ميزانية تونسية تتفادى لأول مرة فرض ضرائب جديدة

حوافز ضريبية تعد بدعم قطاعات كثيرة أبرزها العقارات وسط شكوك في قدرة الحكومة على معالجة التوازنات المالية.
الأربعاء 2018/12/12
أكبر مستفيد من خفض الضرائب

أعطى البرلمان التونسي الضوء الأخضر لمسودة الميزانية التي قدمتها الحكومة للعام المقبل، والتي لم تتضمن للمرة الأولى منذ سنوات، ضرائب جديدة بل قدمت إعفاءات وحوافز للكثير من النشاطات الاقتصادية وخاصة في القطاع العقاري.

تونس - سادت حالة من التفاؤل الحذر في الأوساط الاقتصادية والشعبية التونسية بعد مصادقة البرلمان على ميزانية العام المقبل، التي تضمنت تخفيفا كبيرا لسقف الضرائب.

ورغم حاجة الحكومة لتعبئة موارد مالية إضافية لتغطية العجز وتوفير السيولة لتسيير شؤون الدولة، إلا أنها لن تفرض ضرائب على المواطنين وستخفض العبء الضريبي لبعض القطاعات، وذلك بعد سنوات من زيادات ضريبية أثارت غضبا شعبيا وفي أحيان كثيرة احتجاجات عنيفة.

وستزيد ميزانية العام المقبل بنسبة 8 بالمئة إلى نحو 41 مليار دينار (نحو 14.5 مليار دولار) عن ميزانية العام الحالي. ولم تفسّر الحكومة كيف ستخفض العجز في ظل غياب مداخيل الضرائب؟

وستستفيد من الخطوة قطاعات حيوية عديدة من بينها العقارات والتكنولوجيا والنسيج والهندسة والأدوية والصناعات المعملية والكهربائية والميكانيكية إلى 13.5 بالمئة بعد أن كانت 25 بالمئة لتحفيزها على الاستثمار أكثر وتوفير المزيد من فرص العمل.

وكان المستثمرون المحليون، قد طالبوا الحكومة مرارا بتخفيف الضرائب على شركاتهم بشكل سريع خشية تعرض أعمالهم للركود وحتى يكون لهم حافز من أجل الرفع من نسق أنشطتهم.

وفي المقابل، ستفرض مساهمة استثنائية بنسبة 1 بالمئة على أرباح المصارف وشركات الوقود والتأمين والاتصالات لتعزيز عوائد الخزينة العامة للدولة.

فهمي شعبان: خفض الضرائب يساعد المطورين العقاريين على النهوض بأعمالهم مرة أخرى
فهمي شعبان: خفض الضرائب يساعد المطورين العقاريين على النهوض بأعمالهم مرة أخرى

وشهدت النقاشات حول الميزانية معارضة شديدة حول بعض الإجراءات التي اقترحتها الحكومة مثل تأجيل تطبيق الضريبة على مراكز التسوق الكبرى لعام 2020 بعد أن كان من المقرر فرضها مطلع الشهر المقبل.

وتتضمن الميزانية تخفيضا في نسبة الأداء على القيمة المضافة لخدمات الإنترنت من 19 إلى 7 بالمئة، ما سيخول التخفيض آليا من أسعار الاشتراكات ذات التدفق العالي.

ويعد القطاع العقاري الرابح الأكبر من خفض الضرائب بعد أن شهد تراجعا في حركة البيع والشراء بسبب التدابير التي فرضت على المطورين هذا العام.

ويقول رئيس الغرفة الوطنية النقابيين للباعثين العقاريين فهمي شعبان، إن الإجراءات في الميزانية الجديدة ستمنح المطورين العقاريين امتيازات عديدة تساعدهم على النهوض بأعمالهم مرة أخرى.

وأوضح أن خفض الضرائب سيتيح للشركات القدرة على بيع الشقق السكنية والعقارات بعد أن عجزت عن تنشيط السوق هذا العام.

