ميشال عون وحقوق الأصهار

الأربعاء 2015/08/12

من الناحية السياسية والإنسانية، يبدو الجنرال ميشال عون في حال مثيرة للشفقة، في خضم الانتخابات الداخلية لحزبه العائلي (التيار الوطني الحر)، وبعد التمديد لقائد الجيش اللبناني جان قهوجي.

لجأ الجنرال إلى يافطة حقوق المسيحيين لاقتطاع حصته من كعكة الدولة، لكنه فقد كل مصداقية حين حصر المسيحيين بصهريه، جبران باسيل وشامل روكز. أثناء تأليف حكومة فؤاد السنيورة الثانية المناط بها عمل الانتخابات البرلمانية، خاض الجنرال حربا ضروسا لمنع توزير “الراسبين في الانتخابات” خشية تكوين شعبية جديدة تزاحم مرشحيه انتخابيا، استجابت القوى السياسية لمطلب الجنرال، لكن المشكلة أن صهر الجنرال خسر الانتخابات مما اضطر عون لخوض معركة جديدة لتوزيره، لينسى حربه السابقة ويرفع شعارا جديدا، وبراءة الأطفال في عينيه، “إنهم يغبنون حقوق المسيحيين حين يرفضون رغبة عون في توزير باسيل”.

مؤخرا، خاض عون معركة هي الأغرب في التاريخ السياسي اللبناني، هو يريد تعيين صهره الثاني شامل روكز قائدا للجيش، دعا جمهوره للخروج إلى الشارع بلا عنوان، مما دفع آلته الإعلامية للحديث عن عناوين كبرى لا علاقة لها بالموضوع، كحقوق المسيحيين والفيدرالية، لم يكن ممكنا أن يدعو عون أنصاره لرفع الإعلان الذي يريد، “روكز قائدا للجيش”، كي لا يقضي على حظوظ صهره بسبب القانون العسكري المناهض للتسييس، وفي ظل غموض الهدف وعائلية القضية، جاء تجاوب جمهور الجنرال ضعيفا ومحرجا، وبعد التمديد لقائد الجيش جان قهوجي، عاد عون إلى الصراخ، لم يجد عنوانا مناسبا لمحاربة قهوجي إلا بـ”رفض تسييس الجيش” وتلك نكتة لا تضحك أحدا، وإذا قيل لعون التمديد أفضل من الفراغ، تساءل ببلاهة منقطعة النظير “ولماذا يحصل الفراغ أصلا”؟ وكأنه نسي تعطيله لانتخابات الرئاسة.

وزير الدفاع سمير مقبل، لم يوقع قرار التمديد -وفق المنطق- إلا بعد أخذ الضوء الأخضر من القوى السياسية اللبنانية، وعلى رأسها (حزب الله) الحليف المتبقي لعون هذه الأيام، فالحزب مشغول بتطفله على الشأن السوري، ولا مجال له كي يخوض معركة جديدة في الداخل أو في الخارج، لكن الجنرال لا يراعي أزمة الحزب ومتطلبات عون لا نهاية لها وقد تجر الحزب للصدام مع الجيش.

إذا أحيل العميد شامل روكز إلى التقاعد، فتلك مشكلة تهدد حزب الجنرال بقوة، فالانتخابات الداخلية على الأبواب، وصهر الجنرال (جبران باسيل) مرشح بدعم الجنرال لرئاسة الحزب، لكن القاعدة الحزبية والعائلية لم تنصع لرغبة عون، فترشح ضده ابن شقيقة الجنرال نائب بعبدا، آلان عون، مدعوما من ابن شقيق الجنرال، نعيم عون. وأغلب نواب الحزب، يتمتعون آلان بشعبية أكثر مصداقية من باسيل، لكن لو أتيحت حرية الاختيار للقاعدة الحزبية فلن تختار هذا المرشح أو ذاك، بل ستصوت حصرا لصهر الجنرال الثاني (شامل روكز)، أي أن عون في حاجة إلى منصب لروكز كي يمهد الزعامة من بعده لجبران باسيل، لكن عائلة الجنرال ومحازبيه لهم رأي مختلف. حاول باسيل تفصيل شروط انتخابية وحزبية تمنع خصومه الأقوياء من الترشح، فوضع شرط الشهادة الجامعية لإزاحة نعيم عون القوة الضاربة داخل التيار، وحدد الموعد الأخير لتقديم أوراق الترشح لرئاسة الحزب قبل إحالة شامل روكز إلى التقاعد فلا يدخل الانتخابات أساسا، ومع كل ذلك لا يبدو النصر متاحا لباسيل من دون تدخل سافر وصارم من الجنرال ينسف به قواعد الديمقراطية التي بشر بها محازبيه، وقبل ذلك يرفع من منسوب الفرقة داخل الحزب الممزق أصلا.

في معارك عون السياسية/العائلية يبدو غريبا وطريفا استبعاد الجنرال لصهره الثالث روي الهاشم من مطالبه العامة، مكتفيا بمنحه إدارة محطته التلفزيونية منذ تأسيسها، مع أن الهاشم متخصص في هندسة الاتصالات وسبق له التدريس في الجامعة اليسوعية وأسس شركة استشارية ناجحة في أوروبا، إلا إذا كان الجنرال يدخره مرشحا لمنصب حاكم مصرف لبنان، أو شخصية توافقية بين روكز وباسيل، ومع ذلك من الضروري أن يراجع الهاشم علاقته بحميه الذي يكاد أن يقول له “أنا لا أحبك”.

لي صديق علاقته ممتازة بحميه قال لي مؤخرا “اعتقدت نفسي محبوبا عند حماي حتى رأيت معاملة ميشال عون لصهريه”، والجميع يتساءل هذه الأيام ماذا كان سيفعل عون بالمسيحيين، وباللبنانيين، لو رزق صبيا؟

لا أحد يريد للجنرال أن ينجح أو أن يستمر، تلك هي أحلام أصدقائه قبل خصومه، فالحزب الإلهي مل العناد والحماقة، وإبراهيم كنعان من داخل الحزب، وسليمان فرنجية من خارجه، يتوقان لوراثة الزعيم الطاعن وغير المستقر، أما رئيس مجلس النواب نبيه بري فلا يطيقه البتة. وكأن جمهور الجنرال تسرب إليه الملل من العلاقة المتوترة مع الجميع، إضافة إلى الحروب الخاسرة والمناورات الفاشلة، فالخيار المنطقي للجنرال إزاء البرلمان غير الشرعي والحكومة الإقصائية، كما يزعم، هو استقالة نوابه ووزرائه، لكن هذا القرار عواقبه وخيمة ومزعجة، إذ سيكون هو المسؤول الأول عن فراغ الدولة كلها بعد أن كان المسؤول الأساس عن فراغ الرئاسة، الموقع المسيحي الأول الوحيد في المشرق.

المسيحيون يستحقون زعيما أفضل من عون، ومن مصلحة العرب والمسلمين أن يرتاح المسيحيون في لبنان وفي غير لبنان، لتحصين التعايش والتنوع ولتعزيز الاعتدال ولتحسين سمعة العرب والمسلمين، والأهم أن ذلك حق للمسيحيين وليس منة من أحد، والمشكلة التي تواجه المسيحيين هي تلك الزعامات التي تستخدم جمهورها للعمل ضد مصلحة أوطانها وجمهورها لتحقيق المكاسب الشخصية والعائلية ولو عبر تعطيل الدولة وتفريغ المواقع المسيحية المهمة، وكأن مشكلة المسيحيين الوحيدة والحقيقية أن عون ليس لديه إلا ثلاثة أصهار.

كاتب سعودي

9