ميشال فوكو وحوار اعترافي: تونس التي غيرت فكري

الأحد 2014/03/02
ميشال فوكو مطلا من شرفة مكتبه في السوربون على جهة من باريس

في الفترة الممتدة من 1990 إلى 1995 اكتشفت في مهجري ببريطانيا كتابات ميشال فوكو المولود في 1926 والمتوفى في 1984 وتأثير تونس وحركة التحرر الوطني الجزائري على تشكيل أفكاره ونظرياته. في هذا السياق عثرت في عام 1991 على كتاب يحمل عنوان ” ملاحظات حول ماركس" وهو من الحجم الصغير و عبارة عن ستة حوارات تغطي 187 صفحة أجراها معه الصحفي الإيطالي ” داسيو ترومبادوري ” ونشرها في عام 1981 في كتاب باللغة الإيطالية. وفي عام 1991 ترجم هذه الحوارات إلى اللغة الإنكليزية كل من المترجمين جيمس غولدشتاين وجيمس كاسكايتو.

لقد أكدت لي هذه الحوارات أن فلسفة فوكو قد تأثرت تأثرا عميقا بلحظة الصدام الاستعماري بين فرنسا وبين حركات التحرر الوطني في منطقة شمال إفريقيا، وتحديدا في الجزائر وتونس كما تأثرت بترسبات وبقايا ذلك الصدام في العهد ما بعد الاستعماري. هكذا توصلت إلى النتيجة التالية وهي أنه دون إدراك هذا التأثير لا يمكن إطلاقا فهم علاقة فلسفة هذا الفيلسوف بالتاريخ.


تجربة تونس


في هذا الحوار تحدث ميشال فوكو لهذا الصحفي الإيطالي عن تجربته في تونس عندما كان أستاذا للفلسفة في جامعتها وعن تأثير الحركة الطلابية اليسارية التونسية في الستينات من القرن الماضي على تشكيل وتعديل أفكاره.

وفيما يلي نلخص أهم ما جاء في هذا الحوار، وبهذا الخصوص نشرع في البداية في تأمل الفرق الذي لاحظه فوكو بين تمرد الحركة الطلابية الأوروبية في عام 1968 وبين تمرد الحركة الطلابية التونسية في شهر مارس من العام نفسه: ” أثناء ماي 1968، وكما حدث في فترة حرب الجزائر، لم أكن في فرنسا: دعنا نقول بأنني كنت لا أزال مزحزحا قليلا، ومهمشا. في هذه المناسبة أيضا جلبت معي، عند عودتي إلى باريس، طريقة الغريب في رؤية الأشياء، وبالنظر إلى النتائج المتوقعة فإن ما كان يجب عليّ أن أقوله لم يستقبل دائما بسهولة.

أتذكر أن هربرت ماركيوز قد قال باستنكار في يوم ما: “أين كان فوكو في زمن متاريس ماي 1968 ؟ حسنا، لقد كنت في تونس بسبب عملي. إنه يجب عليّ أن أضيف شيئا وهو أن هذه التجربة كانت حاسمة بالنسبة إليّ. لقد كان لي حظ جيد في حياتي في أن أعاين عدة حقائق مهمة. في السويد، رأيت البلد الديمقراطي الاجتماعي الذي عمل جيدا، وفي بولونيا رأيت الديمقراطية الشعبية التي عملت بشكل سيء، هذا وقد تعرفت، على نحو جديد، على جمهورية ألمانيا الفيدرالية في أوج ازدهارها الاقتصادي في الستينات من القرن العشرين، وأخيراً فقد عشت في بلد غير نام وهو تونس لمدة عامين ونصف العام. لقد كانت تجربة صادمة: قبل ماي 1968 بقليل بفرنسا، كانت هناك تحريضات طلابية عنيفة جدا. لقد كان ذلك في مارس من السنة نفسها: إضرابات، مقاطعات للدراسة، واعتقالات حدثت واحدة تلو الأخرى على مدار السنة. لقد اقتحمت الشرطة حرم الجامعة وهاجمت طلابا كثيرين، وجرحت من جرحت منهم، وألقت بهم في غياهب السجن، كما أصدرت المحاكم ضد هؤلاء الطلاب أحكاما بالسجن تتراوح بين ثماني وعشر سنوات، وأربعة عشر سنة. لقد وجدت نفسي أستاذا فرنسيا منغمسا في ذلك الواقع وكانت لي طريقة أفضل لفهم الوضع ولموضعة الوضعية في علاقتها مع ما كان يحدث في جامعات أخرى في العالم. لقد كنت محترما، على نحو ما، من طرف السلطات المحلية الأمر الذي مكّنني من إنجاز سلسلة من الأفعال بسهولة، ومن إدراك ردود أفعال الحكومة تجاه ما كان يحدث بدقة.

