ميشال نجار حامل حقيبة المصائب في حكومة تصريف أعمال لبنان

مأساة نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت تعتبر الشعرة التي قصمت ظهر بعير نجّار، حيث أن المرفأ يقع تحت سلطة وزارة الأشغال العامة والنقل، وبالتالي يتحمّل نجار المسؤولية الأولى عن هذا الحادث المأساوي.
الأحد 2021/05/02
وزير الأشغال الذي يشكو قلة حظّه

ما تزال قضية شحنة أقراص الكبتاغون المخدّرة القادمة من لبنان والتي قامت الجمارك السعودية بضبطها خلال الأيام الماضية تتفاعل، ضاربة بارتداداتها في جميع الاتجاهات داخل لبنان وحكومة تصريف الأعمال التي تديره.

وكانت الرياض قد قررت منع دخول الخضراوات والفواكه اللبنانية أو عبورها من أراضيها، وذلك بعد إحباط تهريب أكثر من مليوني قرص مخدر مخبأة في شحنات الفواكه اللبنانية. ولحقت بالسعودية دول عربية أخرى، إضافة إلى تكرار اكتشاف شحنات أخرى في مناطق مختلفة من العالم، لتتتالى الكوارث على لبنان، وتتوج بنفوق الملايين من الأسماك في بحيرة القرعون شرقي البلاد بسبب تلوث يقال عنه إنه غير معروف السبب، مع أن الكل يعرفه ويعرف أسبابه التي تتحكم بلبنان وتهيمن على مصيره.

في هذه الأثناء وفي تلك الأجواء يقول وزير الأشغال العامة والنقل في حكومة تصريف الأعمال ميشال نجار إنه أقل وزراء الأشغال حظاً من بين الذين تعاقبوا على هذه الحقيبة الحيوية والتي يعتبرها السياسيون اللبنانيون “دسمة وخدماتية”، فهو بين مرسوم تعيينه وزيراً في 21 يناير 2020 واستقالة الحكومة في 10 أغسطس من العام نفسه، واجه عدداً كبيراً من الملفات الشائكة والموروثة والمرتبطة بوزارته بدءاً من تفجير مرفأ بيروت الذي كان سبباً مباشراً لاستقالة الحكومة، وصولاً إلى “فخ” تعديل المرسوم 6433 المتعلق بتحديد المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة للبنان في المنطقة الجنوبية الحدودية.

كان يعلم بوجود النيترات بالمرفأ

قاضي التحقيق العدلي المشرف على قضية انفجار المرفأ ادعى على وزيرين سابقين للأشغال هما يوسف فنيانوس وغازي زعيتر بتهمة الإهمال الوظيفي الذي أدى إلى وقوع الانفجار، ولم يتم الادعاء على الوزير نجار

وإذا كانت صفة “تكنوقراط” التي حاول رئيس الحكومة المستقيلة حسان دياب إلصاقها بالوزراء الذين “اختارهم” أو “أمليت” أسماؤهم عليه، فإن نجار الذي كان من حصة رئيس تيار المردة النائب والوزير السابق سليمان فرنجية، هو بالفعل أحد الذين يتمتعون بكفاءة علمية كمهندس مدني والمركز الأنسب له كان في وزارة الأشغال، غير أن هذا الوزير “التكنوقراط” لا يخفي ميوله “الفرنجية” وهو تسلّم الحقيبة من سلف “فرنجي” أيضاً هو الوزير السابق يوسف فنيانوس.

غير أن نجار تولى الوزارة في وقت كان لبنان قد بدأ يعاني من آثار السياسات النقدية السيئة التي انتهجتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة وزادت طينها بلة قرارات حكومة دياب العشوائية غير المدروسة وعدم إقرارها موازنة تتيح تنفيذ الحد الأدنى من المشاريع الحيوية خصوصاً تلك المتعلقة بالبنية التحتية المسؤولة عنها وزارة الأشغال العامة.

