ميزان القوة العالمية يميل ناحية الشرق

تكافح الولايات المتحدة كي تعثر مرة أخرى على طريقها نحو الهيمنة على العالم كقوة واحدة مؤثرة، لكن يبدو أنها تفقد هذه الهيمنة لصالح قوى صاعدة جديدة في آسيا لا تضيع وقتا لجذب الانتباه كشرطي عالمي جديد.
الثلاثاء 2016/08/23
كعب مازال يرتفع

لندن- كلما مرت الأيام على إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما انتقل مركز القوة في العالم شيئا فشيئا من الغرب إلى الشرق، حيث الصين التي تسعى إلى هيمنة كاملة على العالم الجديد.

ولا يعود ذلك بشكل أساسي إلى معدلات النمو الاقتصادي أو العسكري التي حققت للصين قفزات كبيرة منذ ما قبل بداية القرن الحالي، لكنه يعود بالأساس إلى جذور تاريخية أعمق بكثير. وفي التاريخ الصيني غالبا ما كانت تتم معاملة الزوار الأجانب الذين يفدون إلى البلاط الإمبراطوري كأنهم “برابرة”، إذ من المتوقع دائما أن يُعربوا عن تقديرهم للإمبراطور. ومازالت أصداء ذلك النهج مستمرة من قبل قادة الصين الحديثة نحو بقية العالم.

وفي نوفمبر 2013، كان غدوين راشمان، المحلل في صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية، ضمن مجموعة صغيرة من الزوّار استقبلهم الرئيس تشي جينبينغ في بكين. وكانت المجموعة تضم رؤساء وزراء سابقين مثل جوردون براون من بريطانيا، وماريو مونتي من إيطاليا، فضلا عن عدد قليل من رجال الأعمال الغربيين. ويقول راشمان “لقد تمت إلى حد ما معاملة هذه الشخصيات الأجنبية البارزة كأنها فئة من تلاميذ المدارس”.

وجلس تشي في وسط غرفة المآدب في قاعة الشعب الكبرى مع لوحة جدارية ضخمة لسور الصين العظيم خلفه، وثريات فوقه، وشبه دائرة من القادة الغربيين السابقين مُنظّمين أمامه، حيث بدأ ملاحظاته بتذكير زوّاره بأن “الصين حضارة قديمة منذ ما يزيد على خمسة آلاف عام من التاريخ”. وإدراك الصين آلاف الأعوام من تاريخها أمر أساسي لفهم البلاد لنفسها. كما يعني حتما أن الصين، في بعض النواحي، ترى في الولايات المتحدة دولة مغرورة لأنها بلد موجود منذ أقل من 250 عاما، وهو عمر أقصر من عمر معظم العائلات الصينية.

فخ ثيوكيديدس

السبب الأساسي لتحول القوة الاقتصادية إلى آسيا بسيط وهو الغلبة العددية، إذ سيكون نحو ثلثي سكان العالم في آسيا بحلول عام 2025، ونحو 5 في المئة في الولايات المتحدة، و7 بالمئة في الاتحاد الأوروبي

كان إصرار الرئيس تشي على إعادة بناء ثروة وقوة بلاده الموضوع الرئيسي لخطابه. وكان أحد شعاراته المفضّلة الذي ألقاه عدة مرات على جمهوره الأجنبي، “النهوض العظيم” للدولة الصينية. لكنه كان حريصا أيضا على طمأنة جمهوره بأن صعود الصين لن يؤدي إلى صراع مع العالم الخارجي. وشدد حينها على القول “نحن جميعا بحاجة إلى العمل معا لتجنّب الوقوع في فخ ثيوكيديدس – التوترات المُدمّرة بين السلطة الناشئة والسلطات القائمة”.

وكان تشي يستعير مصطلح “فخ ثيوكيديدس” الذي صاغه جراهام أليسون، الأستاذ في جامعة هارفارد، حينما كان يشير إلى اليونان القديمة وإلى أن الحرب بين أثينا وإسبارطة في القرن الخامس قبل الميلاد كانت بسبب خوف أثينا من صعود إسبارطة. وقال أليسون إنه في 12 من 16 حالة منذ عام 1500 قبل الميلاد، انتهى التنافس بين قوة عظمى وقوة صاعدة بحرب. وعلى الرغم من محاولات الرئيس تشي بث الطمأنينة لدى العالم الغربي، مازالت التوترات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين تأخذ منحى متصاعدا.

وخلال العام الماضي حاولت الصين تمديد هيمنتها على معظم بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه، من خلال بناء جزر صناعية ومنشآت عسكرية عبر المحيط. وردا على ذلك أبحرت القوات البحرية الأميركيــة عمدا عبر هذه المياه المتنازع عليهــا، ما أثار غضب بكين. ويقول محللون إن التنافس بين الولايات المتحدة والصين هو واحد من المواضيع الأكثر خطرا في السياسة الدولية، كما أن صعود التوترات في شرق آسيا مجرد جزء من القصة الأكبر.

