ميشال المر.. خسر في الانتخابات فرحل غاضبا إلى أفريقيا ليعود وينتقم من السياسيين

السبت 2014/01/18
المر نجح في تحويل ذاته إلى ضرورة بأيّة صورة وبكل صورة

بيروت- خارطة لبنان الإنسانية والديموغرافية، صورة مصغرة عن العالم، والمشرق العربي على وجه الخصوص، ترسم علاقاتها بإبرة من الحذر، وتنشأ تقاطعاتها بكثير من المغامرة، وتبني فيها الشخصيات حضورها بمكابدة الحدث والتطورات التاريخية التي لم تستثن أحدا من أهل البلد الذي جعل شجرة الأرز شعارا له.

من بلدة بتغرين الصغيرة، ينحدّر ميشال المرّ، الذي ولد في خريف العام 1932، في أسرة اهتمت بالبناء والإنشاءات، ليعيش حياة السكينة في مدرسة الآباء اليسوعيين، ويتابع دراسته للهندسة المدنية في جامعة القديس يوسف حتى العام 1955، كانت الأرثوذوكسية في لبنان بحاجة لمن يمثلها بالإضافة إلى دور قريب ميشال المرّ، غبريال، النائب والوزير في ذلك الحين، وكان بمثابة والد له، غير أن ميشال سرعان ما قفز، بالتحالف مع القوميين السوريين، ليواجه والده الروحي غبريال في انتخابات العام 1960، وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره بعد، وبدأ مشواره السياسي الذي لن يختلف كثيرا عن لعبة التجارة والربح والخسارة التي دخلها من بابها الواسع، فقد جاءت نتيجة فرز الأصوات صادمة بالنسبة له، بعدما خسر مواجهته تلك، ولم يدفعه هذا إلا لمزيد من الإصرار على المعركة، ولكن على طريقته هو، فسعى إلى خلق مسافة أمان وقرّر أن يحارب من بعيد.


ميشال المر في أفريقيا


رحل ميشال المرّ إلى أفريقيا، وحده، حاملا وثيقة تخرجه من كلية الهندسة المدنية، وتمكن من الحصول على وظيفة في إحدى الشركات، براتب شهري، ولم يتكبّر على العمل كسائق جرافة في شق الطرقات بالصحراء، وجمع نواة لرأسمال بسيط، انطلق منه لتأسيس شركته الخاصة في التعهدات والإعمار، وبعد ثلاثة أعوام كان قد بدأ بالعمل في أنحاء أخرى من القارة الأفريقية، ليبيا والجزائر ونيجيريا وساحل العاج والغابون والزائير، وبعد أن توسعت شركاته، قرّر العودة إلى لبنان، بعد أربع سنوات لينتقم من خسارته في الانتخابات، ولكنه خسر من جديد، ولم يفقد أمله، فكرّر المحاولة من جديد، وتمكن من دخول المجلس النيابي في العام 1968، وبدأ حضوره السياسي يصبح في تاريخ لبنان الحديث.

المر السياسي التاجر

جنبلاط: مواقف المر وحلفائه تصدر عن «اليمين الغبي»، بعد رفضه منح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حقوقا إنسانية بسيطة

بفضل كونه نائبا في البرلمان، تمّ تكليفه بحقيبة البريد والبرق والهاتف، في حكومة رشيد كرامي في العام 1969، ثم وزيرا للبريد والإسكان في حكومة سليم الحص في العام 1977، ووزيرا للبريد في حكومة شفيق الوزان في العام 1980، وكانت الحرب الأهلية قد بدأت، فقرّر التاجر السياسي بحدسه الخاص، أن يكون بعيدا عن المناصب، ولكن ليس عن التأثير السياسي، فكان يرتّب الأحداث، ويعمل جاهدا لخلق التوافقات، وكان عرّاب اجتماع إهدن في العام 1985 ما بين الرئيس فرنجية والقوات اللبنانية، ورغم قربه من بشير الجميّل والقوات اللبنانية، تابع سعيه لرأب الصدع المسيحي- المسيحي، فرتّب إضافة إلى ذلك ما عرف فيما بعد بالاتفاق الثلاثي الذي تمّ توقيعه في دمشق في 28 ديسمبر من العام 1985، وكانت أطرافه ممثلة بإيلي حبيقة عن القوات اللبنانية، ونبيه برّي عن حركة أمل، ووليد جنبلاط عن الحزب التقدمي الاشتراكي، وكان هؤلاء هم اللاعبون الأكثر حضورا في الساحة اللبنانية، ووصفهم المؤرخون بأنهم كانوا أكثر قوة من الدولة اللبنانية ذاتها، ونص الاتفاق على إلغاء الطائفية من نظام الحكم، وعلى مبدإ القيادة الجماعية وجاء في الاتفاق أنه “يولي المجلس الوزاري.. ويولي عددا من كبار الوزراء الذين يحملون لقب وزير دولة حق ممارسة السلطة التنفيذية بكاملها”.

