ميشال فوكو جهاز مفاهيمي عميق عابر للزمن

الأربعاء 2014/11/19
فوكو هدم الحدود بين العلوم الإنسانية والاجتماعية وجعلها وسيلة للتفكير ومعاودة التفكير

افتتحت مجموعة البحث في تحليل الخطاب التّابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء موسمها الثقافي والعلمي مواصلة بذلك مسارها الساعي إلى بلورة خطاب ثقافي رصين يقوم أساسا على إعادة الاعتبار للسؤال المعرفي والجمالي والأدبي من داخل التكوين الجامعي.

الندوة الفكرية نظمتها مجموعة البحث في تحليل الخطاب بشراكة مع مجموعة البحث في فلسفة الصورة، وبتعاون مع مؤسسة الملك عبدالعزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والإنسانية بالدار البيضاء، حول الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، بعنوان “فوكو اليوم، راهنيته والتلقي العربي لفكره”.


التأويل والتلقي


عرفت الندوة حضورا لافتا لعدد من الأكاديميين والفلاسفة والنقاد والباحثين وطلبة الدراسات العليا والإعلاميين. شكلت لهم لحظة معرفية قوية بشهادة كل المتتبعين والمتخصصين. وتميزت الجلسة الصباحية التي ترأسها الباحث محمد الشيخ بإلقاء كلمة اللجنة المنظمة التي تضمنت تلاوة الورقة الخاصة بالندوة مركزة على الغاية منها معرفيا وبيداغوجيا، تلتها الجلسة العلمية الأولى، والتي تحدث في بدايتها الأستاذ والباحث عبداللطيف محفوظ الذي قدم مداخلة موسومة بـ”فوكو واستراتيجية تأويل الأدلة الأيقونية” وقد تركزت حول المقاربة التأملية لميشال فوكو في لوحة “الوصيفات” للرسام الإسباني فيلاسكيز. حيث قدّم في بداية مداخلته الإطار النظري لمقاربته، والتي تمثلت في نظرية ش.س. بورس السيميائية في بعدها الأكثر إسعافا على رسم حدود قراءة فوكو التأملية.

وهكذا، وبشكل سلس، قدم نظرية المؤوّلات البورسية، منتهيا إلى اعتبار قراءة فوكو متوقعة في خانات المؤوّلات المنتمية إلى مقولتي الممكن والوجود، ومن ثم فسرّ تغاضي فوكو عن الالتجاء إلى السياقات المناسبة لمكوّنات الدليل في اللوحة، والتي تؤشر على سياقات مسجلة في الموسوعة الفعلية، سواء أتعلق الأمر بالسياق التاريخي أو الاجتماعي أو المتعاليات الفنية. منتهيا إلى أن تحليل فوكو الذي يمكر بالسياقات الفعلية التي تؤشر عليها اللوحة، يهتمّ بالنوعيات عن طريق تحويل الدليل/ اللوحة إلى مجموعة من الأدلة الجزئية مأخوذة في جانبها النوعي فحسب، حيث يبدو التحليل الفوكاوي كما لو كان مجرّد تشخيص للمرئي في شكل سردي، حيث العمل على توصيف ورتق الفجوات الافتراضية داخل المحكي المفترض لحكاية اللوحة، وذلك عن طريق تحويل الساكن إلى متحرك، والثابت المنتهي إلى زمن داخل ديمومة مفترضة. كما ركز تحليل محفوظ على معالجة فوكو للنظرة ودلالاتها وفق تموقعاتها في الفضاء والزمن الافتراضيين.

العصر وحدة إبستيمية وهو نظام خطاب كما هو نظام رؤية يحدد مفهوم الذات وعلاقتها بذاتها وبالغير

أما المداخلة الثانية فقدمها د.عبدالمجيد الجهاد وكانت موسومة بـ”التلقي العربي لفكر ميشال فوكو، محمد عابد الجابري نموذجا”، انطلق فيها من تباين المواقف في واقعنا الفكري العربي بخصوص إشكالية التعاطي مع الفلسفات الغربية، بين من اعتبرها قيمة مضافة، وبين من اعتبرها مجرّد تعميق في تبعيتنا للآخر الغربي. وحاول في مقاربته الإجابة عن عدد من الإشكالات من قبيل: كيف تمّ تلقي فكر فوكو من طرف المفكرين المغاربة؟ ماهي أشكال ومستويات هذا التلقي؟


الذات عند فوكو


في حين انصبت مداخلة د.محمد مزيان على “مسألة الذات في فكر ميشال فوكو” منطلقا من أن أسئلة “فوكو” على اختلافها هي تفريع لسؤال الذات. إن فوكو لا يسأل ما الذات؟ بل ما شروط تكوّنها. وبذلك فعمله يندرج، نسبيا، ضمن تقليد كانطي يجعل الذات مفعولا لشروطها. وفي سعي هذا الفكر- الأركيولوجي إلى تقصّي صيغ تولّد الذات، يصطدم بمفهوم العصر كأفق أقصى لصيغ الخطاب والرؤية، فالعصر كوحدة إبستيمية هو نظام خطاب كما هو نظام رؤية يحدّد مفهوم الذات وعلاقتها بذاتها وبالغير. لذلك فالعبور من عصر النهضة إلى العصر الكلاسيكي ثم العصر الحديث هو عبور عبر مفاهيم مختلفة للذات، تعبّر عن التداخل الوثيق بين عمل المعرفة وتقنيات السلطة في غمرة حرب ضروس لا هوادة فيها.