ويقول راشمان إن “أعوام باراك أوباما تميزت بسلسلة من التحدّيات لهيمنة الغرب على السياسات الدولية. في الشرق الأوسط، التوازن الذي أنشأته إلى حد كبير بريطانيا وفرنسا في أوائل القرن العشرين – وحافظت عليه القوة الأميركية بعد عام 1945 – ينهار الآن، وسط حالة من العنف والفوضى السياسية. وفي أوروبا، احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 شكل أول ضم قسري لأراض على اليابسة الأوروبية منذ عام 1945”.

غدوين راشمان: واشنطن تراجعت عمدا إلى الخلف حتى لا تتورط بشكل أعمق في الشرق الأوسط، ضمن محاولتها الحفاظ على قوتها ومواردها للصراع مع الصين

والخيط الأحمر الذي يربط هذه الأزمات التي تبدو إقليمية هو عجز الغرب المتزايد عن أن يكون بمثابة قطب الاستقرار والقوة، من خلال فرض النظام على عالم فوضوي. وفي الولايات المتحدة، غالبا ما يجادل خصوم أوباما بأن الضعف الغربي هو غلطة أوباما نفسه.

لكن في الواقع هناك قوى تاريخية أعمق بكثير تفعل فعلها. على مدى أكثر من 500 عام، أي منذ فجر عصر الاستعمار الأوروبي، تم تشكيل مصير البلدان والناس في آسيا وأفريقيا والأميركتين من خلال التطوّرات والقرارت التي تتم في أوروبا، وبعد ذلك، في أميركا.

لكن هيمنة الغرب لقرون طويلة على شؤون العالم تقترب من نهايتها الآن. والسبب الرئيسي لهذا التغيير هو التطوّر الاقتصادي غير العادي في آسيا خلال الأعوام الـ50 الماضية، إذ تم تأسيس القوة السياسية الغربية على الهيمنة التكنولوجية والعسكرية والاقتصادية، لكن هذه المزايا تتآكل بسرعة الآن ويتم الشعور بعواقب ذلك في السياسة العالمية.

ويقول راشمان “فكرة أن صعود آسيا قد يُهدد في يوم ما الهيمنة الجيوسياسية للغرب كانت لا تزال تبدو كأنها احتمال بعيد عندما انتقلت إلى آسيا أول مرة كمراسل أجنبي في عام 1993. كانت الصين تنمو بمعدلات من خانتين، لكنها كانت لا تزال بلدا فقيرا بشكل واضح. حتى في شنغهاي، العاصمة التجارية للبلاد، كانت لا تزال هناك دراجات أكثر من السيارات في الشوارع. ناطحات السحاب البرّاقة في بودونغ، التي ترمز اليوم إلى ثروة المدينة، لم تكُن قد وصلت بعد إلى لوحات المهندسين المعماريين. حتى في ذلك الحين كانت هناك توترات عسكرية بين الصين والولايات المتحدة”.

وأضاف “لكن في عام 1996، عندما حاولت بكين تخويف تايوان من خلال تنظيم تجارب صاروخية في المياه المُحيطة (بالمقاطعة المتمردة) التابعة لها، أرسلت الولايات المتحدة بسرعة حاملات طائرات إلى المنطقة، وتراجعت بكين. لم يكُن هناك شك في أن أميركا كانت القوة العظمى الوحيدة”.

بعد حربين عالميتين وموجة من انهيار مفهوم الاستعمار، قادت الظروف الجيوسياسية الجديدة إلى انهيار الإمبريالية الأوروبية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن ظهور الولايات المتحدة كقوة بارزة في العالم، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أطال من هيمنة الغرب. حتى الاتحاد السوفيتي، الذي كان يُمثّل البديل السياسي عن “الغرب” أثناء الحرب الباردة، كان قوة أوروبية.

مع ذلك، على مدى الأعوام الـ50 الماضية، ظلت هيمنة الغرب على الاقتصاد العالمي تتآكل بوتيرة ثابتة. وأصبح التحوّل الاقتصادي لآسيا واضحا أول مرة في اليابان في الستينات، ومن ثم في كوريا الجنوبية وتايوان وأجزاء من جنوب شرق آسيا في السبعينات. ومنذ عام 1980 وما بعد، بدأ الاقتصاد الصيني ينمو بمعدلات من خانتين، هي المعدلات التي كانت اليابان رائدة فيها في الستينات. كما نمت الهند أيضا بقوة، وإن لم يكُن بالسرعة نفسها، بعد تطبيقها إصلاحات اقتصادية في أوائل التسعينات.

بحلول عام 2025، سيكون نحو ثُلثي سكان العالم في آسيا. وفي المقابل، ستُمثّل الولايات المتحدة نحو 5 في المئة من سكان العالم، والاتحاد الأوروبي 7 في المئة

ووصل العالم إلى لحظة رمزية في عام 2014، عندما أعلن صندوق النقد الدولي أن الصين، بمقياس القيمة الشرائية، هي الآن أكبر اقتصاد في العالم. وصعود الصين هو مجرد جزء من تحوّل أكبر في القوة الاقتصادية. ووفقا لصندوق النقد الدولي، ثلاثة من الاقتصادات الأربعة الأكبر في العالم موجودة الآن في آسيا. جاءت الصين أولا، وأميركا ثانيا، والهند ثالثا واليابان رابعا.