إنه يجب عليّ أن أقول بأن هذا الموقف قد ترك شيئا ما ليكون مرغوبا، لقد كنت أثناء هذه التغيرات الانقلابية مصابا بالذهول من هؤلاء الشبان ( رجالا ونساء) الذين عرّضوا أنفسهم لمخاطر حقيقية بسبب كتاباتهم لشعارات على الملصقات أو بسبب توزيعهم لها، أو جراء تحريضهم للآخرين ليقوموا بالإضراب. لقد كانت مثل هذه الأعمال كافية أن تضع حياة أو حرية أو جسد أحد ما في خطر، لقد ترك هذا انطباعا قويا عليّ: لقد كان بالنسبة إليّ تجربة سياسية حقيقية”.

في تونس فقد شعرت أنني كنت مجبرا على أن أمنح الطلاب الدعم الشخصي، وأن أخوض التجربة، وأن أشارك في شيء مختلف كلية عن دمدمة الخطابات السياسية


قصة مختلفة


وعن سؤال “هل تعني أنك عشت تجربة سياسية مباشرة” في تونس أكد فوكو قائلا: ” نعم. إنه منذ انتمائي إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، ومرورا بكل الأحداث التي تلتها في السنوات الماضية التي حدثتك عنها مسبقا، فإن التجربة السياسة قد تركت مذاقا سيئا في فمي. لقد أغلقت على نفسي وانغمست في نوع من الشك التأملي. أنا لا أخفي هذا. في زمن حرب الجزائر لم أ تمكن أيضا من المشاركة مباشرة وعندما فعلت هذا فقد حدث ذلك دون أن أضع أمني الشخصي في خطر. أما في تونس فقد شعرت أنني كنت مجبرا أن أمنح الطلاب الدعم الشخصي، وأن أخوض التجربة، وأن أشارك في شيء مختلف كلية عن دمدمة الخطابات السياسية، وعن المناقشات التي دارت في أوروبا. إنني أعني أنه لو أفكر مثلا بخصوص ما كانت عليه الماركسية، وفي الكيفية التي عملت بها في أوساطنا كطلاب أثناء سنوات 1950/ 1952، أو أفكر حول ما مثلته بالنسبة إلى بلد مثل بولونيا حيث أصبحت عند أغلب الشبان موضوعا مقززا بالكامل ( مع وضع قضية شروطهم الاجتماعية جانبا)، وحيث كانت تدرس مثل الديانة بواسطة السؤال والجواب، أو أتذكر كل تلك المناقشات الأكاديمية الباردة حول الماركسية التي ساهمت فيها أوائل الستينات من القرن العشرين في فرنسا.. حسنا! وبالعكس فقد كان كل واحد في تونس مشدودا إلى الماركسية بالعنف الراديكالي، وبالاندفاع القوي العجيب.

بالنسبة إلى أولئك الشبان الصغار فإن الماركسية لم تكن تمثل فقط طريقة لتحليل الواقع، بل كانت أيضا نوعا من القوة الأخلاقية، وفعلا وجوديا. إنني أحسست أن الوهم قد سقط عني ، وأشعر أنني مملوء بالمرارة حين أفكر في الفرق الكبير الذي كان بين ما كان عليه الطلاب التونسيون الماركسيون، وبين ما كنت أعرفه عن تشكيلات الماركسية في أوروبا ( فرنسا، بولونيا الخ). وهكذا فقد مثلت لي تونس بصورة ما فرصة أن أدخل نفسي مجددا في الجدل السياسي. لم يكن ماي 1968 بفرنسا هو من غيّرني، بل مارس 1968 في بلد من العالم الثالث”.