وتراجعت حركة السوق العقاري بشكل غير مسبوق جراء غلاء المساكن نتيجة ارتفاع التكاليف وفرض ضريبة الأداء على القيمة المضافة بنسبة 13 بالمئة على الزبائن منذ مطلع العام الجاري.

وتشير التقديرات إلى أن حجم ديون شركات التطوير العقاري لدى المصارف المحلية تبلغ حوالي 5.2 مليار دينار (1.77 مليار دولار).

وكان رئيس الحكومة يوسف الشاهد قد قال في وقت سابق هذا العام، إن “2018 سيكون آخر عام صعب للتونسيين”، وسط شكوك داخل الأوساط الاقتصادية والاجتماعية.

عبدالجليل البدوي: الميزانية اتسمت بغياب البعد الإصلاحي في معالجة المشكلات الحقيقية المزمنة
عبدالجليل البدوي: الميزانية اتسمت بغياب البعد الإصلاحي في معالجة المشكلات الحقيقية المزمنة

واعتبر رئيس قسم الدراسات بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عبدالجليل البدوي، أن الميزانية الجديدة اتسمت بغياب البعد الإصلاحي في معالجة أهم المشكلات الحقيقية المزمنة.

وأكد الخبير الاقتصادي أن الميزانية طغا عليها الجانب “التجميلي” لإخفاء تفشي ظاهرة الاقتصاد الموازي وارتفاع التضخم وإصلاح شركات القطاع العام المتعثرة وكبح العجز التجاري المتفاقم، والذي بلغ 16 مليار دينار (5.46 مليار دولار) في أول 11 شهرا من العام.

ولا تزال تونس تتعرض لضغوط من صندوق النقد الدولي لتقليص عجز الميزانية من خلال خفض الدعم وإصلاح القطاع العام وتجميد الأجور.

ومع ارتفاع حجم الأجور بشكل لافت مع التهامها لثلث الميزانية الجديدة، بات الوضع أكثر صعوبة، فضلا عن فقدان الدينار أكثر من نصف قيمته خلال العامين الأخيرين، الأمر الذي انعكس على المقدرة الشرائية للمواطنين.

وتبلغ نسبة التضخم 7.4 بالمئة حسب المعهد الوطني للإحصاء، في وقت يتوقع فيه صندوق النقد ارتفاعها إلى 8.1 بالمئة هذا العام، في تقريره الأخير حول “آفاق الاقتصاد الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط”.

وتهدف الحكومة من برنامجها الإصلاحي القاسي إلى تقليص معدل البطالة بنحو 3 بالمئة ليبلغ نحو 12.4 بالمئة بحلول عام 2020.

ويشكك محللون في قدرة الحكومة على تخفيف الضغوط المتزايدة على المواطنين بعد أن بنت ميزانية 2019 على فرضيات تبدو غير واقعية ومؤشرات غير ثابتة، قد تعرقل كافة الجهود لإخراج البلاد من نفق الأزمات المتراكمة.

ويقول البعض إن تفاؤل الحكومة بشأن انتقال اقتصاد إلى المنطقة الآمنة بحلول العام 2021 أمر شبه مستحيل، في ظل انكماش معظم محركات النمو الرئيسية وخاصة قطاع الفوسفات الذي دخل في متاهة بسبب توقف الإنتاج.

وفي الشهر الماضي، قال الشاهد أمام البرلمان خلال مناقشات الميزانية العامة إن حكومته “سنّت إجراءات جديدة لمعالجة تدني المقدرة الشرائية للمواطن، وغلاء الأسعار، ولم تفرض ضرائب جديدة على المؤسسات أو الأفراد”.

وتعهّد بالتزام حكومته بحماية المقدرة الشرائية للطبقات الضعيفة والمتوسطة، والتحكم في الأسعار.

11