الرمز السري

يقول الكثيرون إن السبب الأساسي لتحوّل القوة الاقتصادية إلى آسيا بسيط: الغلبة العددية. وبحلول عام 2025، سيكون نحو ثُلثي سكان العالم في آسيا. وفي المقابل، ستُمثّل الولايات المتحدة نحو 5 في المئة من سكان العالم، والاتحاد الأوروبي 7 في المئة.

ويعبر هانس روزلينغ، من معهد كارولينسكا في السويد، عن الأمر بطريقة أخرى عندما يصف الرمز السري للعالم بأنه “1114”، وهذا يعني أنه من أصل عدد سكان الكوكب البالغ سبعة مليارات، فإن نحو مليار نسمة يعيشون في أوروبا، ومليار في الأميركتين، ومليار في أفريقيا، وأربعة مليارات في آسيا. وبحلول عام 2025 من المرجح أن يكون عدد سكان العالم تسعة مليارات نسمة، وحينها الرمز السري سيتغير إلى 1125، مع إضافة كل من أفريقيا وآسيا مليار نسمة.

وعلى مدى قرون من الزمن، كانت فجوة الثروة والتكنولوجيا بين الغرب والشرق هائلة بحيث هيمنت الدول الغربية على الشؤون والأعمال الدولية، بغض النظر عن الاختلاف في عدد السكان. لكن التطوّر الاقتصادي السريع في آسيا خلال الجيلين الماضيين يعني أن فجوة الثروة أصبحت أضيق بما يكفي لأن تبدأ الغلبة العددية في آسيا في إمالة ميزان القوة في العالم.

وظهر القلق الغربي حول الآثار المترتبة من ازدهار آسيا في أشكال مختلفة. بالنسبة إلى اليسار – والآن بالنسبة إلى اليمين القومي، كما عبر عن ذلك دونالد ترامب في الولايات المتحدة ومارين لوبان في فرنسا- هناك تركيز كبير على التأثير في مستويات المعيشة للعمال الغربيين. لكن بالنسبة إلى الكثيرين في الطبقة السياسية الأميركية، هناك أيضا في الكثير من الأحيان ميل لرفض ازدهار آسيا باعتباره سرابا أو مرحلة – لا تهدد حقا التفوق الأميركي. ويتم اغتنام أي علامة على الضعف الاقتصادي والسياسي في الصين على وجه الخصوص – وتسليط الضوء عليها.

الكثرة العددية تنهي نظام هيمنة الغرب

وفي عام 2012 توقع “مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركي”، وهو مركز للتفكير الاستراتيجي داخل مجموعة الاستخبارات الأميركية، يجمع بين جميع وكالات الاستخبارات في البلاد، بما فيها وكالة الاستخبارات المركزية، أنه “بحلول عام 2030 ستكون آسيا قد تجاوزت أميركا الشمالية وأوروبا مجتمعتين من حيث القوة العالمية، استنادا إلى الناتج المحلي الإجمالي، وحجم السكان، والإنفاق العسكري، والاستثمار التكنولوجي”.

أفول الهيمنة الأميركية

لم يكن مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركي خجلا من تحديد عدد من الآثار المترتبة على هذا الاتجاه على قوة الولايات المتحدة. فقد كتب أن “باكس أميركانا – عصر الهيمنة الأميركية في السياسة الدولية الذي بدأ في عام 1945 – يتجه بسرعة إلى أسفل”. وبدت هذه الكلمات، التي نشرت قبل بداية ولاية أوباما الثانية، تنبؤية خلال السنوات الأربع التالية. فقد وقفت الولايات المتحدة جانبا بينما يتصاعد القتال في سوريا، وروسيا – التي لم تعد قوة عظمى بعد الحرب الباردة – برزت مرة أخرى باعتبارها مصدر تهديد للأمن الأوروبي.

لكن التهديد لـ “باكس أميركانا” في المحيط الهادئ هو الذي يمكن أن يهم أكثر على المدى الطويل، إذ يعرف الأميركيون أن آسيا هي الآن في قلب الاقتصاد العالمي. ونتيجة لذلك كانت إحدى السياسات الخارجية البارزة لإدارة أوباما “التمحور حول آسيا” – تحويل الموارد العسكرية والدبلوماسية إلى آسيا، استجابة لتحوّل مركز الاقتصاد العالمي إلى الشرق وتحدي الصين الصاعدة.

وسعت إدارة أوباما إلى أن تكون أكثر حذرا واستراتيجية حول كيف ومتى تستخدم القوة الأميركية. لذلك تراجعت الولايات المتحدة عمدا إلى الخلف حتى لا تتورط بشكل أعمق في الشرق الأوسط، ويرجع هذا جزئيا إلى محاولتها الحفاظ على قوتها ومواردها للصراع مع الصين الصاعدة. لكن الرؤية المتعلقة بأميركا التي تعتبر أقل التزاما بلعب دور الشرطي العالمي في أوروبا والشرق الأوسط عملت أيضا على بذر الشكوك في متانة قوة الولايات المتحدة في آسيا نفسها.

13