ميشال عون.. جنرال الورق والبرتقالة

الأحد 2013/10/13
الرجل الذي أدى دائما الدور المطلوب

بيروت- كلّ ما تحتاج إليه طبقة مسيحيي "العزلة" تلك، هو ذلك الـ "بطل" الذي يطلق شعارات معينة تستجيب لغرائزها في مرحلة محددة، وقد استطاع ميشال عون تلبية مطالب هذه الطبقة مستجيبا لتطلعاتها وأوهامها، عن طريق النداءات المستميتة لإنقاذ مسيحيي الشرق، حتى لو كان الثمن تهجير مئات آلاف المسيحيين من لبنان إبان وجوده شخصيا في القصر الرئاسي في بعبدا بين السنتين 1988 و1990 من القرن الماضي.

سكن ميشال عون في القصر بعد تعيينه رئيسا لحكومة مؤقتة، إثر انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل في ايلول- سبتمبر من العام 1988، ولم يخرج منه الاّ بعد قصف الطيران السوري للقصر، بضوء أخضر أميركي صدر بعد موافقة حافظ الاسد على إرسال وحدة عسكرية شاركت (انطلاقا من حفر الباطن)، في حرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي!

وكانت رئاسة الجمهورية اللبنانية هاجس عون الدائم، فما لم يتغيّر في الرجل الذي أصبح ضابطا في سلاح المدفعية، وانضمّ لاحقا الى الفريق المحيط بالرئيس بشير الجميّل بعد اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975، هو السعي الى شغل هذا الموقع، بأي ثمن.

فعل ذلك، بغض النظر عن المقابل المطلوب دفعه لبنانيا، وطبيعة التحالفات التي يقيمها، وكان مستعدّا لتقديم كلّ شيء من أجل أن يكون رئيسا، على حدّ تعبير أشخاص رافقوه في مسيرته الطويلة.

فيروي السفير السابق جوني عبده الذي كان مديرا للاستخبارات في الجيش اللبناني بين العامين 1976 و1982 أن الضابط ميشال عون كان في كلّ مرّة يلتحق بموقعه العسكري القريب من صيدا في جنوب لبنان يروي لسائقه الرواية ذاتها، وكان على السائق، (كما يقول عبده) تمضية ساعة في كلّ مرة يأخذ فيها عون من بيروت الى صيدا، أن يستمع خلالها، مجبرا لروايته (المملّة) عن "المؤامرات" التي تحيكها له الـ "سي. آي. اي" والـ "ك.جي.بي"، أي الاستخبارات الاميركية والروسية معا، من أجل منع تقدّمه ووصوله الى رئاسة الجمهورية اللبنانية!

واستمرّ هاجس رئاسة الجمهورية، نقطة الضعف التي لطالما استغلها النظام السوري من أجل تنفيذ سياسات معيّنة في لبنان مستخدما عون كلّ مرّة. ففي العام 1985، رفض ميشال عون بعدما أصبح قائدا للجيش تنفيذ أوامر الرئيس أمين الجميّل والقاضية بالقضاء على ميليشيا "القوّات اللبنانية" وذلك بعد اختراق عناصر منشقة من "القوات" تابعة لايلي حبيقة (الموالي للنظام السوري) خطوط التماس في بيروت وصولا الى قلب المنطقة المسيحية في الأشرفية، وقد وجد الجميّل في ذلك فرصة مناسبة للتخلص من كلّ تنظيم "القوات" العسكري والسياسي، بجناحيه الموالي للسوريين والمعادي لهم، بمباركة من البطريرك الماروني. ولكن لدى تحديد ساعة الصفر لبدء تحرّك الجيش الذي كان قادرا على الاستفادة من الصدام بين جناحي "القوّات" لملء الفراغ العسكري في بيروت الشرقية (المسيحية) والمناطق المحيطة بها، اختفى ميشال عون فجأة، ولا يشكّ الجميّل، كما قال أكثر من مرة، في أن قائد الجيش اللبناني، كان قد ذهب لزيارة دمشق سرّا في محاولة معرفة موقفها من القضاء على "القوات اللبنانية" بدل الالتحاق بغرفة العمليات في وزارة الدفاع.