وفي 13 يناير من العام 1986 قصفت القوات اللبنانية قصر بِكْفيّا الجمهوري لدفع الرئيس أمين الجميل للموافقة على ما جاء في الاتفاق، أثناء لقائه مع حافظ الأسد، وبعد يومين عقدت أطراف الاتفاقية الثلاثة اجتماعا في دمشق أعلنوا على أثره “أن الخيار العسكري هو الوسيلة الوحيدة لفرض الأمر على أمين الجميل”.

واستمر المرّ في محاولاته، رغم تمرّد سمير جعجع الذي رأى أن الاتفاقية ستفتح أبواب لبنان أمام جيش حافظ الأسد ليجعل من لبنان ساحة صراع مع الإسرائيليين، وسيكون مصير لبنان الوقوع تحت الهيمنة السورية، لم يفهم المرّ هذا الأمر، فدفع ثمن هذا العديد من التهديدات أكبرها كان نسف بيته في بلدته بتغرين.


متعهد العلاقات مع الأسد

ميشال المر.. سياسي ورجل أعمال
◄ نائبًا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرًا للدفاع من 24 ديسمبر 1990 حتى 16 مايو 1992 في حكومة عمر كرامي.

◄ نائبًا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرًا للدفاع من 16 مايو 1992 حتى 31 أكتوبر 1992 في حكومة الرئيس رشيد الصلح، ومن 16 سبتمبر 1992 أصبح بالإضافة إلى ذلك وزيرا للبريد.

◄ نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرًا للداخلية من 25 مايو 1995 حتى 7 نوفمبر 1996 في حكومة الرئيس رفيق الحريري في عهد الرئيس إلياس الهراوي.

◄ نائبًا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرًا للداخلية من 7 نوفمبر 1996 حتى 4 ديسمبر 1998 في حكومة الرئيس رفيق الحريري في عهد الرئيس إلياس الهراوي.

◄ نائبًا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرًا للداخلية ووزير دولة للشؤون البلدية والقروية من 4 ديسمبر 1998 حتى 26 أكتوبر 2000 في حكومة الرئيس سليم الحص في عهد الرئيس إميل لحود.


تمّ اختياره في اتفاق الطائف ليكون ممثلا للمسيحية الأرثوذوكسية في عالية، واختار ميشال المرّ العمل والإنجازات التكنوقراطية، بديلا عن الكلام، واستمرت محاصرة مشروعه المختلف، في بيئة غلبت عليها أفكار التجييش والتحريض، وتمّ تعيينه نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للدفاع في العام 1990، وتعرّض مرة أخرى لمحاولة اغتيال في انطلياس في العام 1991، حين فقد سمعه تقريبا، فمن يطرح فكرة حل الميليشيات المسلحة في لبنان، كان عليه أن يدرك أنه إنما يضرب المشروع الطائفي في قلبه، ولن يتمّ غفران هذا له، يقول المرّ عن تلك المرحلة: “في السياسة لا يجب ان يكون الشخص صادقا كليا بل عليه أن يكذب 50 في المئة ويصدق 50 في المئة.. وأنا ندمت لأنني كنت رجلا صادقا”.


لا مع 14 آذار ولا مع 8 آذار


هذا هو الشعار الذي رفعه ميشال المرّ في تموضعه السياسي في لبنان، لا مع 14 آذار ولا مع 8 آذار، ولكن هذا النفي للنفي، لا يؤكد شيئا ولا يقود لشيء، ليصبح ميشال المرّ مرة مع هؤلاء ومرة مع هؤلاء، وبعد إحدى جلسات الحوار اللبناني، وصف وليد جنبلاط مواقف المرّ وحلفائه بأنها تصدر عن ” اليمين الغبي”، بعد رفضه منح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حقوقا إنسانية بسيطة.

