت العباءة، تحت القناع، مرحلة فحسب بواسطة الزمان والمكان والعادات.

لا تتردد ميريل ستريب في تمثيل أي دور يظهر قدراتها التي تركت بصماتها على ملايين المشاهدين في العالم فأصبحت أسطورة في هوليوود يحلم الجميع بالتمثيل أمامها

وعلاوة على ذلك، ففي كلا القصتين هي ـ البطلة ـ تواجه مآزق ومعضلات الحب والاختيار نفسها. بوصفها سارا هي لديها الملازم الفرنسي ضمن خلفية رومانسية. وبوصفها أنّا هي لديها حبيب فرنسي يدعي ديفيد.

لكن بوصفها سارا وأنّا معاً فإنها أيضاً تحمل المشعل دفاعاً عن استقلالية المرأة وشخصيتها الفردية، وكذلك دفاعاً عن قدرة المرأة وحاجتها لتعيين محيط لحياتها الخاصة، وليس حسب ما يمليه المجتمع بصورة عامة أو الرجل بصورة خاصة. وفي الأزمنة الفيكتورية، كانت المرأة واقعة تحت التهديد الحاضر دوماً بالانزلاق نحو الدعارة، وفي مواضع مختلفة من كلا القصتين، تقوم البطلة وتغادر البطل لتخلق لنفسها فضاءً خاصاً بها ـ مؤقتاً أو دائماً ـ وفي هذا الفضاء تتغير وتكبر، وتغذي إدراكها لنفس الفيلم هو عن الطريقة التي يؤثر بها الماضي في الحاضر، وكيف أن الحريات الحديثة تنهض على طبقات من الأعمال الاستبدادية الماضية.

وفيه تحقق لقاء قدرات ذهنية عالية في مجالين متفاعلين منذ زمن: الأدب والسينما، إنه اللقاء بين جو فاولز، الكاتب الإنكليزي الذي أنجز أكثر الكتب رواجاً في العام 1968 والذي فكك واستثمر الرومانسية في العهد الفيكتوري، وكاريل رايز، المخرج البريطاني، التشيكي المولد الذي قدم تجارب مهمة في السينما، ففي “عشيقة الملازم الفرنسي” تكون ميريل، البطلة متوحدة، سرمدية، عالقة في زمن خاص على نحو ويطرح صراعاً بين قوتين متعارضتين: الشخصي والأزلي، الفاني والباقي.

وتدور أحداث الرواية في إنكلترا، في ستينات القرن التاسع عشر.. مطلقة وامرأة شابة ذات سمعة ملوثة بسبب “علاقة” ماضية، ولفترة وجيزة، مع ضابط بحري فرنسي جاء في مهمة إلى البلدة الساحلية التي تعيش فيها ثم غادر سريعاً، لكن العلاقة أدت بها إلى العزلة وتجنب الآخرين.

وهي الآن تملك بعض المال الذي ادخرته من عملها السابق كمربية أطفال، ومغلفة بالغموض. ويكتنفها سمر حزين فيما هي تحدق في البحر، واقفة على حافة المرفأ منتظرة عودة حبيبها.

ستريب ممثلة نادرة يمكنها أن تتقمص أي دور تريده بتفوق وبراعة، و في الواقع، لا توجد ممثلة أخرى يمكنها أن تمنح السينما ما أعطته لها ميريل ستريب، إنها حقا أسطورة في عالم التمثيل.

10