يعتقد أمين الجميّل أن تلك كانت الفرصة الوحيدة للقضاء على "القوات"، لكن ميشال عون فوّتها على الجيش اللبناني لأنّ السوريين كانوا يؤمنون، في العام 1985، أن "وحدة البندقية المسيحية" ليست في مصلحتهم وأن أي صدام بين الجيش و"القوّات" يجب أن يصب في مصلحة تدمير الجانبين وتمكينهم من وضع اليد على المنطقة ذات الأكثرية المسيحية، وهذا ما حصل بالفعل في تشرين الاوّل-اكتوبر 1990 بعدما خاض عون معارك شرسة مع "القوّات" ورفع شعارات معادية لحافظ الاسد، بل مهينة له، بسبب رفض الاخير القبول به رئيسا للجمهورية.

وكان لدى ميشال عون في كلّ وقت وسطاء بينه وبين النظام السوري، ومن بين أبرز هؤلاء ألبير منصور، الذي أصبح لاحقا وزيرا للدفاع، والمحامي فايز قزّي البعثي السابق الذي كان قريبا من بغداد ثمّ تحوّل إلى الولاء لدمشق، وقد وصل الامر بعون، عندما أصبح قائدا للجيش في العام 1984 أن زار دمشق وكتب في سجلّ الزوّار في نادي الصيد، حيث أقيم غداء على شرفه، إنه "جندي في جيش حافظ الاسد"، وكان في الواقع جنديا في هذا الجيش، من حيث يدري أحيانا ومن حيث لا يدري في أحيان أخرى، لكنّه كان دائما تلك الاداة التي استخدمها حافظ الاسد، مستعينا بدهائه المعروف، حتى عندما أقام ميشال عون نوعا من الحلف مع خصمه صدّام حسين وتسلّم منه دبابات ومدافع وذخيرة.

عون يضيع في فوارق الحسابات الكبرى

بعد توقيع اتفاق الطائف في خريف العام 1989، لعب ميشال عون الدور المطلوب منه،فاعترض على الاتفاق الذي أدى الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية الذي كان وقتها رينيه معوّض، و منع عون الرئيس المنتخب من دخول قصر الرئاسة، وهو ما سهّل عمليا على السوريين التخلص منه في الثاني والعشرين من تشرين الثاني- نوفمبر 1989، فقد كان رينيه معوّض مزعجا للأسد بسبب علاقاته العربية المتشعبة، وخصوصا العلاقة مع المملكة العربية السعودية، ومع الدول الغربية عموما، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكان لدى حافظ الاسد تفسيره الخاص لاتفاق الطائف الذي يختلف عن تفسير العرب الآخرين والقوى الدولية التي دعمت الاتفاق.

حقّق ميشال عون للنظام السوري هدفين ثمينين، تمثّل الاوّل في تسهيل التخلص من رينيه معوّض الذي تم تفجير موكبه في منطقة كانت تحت السيطرة السورية الكاملة في بيروت، وسمح ذلك بانتخاب الياس الهراوي رئيسا للجمهورية، وكان الهراوي من النوع المرن المستعد باستمرار للاستجابة لما يطلبه حافظ الاسد، كما أثبتت التجربة فيما بعد.

أما الهدف الثاني فكان فتح أبواب المنطقة المسيحية أمام الجيش السوري، فبفضل ميشال عون وإصراره على البقاء في قصر بعبدا، دخل السوريون في الثالث عشر من تشرين الاوّل-اكتوبر 1990 قصر الرئاسة ووزارة الدفاع في اليرزة واخذوا منها كلّ الوثائق التي في حوزة المؤسسة العسكرية اللبنانية منذ اليوم الاوّل لتأسيسها، وأطبقوا على بيروت.

ترك السوريون ميشال عون يفرّ الى السفارة الفرنسية القريبة من قصر بعبدا التي بقي فيها بعض الوقت، وما لبثوا أن سمحوا له باللجوء الى فرنسا حيث بقي منسيا طوال سنوات عدة، الى أن جاء الوقت لإحياء دوره من جديد، وحصل ذلك من منطلق انه قادر على إثارة الغرائز لدى طبقة المسيحيين التي وصفناها بالـ" منعزلة" فبعدما ورث بشّار الاسد الحكم في سوريا، وحتى قبل ذلك بعامين، أي في 1998، بدأت تظهر حساسيات، من النوع الزائد، لدى النظام السوري تجاه رفيق الحريري، كان في أساس تلك الحساسيات، التي غذّتها شخصياتٌ لبنانية وأوساط من "حزب الله" الذي نسج علاقة متميّزة مع الأسد الابن، كون الحريري مشروع زعيم سنّي قادر على تجاوز الحدود اللبنانية، ومن أفضل من ميشال عون ليلعب دورا مساعدا في منع انضمام قسم لا بأس به من المسيحيين إلى مشروع الحريري الذي كان يستهدف في الواقع الاستفادة من رحيل حافظ الاسد لوضع لبنان مجددا على خريطة المنطقة بدل بقائه تحت الوصاية السورية-الايرانية؟