فجاء فصل الأمطار الذي شهد هطولات شديدة طافت معها الطرقات الرئيسية جراء انسداد مجاري تصريف المياه لعدم تنظيفها في الوقت المحدد، فانهالت الاعتراضات على أداء نجار وحمّلته مسؤولية غرق السيارات والمحلات بالمياه عن غير حق، لكن كما هي العادة في لبنان فالحق دائماً على “الطليان”.

ولا يحاول نجار التهرّب من المسؤولية لكنه يبرر بالقول إنه “علمياً في أي منطقة في العالم حين تسقط كميات كبيرة من الأمطار بوقت قصير، ولا تكون مجاري البلاد مصممة لاستيعاب هذه الكميات، تنشأ المشاكل. حين يهطل المطر كما عندنا، حيث البنية التحتية قديمة ومهترئة، وفي وزارة استلمناها خالية من أي إعتمادات، كل ما يمكننا فعله هو تنظيف المجاري والإبقاء على جهوزية ورش الوزارة وتعزيز التوعية”.

عقب انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية توقف المقاولون المرتبطون بعقود مع وزارة الأشغال عن تنفيذ التزاماتهم نتيجة الفروقات الكبيرة بين الأسعار التي التزموا المشاريع على أساسها وبين سعر الصرف الحقيقي فوجهت سهام الانتقادات مجدداً إلى نجار.

لكن المأساة التي حلّت بلبنان واللبنانيين في الرابع من أغسطس الماضي، حيث انفجرت أو فجّرت كمية من مادة نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت فدمّرت قسماً كبيراً منه وخلّفت أكثر من 200 شهيد وحوالي ستة آلاف جريح ناهيك عن الأضرار التي لحقت بقسم كبير من المنطقة القريبة من المرفأ، كانت بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير، حيث أن المرفأ يقع تحت سلطة وزارة الأشغال العامة والنقل، وبالتالي يتحمّل نجار المسؤولية الأولى عن هذا الحادث المأساوي.

نجار الذي يعدّ من حصة رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، هو بالفعل أحد الذين يتمتعون بكفاءة علمية كمهندس مدني والمركز الأنسب له كان في وزارة الأشغال، غير أن هذا الوزير “التكنوقراط” لا يخفي التزامه بالخط “الفرنجي”.
نجار الذي يعدّ من حصة رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، هو بالفعل أحد الذين يتمتعون بكفاءة علمية كمهندس مدني والمركز الأنسب له كان في وزارة الأشغال، غير أن هذا الوزير “التكنوقراط” لا يخفي التزامه بالخط "لفرنجي".

واستناداً إلى المعلومات المتداولة فإن كمية نيترات الأمونيوم التي تسببت بهذه الكارثة وصلت إلى لبنان منذ العام 2014 وكان وزراء الأشغال المتناوبون قد علموا بوجودها وقاموا، أم لم يقوموا بواجباتهم وهذه المسألة لا تزال رهن التحقيق، بما يمليه عليهم واجبهم بالابلاغ عن وجود هذه الكمية الخطيرة في حرم المرفأ، لكن الوزير نجار الذي انفجر المرفأ في عهده كان آخر من يعلم على ما يقول.

ويشدّد نجار أنه علم بوجود نيترات الأمونيوم قبل 24 ساعة فقط من انفجارها وهو كان في مكتبه في الوزارة بعد الظهر وكان “الديوان مقفلاً فلم تسجّل المراسلة التي بعثت بها لإبلاغ السلطات الأمنية بضرورة التصرّف السريع لمعالجة وجودها، ولم تسجّل المراسلة إلا في صبيحة يوم الرابع من أغسطس”.

كما يرفض إلقاء التهم جزافاً وتحميل السمؤولية إلى أي جهة بانتظار انتهاء التحقيقات ويقول “مثلي مثل أي مواطن لبناني وأهالي الضحايا أنتظر التقرير الكامل. كانت هناك مواد خطيرة يفترض ألا تكون موجودة وهذا الموضوع الوحيد الذي لا خلاف عليه، أما كيف حصل الانفجار فلست خبيراً في الموضوع. أنا مهندس مدني. ولا يمكنني استباق التحقيق”.

