ميشال أونفري وذهنية الإقصاء

الجمعة 2015/07/10

قرأت بكثير من الفضول والاستغراب رد السيد ميشال أونفري، المنشور في العدد السادس من مجلة “الجديد”، والذي خص به مجموعة من المساهمين الذين شاركوا بتعليقاتهم النقدية على الحوار الطويل الذي أجرته معه الكاتبة والإعلامية الجزائرية المقيمة بفرنسا أسماء كوَار حصريا لهذه المجلة الطليعية، ونشر في عددها الرابع.

في هذا الردَ المنشور على صفحات المجلة نفسها في عددها السادس تجاهل ميشال أونفري ذكر أسماء الكتاب الذين ناقشهم بطريقته الخاصة والغريبة وهم أحمد برقاوي، ومرزاق بقطاش، وربوح البشير، وسلامة كيلة، وإبراهيم سعدي وكاتب هذه السطور.

بادئ ذي بدء فإنه يلاحظ أن ردَ أونفري يتميز بالتعالي والتكبر، وبعدم الاستشهاد بأي جملة وبأي فكرة من الأفكار التي يعارضها، ولم يقارنها بفكرته أو أفكاره بوضوح، وفضلا عن ذلك فإن قارئ ردَه يحس وكأن السيد أونفري يحاور أشباحا وليس كتابا وأدباء مبدعين وأكاديميين لهم مكانتهم في الثقافة العربية المعاصرة.

بهذا السلوك يكرر أونفري من جديد ما فعله عدد كبير من الكتاب والمفكرين الغربيين سابقا مثل برتراند راسل، الذي لم يخصص ولو فصلا واحدا للفكر الفلسفي العربي – الإسلامي في كتابه ” تاريخ الفلسفة الغربية” علما أن دور الفلاسفة العرب/ المسلمين، ومترجمي الفلسفة اليونانية من أبناء جلدتهم، ومن اليهود الذين عاشوا في كنف الحضارة الإسلامية في تقديم وشرح وتيسير الفلسفة اليونانية – التي تعد تاريخيا أمَ الفلسفة الأوروبية/ الغربية بكل عصورها – للعالم الأوروبي/ الغربي لا يمكن أن يطمس إلا من طرف الجاحدين الذين أعماهم الانغلاق النرجسي داخل جدران التمركز الأوروبي/ الغربي.

في هذا السياق يمكن لنا ذكر مواطن أونفري وهو ألبير كامو الذي جعل من البيئة الجزائرية، التي كانت مسرحا لرواياته وحتى كتبه ذات الطابع الفلسفي، مجرد ديكور خارجي خال بشكل مطلق من الجزائريين كأسماء تدل على هويتهم الاسمية على الأقل.

نحن لم ندع أونفري أبدا ألا يفلسف الدين، ولم نطلب منه أن يكف عن الانشغال باللاهوت نقدا وتحليلا وفرزا لكل ما هو خرافي أو أسطوري، أو عنفي فيه وبالعكس فإننا في ردودنا جميعا قلنا بوضوح إنه من حق الفلسفة أن تطرح الأسئلة على كل ما يشكل البنيان الرمزي في الحياة البشرية، وأن تمارس النقد الشجاع الرافض لكل المضامين والأشكال التي تسوَغ أو تبرر الحروب والاستعمار والإرهاب، أو تتعارض مع الحريات، والحياة الكريمة، والعدالة، والحوار السلمي بين الأفراد ومجتمعات الإنسانية جمعاء، دون هذا تصبح الفلسفة لغوا فارغا وبسببه يفقد التفلسف هويته وشرعيته ومشروعيته معا.

كاتب من الجزائر مقيم في لندن

15