ميشال فوكو يقدم للأحياء من على فراش الموت الدرس الأخير

الخميس 2014/07/10
ميشال فوكو قدم محاضراته الأخيرة بصدق وصراحة وهو يحتضر

ظل الفيلسوف والأستاذ الجامعي الفرنسي ميشال فوكو الذي تحتفي به فرنسا هذا العام، العقل النقدي الأبرز بنزعته إلى القطيعة والانعطافات الفكرية العنيفة، ودوره في زعزعة نقاط الارتكاز الراسخة وإعادة النظر في كثير من الثوابت الفكرية والأخلاقية. وتبقى محاضراته الأشهر والأكثر فتنة هي تلك الأخيرة التي ألقاها وهو يصارع الموت تحت ثقل ألم المرض القاتل الذي أصابه، حيث مزج فيها بنجاح مدهش بين الصدق والخشونة، وبين الدقة وغزارة المضمون.

في عام 1984، أي قبل ثلاثين عاما فقدت فرنسا واحدا من أعظم فلاسفتها خلال القرن العشرين، أعني بذلك ميشال فوكو المولود عام 1926.

وفي مطلع العام المذكور، كان صاحب كتاب “الجنون في العصر الكلاسيكي” يعلم أنه مصاب بمرض قاتل، وأن أيامه أصبحت معدودة. لذلك كان على عجلة من أمره في ما يقدمه من عمل. وهو الذي كان ينذر أغلب أوقاته للعمل والبحث، فقد دأب في تلك الفترة العصيبة على إلقاء محاضرات في “الكوليج دو فرانس” المرموق شأنه في ذلك شأن كبار الفلاسفة والمفكرين.


الصدق والصراحة


وفي شهر فبراير، شرع في تقديم سلسلة من الدروس حول “الحياة الفلسفيّة كما كان يعيشها القدماء”. ومثلما جرت العادة، امتلأت القاعة الفسيحة بأحبّاء الفلسفة، والطلبة، والمثقفين للاستماع إلى من أصبح يحظى بأرفع شهرة عالمية بعد جان بول سارتر. وقبل أن يفتتح الدرس الأول، أعلم ميشال فوكو الحضور بأن المرض أقعده عن الحركة والعمل لأشهر طويلة.

يحاول فوكو أن يرد المعنى الحقيقي إلى الفلسفة، من خلال رده الاعتبار للفلاسفة الكلبيين، المتحررين من كل المسلمات الأخلاقية

ثم نطق بكلمة la parresia وهي كلمة يونانية تعني القول الصريح، والصدق في القول اللذين يختصّ بهما الصديق الحميم الذي نأتمنه على أسرارنا، الصراحة والصدق يناقضان الكذب والنفاق والتملّق، وكلّ ما يختصّ به أولئك الذين لا يمتلكون الشجاعة والجرأة للإفصاح عن أفكارهم وآرائهم حتى ولو أدّى بهم ذلك إلى إثارة حفيظة الآخرين وغضبهم. وتعني الكلمة التي ذكرها فوكو أيضا أن يكون الذي يتميّز بها قادرا على كشف عيوبه، والاعتراف بأخطائه. كما عليه أن يكون متسامحا مع الآخرين، متقبّلا لآرائهم بصدر رحب.


الفلاسفة الكلبيون


وبعد أن شرح مختلف المعاني التي تتضمنها الكلمة اليونانيّة، انتقل ميشيل فوكو إلى الفلاسفة الكلبيين الذين ظهروا في اليونان في القرن الرابع قبل الميلاد. وقد سمّيت فلسفتهم بـ”الكلبيّة” التي اشتقّ اسمها من “knon” التي تعني الكلب. وكان الفلاسفة الكلبيّون يعتقدون أن السعادة لا تتحقّق إلاّ بأن يحيا الإنسان على وفاق مع الطبيعة، وأن يسعى إلى أن يتحرّر من كلّ القيود، وأن يكون مكتفيا بذاته، وأن يحافظ على اسقلاليته تجاه كلّ سلطة، داخليّة كانت أم خارجيّة.

فوكو يريد أن يحيي المعنى الحقيقي للفلسفة في زمن أصبحت فيه شبه غائبة

وكان الكلبيّون يعتقدون أن المال “مصدر كلّ الشّرور”، وأنه “سوط تجلدنا به الرغبة”. لذا لا بدّ من استئصاله لتنتفي كلّ الرّغبات التي تستعبد الإنسان. كما كانوا، أي الكلبيّون، يعيشون في الخلاء مثل الكلاب السائبة، وينامون في العراء، ويتسوّلون قوت يومهم، ويمقتون العائلات، والتقاليد والقيم الاجتماعيّة، ويسبون أعيان المجتمع جهارا دون أن يخشوا المحاسبة والعقاب.

وكان مبدؤهم الأساسي في الحياة يقوم على حرية الفرد مهما كانت الظروف والأحوال. ومؤسس الكلبيّة هو الفيلسوف ديوجين الذي نُفي من مدينة “سينوب”، مسقط رأسه، في منتصف القرن الرابع ق.م. بسبب تشويهه للعُمْلة التي كانت رائجة هناك في تلك الفترة. وفي أثينا حيث أمضى بقيّة حياته، اتخذ من برميل مسكنا له.

كان يمشي في الشوارع أشعث الشعر، حافي القدمين مختارا لنفسه حياة متقشّفة. وشوهد مرة في الشارع وهو يتجوّل حاملا فانوسا في وضح النهار. فلمّا سئل عن ذلك قال إنه بصدد البحث عن إنسان مستقيم! وكان ديوجين يرفض كلّ ما كان يقيّد حريته، ويجعله عبدا للرغبات والشهوات والحاجيات، بما في ذلك الضرورية منها.

وفي الدرس الذي ألقاه في “الكوليج دو فرانس”، بيّن فوكو أن الفلاسفة الكلبيين كانوا يعتقدون أن الحياة الحقيقية لا تتحقق إلا بنسف القيم، والعادات السائدة التي “تضلّلنا، وتعمي عقولنا، وأبصارنا”. واعتمادا على ذلك كانوا يحتقرون “الحياة المستقيمة” و”المتشبثة بالأخلاق العامة وبالفضيلة”.

وكانوا يقبلون على الحياة القذرة، والبشعة، والحيوانية. وعارفا بأنه في حرب مستمرة مع “النذالة البشريّة”، كان الفيلسوف الكلبيّ يعضّ أعداءه ويهاجمهم ويضربهم ويشبعهم سبّا وتقريعا.

ولكن لماذا خصص فوكو الدرس الأخير قبيل وفاته للفلاسفة الكلبيين؟ هل لأنه كان يرغب في أن يعيد لهم الاعتبار في زمن أصبح فيه الفلاسفة خدما للسلطة؟ أم أنه كان يريد أن يحيي المعنى الحقيقي للفلسفة في زمن أصبحت فيه شبه غائبة، وشبه عاجزة عن التأثير في الواقع السياسي والاجتماعي والأخلاقي؟ يبدو من الصعب الإجابة على مثل هذه الأسئلة. والواضح أن فوكو نفسه كان واعيا بهذا الأمر؛ لذا قال للحضور: “يبدو أنه قد فات الأوان”. بعد ذلك رحل عن العالم عن سن تناهز 57 عاما.

14