يشار إلى أن قاضي التحقيق العدلي السابق الذي تولى التحقيق في قضية انفجار المرفأ ادعى على وزيرين سابقين للأشغال هما يوسف فنيانوس وغازي زعيتر بتهمة الإهمال الوظيفي الذي أدى إلى وقوع الانفجار، ولم يتم الادعاء على الوزير نجار.

الكلمة للعرّاب

ويؤكد نجار أنه طيلة الفترة التي تولى فيها وزارة الأشغال لم يتكلم بالموضوع السياسي ويحيل هذه المسألة إلى “عرابه” فرنجية، ويشدّد من ناحية أخرى على أنه لا يوجد أي خطر فعلي يهدّد مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت من انفجار مماثل نتيجة وجود مواد خطيرة مخزّنة فيه.

يقول “بإذن الله لن يتكرر ذلك. نحن حريصون على السلامة العامة في مطار بيروت. لكن، لأن من يحرقه الحليب يخاف من اللبن أخذت موافقة استثنائية من رئيسي الجمهورية والحكومة وكلفت شركة بإعادة تأهيل البنى التحتية التي قد تشكل خطراً على السلامة العامة. علماً أنني منذ استلمت لا أعرف بوجود أي خطر فعلي في المطار. موضوع السلامة العامة مقدس”.

وكأن قدر نجار كتب عليه مواجهة المسائل الأكثر حساسية ووطنية فجاءت مسألة المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان في منطقة الحدود البحرية الجنوبية، لكن هذا الملف كان بثابة كرة نار تقاذفها المسؤولون السياسيون بدءاً من رئيس الجمهورية مروراً برئيس مجلس النواب ورئيس حكومة تصريف الأعمال، وجميعهم حاولوا رمي هذه الكرة بعيداً وتحديداً في مرمى نجار الذي يبدو أنه أحسن تلقفها وأعادها من حيث أتت.

فقد وقع نجار على تعديل مرسوم حدود المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة بعدما اطلع على تعديل مشروع المرسوم رقم 6433/2011 الذي أعدّته وزارة الدفاع الوطني والمديرية العامة للنقل البري واالبحري والخرائط المرفقة.

وقال في مؤتمر صحافي “حصلت حملة إعلامية ظالمة ليس علي فقط، إنما على الخط السياسي الذي أنتمي إليه، أي تيار المردة ورئيسه سليمان فرنجية”، مضيفاً “أتصرف دائما بضمير حي وصدق وشفافية، واليوم وقعت المرسوم المتعلق بترسيم الحدود البحرية وأحلته إلى الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء. ويشير المرسوم إلى تحديد حدود المنطقة الاقتصادية وذلك وفقا للوائح إحداثيات النقاط الجغرافية المبينة والموضحة باللون الأحمر على الخارطة البحرية الدولية الصادرة عن الأدمرالية البريطانية ليصار إلى عرضه على مقام مجلس الوزراء وفقا للأصول”.

[ وزارة الأشغال التي يعتبرها السياسيون اللبنانيون “دسمة وخدماتية”، واجه فيها نجّار عدداً كبيراً من الملفات الشائكة الموروثة، بدءاً من تفجير مرفأ بيروت الذي كان سبباً مباشراً لاستقالة الحكومة، وصولاً إلى “فخ” الحدود البحرية.
وزارة الأشغال التي يعتبرها السياسيون اللبنانيون "دسمة وخدماتية"، واجه فيها نجّار عدداً كبيراً من الملفات الشائكة الموروثة، بدءاً من تفجير مرفأ بيروت الذي كان سبباً مباشراً لاستقالة الحكومة، وصولاً إلى “فخ” الحدود البحرية. 

وأشار نجار إلى أن ما حصل من بلبلة إعلامية محزن. وأضاف أنه يتصرف بضمير حي وشفافية لأنه ملزم تجاه المدرسة التي يمثلها والتي بنيت على الأخلاق والوطنية والصمود والعداء المطلق لإسرائيل.