يضيف الباحث: إن التحوّل الذي عرفه العصر الحديث منذ القرن 19 هو تولّد مفهوم للذات على خلفية علاقة الإنسان بقوى التناهي المتمثلة في الحياة، الشغل واللغة. وإن “فوكو” لا يهدف من وراء نقده خطاب الذاتية للعصر الحديث إلى تهديم الذات بل إلى التأريخ لها إيذانا بخوض تجربة جديدة للذات، فقد أظهرت تحليلاته لمختلف العقلانيات القطاعية، لتجربة الجنون -مثلا- مع الحجز والسجن منذ العصر الكلاسيكي، أظهرت نفس ما أظهرته تجربة الجنس منذ القرن 18 و19 مع التحليل النفسي والخطاب الطبي، أظهرت -بوصفها معارف- أنها لا تخلو من سلطة تراقب وتعاقب، لا تعنّف بالضرورة، لكنها تضبط وتؤدّب وتطوّع النفوس والأجساد.

التحليل الفوكاوي تشخيص للمرئي في شكل سردي

لينهي مداخلته برهان “فوكو” بعد انسداد أفق الطرح الميتافيزيقي لسؤال الذات على “إعادة تشكيل وتطوير ممارسة للذات تكون فيها هي صانعة جمال حياتها الخاصة”، الرهان هو ذاتية مغايرة في أفق الحياة كأثر فني، وهذا غير ممكن اليوم، إلا إذا وضعنا نصب أعيننا سؤال: كيف نحكم أنفسنا بأنفسنا؟ هذا السؤال هو المهمة الكبرى للفلسفة اليوم، حيث أن هذا السؤال هو ما تخشاه الفاشية، لأن الفاشية تخشى القرارات والاختيارات الشخصية إذ أنها قتل للزعيم.

بعد ذلك أحيلت الكلمة إلى د.السعيد لبيب، الذي كانت مداخلته تحت عنوان ” فوكو ودراسات النوع” وقد أكد من خلالها عدم إمكانية الحديث عن الدراسات التي تنشغل بقضايا المرأة والجسد دون استحضار مكانة فوكو في تحرير هذه الدراسات، خصوصا مع ما سمي بنظرية الكويير La théorie Queer مع G.Buttler، من مسلمات التنميط والعنف الرمزي المحايث لكل تحليل لعلاقة الفرد بالجنس تحليلا لا يعمل سوى على تكريس المعايير إلى فصل بين حياة عادية تقبل العيش في أطر إنسانية.

أما الجلسة الثانية التي ترأسها أحمد الصادقي فقد افتتحت بمداخلة الباحث دخيسي عبدالمجيد وسمها بـ”الاعتقال والرقابة الاجتماعية في نظرية فوكو: من استعباد الأفراد إلى تدجين الجموع” تحدث فيها عن الإبستيمي الذي شيّده فوكو من خلال شكل جديد للهيمنة بوصفه سببا للاهتمام به. موضحا أن الهيمنة لم تعد في منطقة محلية بل صارت كونية وركز في الشطر الأخير منها على مفهوم الفردانية.

ثمّ قدّم د.محمد الشيخ كلمته الموسومة بـ”فوكو ونقاده” من قناعة المتدخل بأنه لا يوجد مفكر كبير إلا ووُجد له نقاد ومناقضون. أما المداخلة الأخيرة فكانت للدكتور عبد العلي معزوز تحت عنوان “فوكو: راهنيته والتلقي العربي لفكره” وقد حاول الإجابة عن السؤال التالي: ماذا يمثلُ فكر ميشال فوكو اليوم؟ موضحا بأنه أولا جهاز مفاهيمي، ومعجم فلسفي خاص، حيث يكفي ذكر مقولات صارت رائجة في الفكر المعاصر من مثل السياسة الحيوية، وتدبير الذات، واستعمال المُتَع، والتذويت، والجنسية، والخطاب، والممارسات الخِطابية لمعرفة ذلك.

فكر فوكو إعادة تشكيل وتطوير لممارسة الذات لتكون صانعة جمال حياتها الخاصة، وتحكم نفسها بنفسها

يمكنُ القول إن ثمة عُلْبَةَ مفاهيم وأدوات خاصة بفكر فوكو. ذلك أن فوكو لمْ يبتكر فقط مفاهيم للتحليل، وإنما موضوعات للتفكير. إن هذا الجهاز المفاهيمي المُبْتَكَر من طرف فوكو هو من أجل فهم أعمق للزمن الحاضر. فمفاهيم مثل الجنون والجنسانية والطب العقلي والسجن تمّ استئناف التفكير فيها خارج القواعد المُكرَّسَة في المجتمعات المعاصرة. كما يعود الفضل إلى فوكو في ابتكار مفهوم مجتمعات الرقابة. مضيفا أن فوكو ذاتُهُ الذي هدمَ الحدود بين الاختصاصات في العلوم الإنسانية والاجتماعية واستطاع أن يجعل منها وسيلة للتفكير ومعاودة التفكير في أهمّ معضلات عصْرِنَا. وجعل من التاريخ وسيلة ليس لاستعادة الماضي وإنما لفهم الحاضر.

وأعقبت المداخلات نقاشات عميقة شارك فيها الباحثون والطلبة الذين تفاعلوا مع الإشكالات التي طرحتها الندوة، وكانت بحق لحظة معرفية تسهم لا محالة في التكوين الجامعي الرصين الذي من شأنه أن يدخل الطالب والباحث في صلب السؤال الفلسفي.

15