قال فرنجية عن المر إنه لم يعد يصدقه أحد في لبنان، وهمس جعجع لسفيرة أميركا في لبنان أن المر مصاب بجنون العظمة

وفي علاقته مع ميشال عون، كان للمرّ تقلبات أيضا فهو من حاربه، ورتب عودته وقائمته الانتخابية، ثم عاد ليحاربه من جديد، يقول المرّ عن أحد لقاءاته بالغريم عون: “إثر دخول عون المستشفى، سارعتُ إلى المرور مع أحد المرافقين بمتجر للورود كي أشتري له باقة، ومررت بمنزله، لأضعها على الحاجز، بعدما كتبت له على الكارت “سلامتك جنرال”. لكن العنصر الأمني استوقفني وسارع إلى الاتصال بعون لإعلامه بمروري. فما كان من عون إلا أن خرج بثياب المرض وركض حتى الحاجز وشدّني لأدخل، متعهّدا بألا يؤخرني أكثر من عشر دقائق، لكن الأحاديث أخذتنا نحو ساعتين، وحين فاتحني في موضوع الانتخابات، استأذنت قائلا إن البحث الانتخابي مضيعة للوقت قبيل معرفة ما سترسو عليه الأوضاع في سوريا، ولا سيما يا جنرال أننا حالفنا سوريا صحيح، لكننا لم نذهب مثلك إلى حدّ نقل مار مارون إلى حلب”.

ونقلت السفيرة الأميركية ميشال سيسون عن رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، قوله: “إن مرض “الميغالومانيا” أو جنون العظمة قد اعترى ميشال المر”. ولم يتورع سليمان فرنجية حليف النظام السوري في لبنان، عن القول: “هل ما زال الشعب اللبناني يصدّق ميشال المرّ؟ الذي كان رمزا للوصاية السورية على لبنان، ورمزا للاتفاق الثلاثي، ورمزا لاتفاق الطائف، وكان رمزا لسجن سمير جعجع”.

ولم يبتعد فرنجية كثيرا عن دور ميشال المرّ في استعمال المال السياسي باتجاهين، لتمرير مشاريع الأسد في لبنان، من جهة، ولزيادة أعماله الاقتصادية بفضل استثمار تلك الهيمنة التي هندس معظم مراحلها، فبعد اتفاق الطائف قام النظام السوري بتعيينه نائبا عن المتن الشمالي أمام جورج حاوي، وغضب حافظ الأسد عندما علم بترشح حاوي، رغم طلب مساعديه إليه بعدم الترشح، وأعلن شطب الحزب الشيوعي اللبناني من خارطة العمل السياسي لنظامه ومنع التحالفات مع مرشحيه لاحقا في جميع المراحل الانتخابية النيابية، وأسباب موقف الأسد تتعلق بعلاقة الحزب مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وبإصرار الشيوعيين حينها على قرارهم الوطني المستقل الذي يخالف سياسة الهيمنة السورية، واشتهر بأنه لم يقل لضابط مخابرات سورية يوما كلمة “لا”.

اختار ميشال المر لذاته دورا سياسيا متحررا في لبنان، فكان على مسافة تبتعد وتقترب من الجميع حسب المصالح


صانع الرؤساء


يصف السياسيون اللبنانيون ميشال المرّ بأنه “صانع الرؤساء”، وممن صنع غير الرؤساء كان ابنه الياس المرّ، ورجل الأعمال غبريال إلياس المرّ صاحب تلفزيون “أم تي في”. ومؤخرا أصدرت عائلته صحيفة الجمهورية، وفي الوقت الذي عملت فيه زعامات مثل جنبلاط وجعجع والحريري، على تقديم المواطنة في لبنان على المحاصصة الطائفية، ورفعت شعار إلغاء الطائفية السياسية من المؤسسات وحياة الناس، عمل آخرون على تكريس الوعي الطائفي، ومأسسته، وجعله واقعا لا يمكن للبلد أن يتحرك من غيره، وكان ميشال المرّ على رأس هؤلاء، مستفيدا من النافذة الأقلوية التي يصدر عنها، محوّلا نفسه إلى ركن طريّ يمكن تغيير مواقفه بالتفاوض، وتبادل المصالح، مؤسسا لمدرسة في السياسة اللبنانية يمكن وصفها بالواقعية، تختلف عن اتجاهات الأحزاب والزعامات التي عرفها لبنان، وإن كان تعبير اليمين المسيحي اللبناني قد فقد منذ بدء الحرب الأهلية، فهو في شخصية ميشال المرّ جليٌ وواضح، لأنه لا يقدّم أكثر من كونه يمينا مسيحيا، فهو لا يحمل توجهات الكتائب ولا إرادة القوات اللبنانية في شعار “لبنان الكيان النهائي”.. هو موجود لأنه نجح في تحويل ذاته إلى ضرورة بأيّة صورة وبكل صورة.

15