وبالفعل بعدما وقعّت نائبة رئيس الحكومة وزيرة الدفاع زينة عكر المرسوم وقّعه رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب وأحاله إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية فرفض الرئيس ميشال عون توقيعه واحتفظ به بعدما كان الفريق التابع له وفي مقدمه التيار الوطني الحر ورئيسه النائب جبران باسيل قد أقاموا الدينا ولم يقعدوها تقريعاً وتجريحاً بنجار وفرنجية محملين المسؤولية لهما عن التأخير في التوقيع لاسترجاع حقوق لبنان “المهدورة”.

وقضية المرسوم النائم في أدراج قصر بعبدا بعد زيارة وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هايل إلى بيروت يبدأ من موقف المؤسسة العسكرية منذ بداية التفاوض مع الجهات الدولية، في حين كان الجيش يقول إنّ معطياته تشير إلى حقّ لبنان بمنطقة اقتصادية خالصة تمتدّ إلى جنوب الخطّ 23. ويؤكد الجيش دوماً وتكراراً أنّ دوره تقنيّ تنفيذيّ فيما الدور التقريريّ للسلطة السياسية.

‎وعليه أُلِّفت خليّة عمل من أنطوان حداد ونجيب مسيحي ومازن بصبوص عن المؤسسة العسكرية لاعتماد الخط الجديد. فكان مقرّ الاجتماعات في قصر بعبدا الذي تحوّل إلى غرفة عمليات لمتابعة الخرائط والمستندات المتعلّقة بالحدود البحرية وصيغ تعديل المرسوم 6433. ‎وبعد سلسلة اجتماعات في بعبدا اتُّفِق على اعتماد الخط 29 في المفاوضات. فاتُّخِذ القرار بضرورة التنسيق مع الأميركيين وتوفير جوّ أميركي مواكب للموقف اللبناني الجديد.

وقّع_يا_نجار

‎لكن مع إدراج اسم باسيل على لائحة العقوبات الأميركية في أكتوبر الماضي، وبموجب قانون ماغنتسكي تحديداً، جُمِّد مشروع تعديل المرسوم 6433 القاضي بتوسيع الحدود البحرية الجنوبية إلى الخط 29، وبدأت عملية جس النبض من قبل فريق رئيس الجمهورية عسى أن تتم مقايضة التراجع عن تعديل المرسوم مقابل إسقاط العقوبات عن باسيل.

‎وفي هذه الأثناء كان الفريق العوني قد أطلق عبر منصات التواصل الاجتماعي هاشتاغ وقّع_يا_نجار في دعوة صريحة وواضحة إلى وزير الأشغال العامة والنقل الحاصل على ماجستير هندسة من الجامعة الأميركية في بيروت، وعلى دكتوراه في الهندسة المدنية من جامعة ولاية أوكلاهوما، لتوقيع المرسوم واستخدامه كورقة ضغط تحقيقاً للغاية المنشودة بإنقاذ مستقبل باسيل السياسي.

غير أن ما لم يكن بالحسبان هو أن يقدم نجار على توقيع المرسوم وكذلك يفعل رئيس الحكومة ووزيرة الدفاع، فيصل الملف إلى قصر بعبدا حيث ينام في أدراج الرئيس عون الذي أدرك أن هذه الورقة لن تقدّم أو تؤخّر في مستقبل باسيل السياسي ولن يستطيع استخدامها لدى استقبال وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هايل الذي نقل عنه أن اجتماعه إليه كان فاتراً وغير إيجابي.

نجار يشدّد على أنه لا يوجد أي خطر فعلي يتهدّد مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت من انفجار مماثل لانفجار المرفأ نتيجة وجود مواد خطيرة مخزّنة فيه
نجار يشدّد على أنه لا يوجد أي خطر فعلي يتهدّد مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت من انفجار مماثل لانفجار المرفأ نتيجة وجود مواد خطيرة مخزّنة فيه.

 

8