لبنان في المكسر العربي الإيراني


كانت هناك شراكة ايرانية- سورية في التقرّب من ميشال عون، المقيم في باريس، من منطلق أن كلّ الادوار التي يلعبها خارج لبنان، بما في ذلك الرحلة التي قام بها لواشنطن بدعم من اللوبي الاسرائيلي، ولم تكن مساهمته في الترويج لقانون محاسبة سوريا الذي أقرّ في الكونغرس، لأكثر من أدوارٍ مؤقتة، كانت كلام ليل يمحوه النهار لا أكثر ولا أقلّ.

وتبيّن أن الحسابات الايرانية-السورية في محلّها، خصوصا في مرحلة ما بعد اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط-فبراير 2005، فقد عاد ميشال عون الى لبنان ليؤدي الدور الجديد المطلوب منه، ونسي عداءه للنظام السوري ووصفه لـ"حزب حسن نصرالله" بأنّه "ارهابي"، وقام بشطب مرحلة (نضال!) كاملة، بمجرّد التلويح له برئاسة الجمهورية وبمكاسب أخرى، ووقّع وثيقة تفاهم مع "حزب الله" المذهبي، الذي يفترض أن لا يكون هناك ما يربطه به، في شباط- فبراير 2006، وعاد ليلعب دور المسيحي المتحالف مع "حزب الله" الإيراني والمعادي للنفوذ السنّي في لبنان وسوريا.

إنه المسيحي، الآتي من الطبقة دون المتوسطة، الذي يتحدّث عن "التكفيريين" بصفة كونهم الممثل الشرعي الوحيد للسنّة في لبنان وسوريا، وليس مهمّا أن يكون ذلك وصفا دقيقا لحالة معيّنة أم لا،بقدر ما كان المهمّ وجود من يستطيع إثارة الغرائز لدى بعض المسيحيين والتلويح لهم بـ"حلف الاقلّيات" في المنطقة.

ولا يستطيع أي سياسي لبناني لعب هذا الدور باتقان، كما لعبه ميشال عون، الحالم دائما برئاسة الجمهورية اللبنانية التي وقف سنّة لبنان، وقسم كبير من المسيحيين اللبنانيين، وما زالوا يقفون حاجزا دون تمكينه من الوصول اليها.

ومن فكر عون الذي ظنّه المسيحيون في لحظة تاريخية ما، أنه المخلّص والمنقذ، وأنشؤوا له تيارا أطلقوا عليه "العونية" التي تنادي بحماية مسيحيي الشرق من الاضطهاد والتكفيريين، انسلخ ميشال عون من جديد منقلبا على جمهوره المسيحي، ومصدّرا لعنصرية جديدة، تقوم على تقديم المسيحيين كأدوات للتسلية والترفيه، كما يفعل في تلفزيونه الشهير ببرامج الطرائف لما فوق سن الثامنة عشرة،ORANGE.TV (تلفزيون البرتقالة)وكذلك من خلال تصريحات ومواقف وزارئه وصهره جبران باسيل التي كان آخرها: "إن الأطفال السوريين يحملون جينات الإرهاب في دمائهم، ولذلك لا ينبغي لنا أن نسمح لأطفالنا بالاختلاط معهم"!

في الانتظار، يستطيع ميشال عون العيش مرتاحا والمناداة بنظافة كفّه في مقرّه الجديد في منطقة جبلية راقية لا تبعد كثيرا عن بيروت(الرابية)، وهي تعجّ بالأغنياء الجدد والقدامى،حيث لا يوجد من يسأل عون من أين له كلّ تلك الأموال والإمكانات؟

أما هو، أي ميشال عون، فانه يفضّل أن ينسى ما الذي حلّ بمسقط رأسه، "حارة حريك" ولماذا لا يستطيع العودة اليها اليوم، بعدما صارت معقلا من معاقل "حزب الله"، بل عنوانه الرسمي في لبنان؟!

7