ضرورة النضال


يوضح فوكو هذه القضية أكثر هكذا: ” إن الذي أعنيه هو هذا: ما هو هذا الشيء الذي يشعل في الفرد الرغبة، والقدرة، وإمكانية التضحية المطلقة دون أن نكون قادرين على أن نلاحظ أو نشك فيه هو وجود الطموح الطفيف أو الرغبة في امتلاك السلطة أو الحصول على الريح؟ هذا هو ما رأيته في تونس.

لقد كانت ضرورة النضال هناك واضحة وبديهية بسبب طبيعة بعض الشروط غير المحتملة التي أنتجتها الرأسمالية، والكولونيالية، والكولونيالية الجديدة”. في هذا السياق سجل فوكو أنه ” في نضال من هذا النوع فإن قضية الالتزام الوجودي المباشر، ولنقل الالتزام المادي، قد كانت متضمنة فيه فورا وأن الإحالة إلى النظرية لم تكن في الأخير بالشيء الأساسي كما أعتقد. دعني أشرح: إن الإعداد النظري الماركسي المقدم للطلاب التوانسة لم يكن معمقا ومطورا على نحو عميق جدا. إن السجال الحقيقي الذي دار بينهم حول خيارات الاستراتيجية أو التكتيك، وبخصوص ما يجب القيام به، لم يكن مشتملا على التحليل المفصل للنزعات الأيديولوجية الماركسية. لقد كان الأمر شيئا آخر تماما ودون شك فقد قادني هذا إلى الإيمان بأن دور الأيديولوجية السياسية، أو أن الإدراك السياسي للعالم كان لا غنى عنه لهدف تفجير النضال، ومن جهة أخرى، فأنا أستطيع أن أرى أن دقة النظرية ومميزاتها العلمية كانت قضية ثانوية بالكامل، وأنها قد شُغّلت في السجالات كأداة للتضليل أكثر من تشغيلها كمعيار حقيقي وصحيح ومناسب للسلوك”.


الفرق الجوهري


إن الفرق الجوهري بين الحركة الطلابية التونسية وبين الحركة الطلابية الفرنسية / الأوروبية يحصره فوكو في قوله: ” عندما عدت إلى فرنسا في نوفمبر- ديسمبر 1968 م فقد فوجئت وأصبت بالدهشة حقا- و بالأحرى فقد خاب أملي- عندما قارنت الوضعية بما كنت قد رأيته في تونس.

رغم أن النضالات كانت مطبوعة بالعنف والانخراط المتوتر، و لكنها لم تجلب معها نفس الثمن ونفس التضحيات. لا توجد هناك مقارنة بين متاريس الحي اللاتيني وبين خطر قضاء خمس عشرة سنة في السجن كما الأمر في تونس. لقد تحدثنا من قبل عن الماركسية المفرطة Hyper- Marxism في فرنسا، وعن إطلاق النظريات، وعن التحريمات والانقسامات إلى زمر- التي كانت كلها مقلقة وقليلة المنفعة. لقد كان كل هذا مخالفا ومناقضا حقا لما جذبني إلى تونس. إلى هذا الحد و ابتداء من تلك اللحظة فقد قررت أن أبقى بعيدا عن حلقة المناقشات التي لا تنتهي، وعن التمركس المفرط، وعن الخطابية التي لا تقهر، فلقد كانت هذه حياة الجامعات، وخاصة جامعة ” فانسان ” في 1968 – 1969.

وهكذا حاولت أن أتمم سلسلة من الأفعال التي تتضمن حقا الالتزام الشخصي والمادي الذي كان حقيقيا والذي خلق مشكلات على أساس ملموس ودقيق ومحدد داخل وضعية معينة. إنه بدءا من هذا فقط يمكن تكريس التحليلات والتحقيقات الضرورية. لقد حاولت في الوقت الذي كنت فيه أعمل ضمن “مجموعة المعلومات حول السجون” (G.I.P) على مشكل المساجين، أن أستكمل نوعا من التجربة الكلية، ولقد أتاح لي ذلك الفرصة أن أخيط وأن أعدّل الأجزاء السائبة التي أقلقتني في مؤلفاتي مثل “تاريخ الجنون” أو “ميلاد العيادة”.

16