ميشيل بوتور كاتب فجر الرواية الجديدة يغادرنا إلى كونه الثري

الأحد 2016/09/25
ميشيل بوتور تغيير العالم عبر شعرية اللغة

أنقرة - يخال من يشاهده للوهلة الأولى متحدثاً عن الأدب والكتابة على شاشة التلفزيون الفرنسي أنه فيكتور هيغو كاتب رواية “البؤساء” المعروفة لما بينهما من ملامح مشتركة وخاصة في لقاءاته الأخيرة التي سبقت وفاته هذا العام في الرابع والعشرين من شهرأغسطس، ولكن سرعان ما يعرف المتابع لكلامه أنه صاحب رواية “التعديل” الشهيرة ميشيل بوتور.

وُلد ميشيل بوتور في الرابع عشر من سبتمبر عام 1926، في إحدى ضواحي مدينة ليل الفرنسية، ثم انتقل مع عائلته إلى باريس التي درس في جامعتها السوربون مادة الفلسفة، ثم درّسها في المدرسة الوطنية في جنيف خلال عام 1950 وهو نفس العام الذي شهد ولادة تيار الرواية الجديدة كحركة أدبية متمردة على الشكل الموروث لرواية القرن التاسع عشر في فرنسا والتي أصبح بوتور ذو الميول اليسارية فيما بعد واحداً من أهم روادها الفرنسيين.

تنقلات بوتور الكثيرة كمدرّس للغة الفرنسية في مصر وبريطانيا واليونان وسويسرا ساهمت في إغناء تجربته الكتابية الرائدة ولو أنها اقتصرت على أربعة أعمال روائية هي “ممر ميلانو” (1954)، “جدول الوقت” التي صدرت عام (1956) وحاز عنها جائزة فينيون في العام التالي، و”التحول” (1957) التي نال عنها جائزة “رينودو”.

توقف النقاد كثيراً عند هذه الرواية التي لم تكن مفصلية في سياق أعمال صاحبها فحسب، بل اعتبروا أنها ركن من أركان التحولات التي شهدها عالم الرواية الفرنسية في وقتها، وقد كان لافتاً أنّ تعاطي المهتمين معها ركّز وبشكل كامل على التحولات في السياق السردي الذي صنعه بوتور، حيث نسف فيها بنى الرواية التقليدية، جاعلاً من الحكاية فيها عتبة تنهض من خلالها مراجعات الذات في السياق الزمني الذي اعتمده كإطار للسرد. تجول الرواية في قصة رجل عدل عن تنفيذ مشروعه الذي عزم عليه، وهو التخلّي عن زوجته وأطفاله، والعيش في روما مع عشيقته، أثناء سفره من باريس إلى روما.

أنتم والرواية الجديدة

استعمل بوتور ضمير “أنتم” تكراراً من خلال جمل طويلة ملتفّة، بما يوحي بمجهود لدعوة القارئ إلى التماهي مع محتوى وعي خيالي، هذا الاستخدام لضمير المخاطب بصيغة الجمع جعل من قراءة رواية “التعديل” تجربة فريدة وأخاذة للقراء الذين لديهم استعداد أكبر لقراءة أكثر انتباهاً وتورطاً، بحيث يستمرون في الإمساك بسياق الرواية للاستفادة الكاملة من التغيير الذي سيطرأ على مسار تفكير بطل الرواية لوي ديلمون.

ترجمت رواية “التعديل” إلى عشرين لغة، ولا تزال إلى يومنا هذا الأكثر قراءة من بين أعمال “الرواية الجديدة”، وقد تمت قراءة تفاصيلها بشكل دقيق على كل المستويات حتى صارت ملعباً من ملاعب القدرة على التحليل السردي وقراءة البنية النفسية للشخصيات، وقد أشار بعض من عرفوا بوتور إلى ارتباط عالمها بتفاصيل من حياته الشخصية، فالأحداث تجري في طريق السفر، أي في ذات المساحة التي طالما عشقها المؤلف، وفي الوقت نفسه يتذكر أصدقاء المؤلف أن والده كان يعمل موظفًا في هيئة السكك الحديدية الفرنسية، وهو عنصر تأثير اعترف به المؤلف بحسب شهادة فوزية العشماوي، أستاذة الأدب العربي الحديث السابقة بجامعة جنيف، التي سبق لها أن عملت مع بوتور في نفس الجامعة.

عالم بوتور نجد فيه قصورا رفعت بأوامر من الأباطرة قبل أن يهدمها الغزاة، أنشأ فيها النحاتون أيضاً تماثيلهم وكتب الكتاب عنها مؤلفاتهم. ونجد بورخيس ونحن نعبر أزقة سالونيكي، ونلتقي بابن رشد في قرطبة

بوتور المسافر عاشق الأمكنة

في نهاية خمسينات القرن العشرين كتب بوتور كلمات أغان لعدد من الملحنين ولا سيما منهم هنري بوسور في تجربة كان يعود بين حين وآخر إلى تكرارها حتى منتصف تسعينات القرن الماضي. كما أصدر سلسلته الشهيرة عن البلدان التي زارها والتي احتوت في قسمها الأول “عبقرية المكان” في العام 1958 مقالات مطولة كوجوه لسبع مدن متوسطية هي: قرطبة في أسبانيا، وإسطنبول في تركيا، وسالونيكي، ودلفي، وماليا في اليونان، ومنتوفا وفراري في إيطاليا. بينما جاء جزؤه الثاني مصرياً في كامل تفاصيله.

وقد توقف كثيرون عند تجربة بوتور في الكتابة عن المكان، حين أشاروا إلى طبيعته كتابته التي جاءت بعيدة كل البعد عن التعليقات الرتيبة المتغزلة بالطبيعة والتي غالباً ما كانت تهيمن على هذا النوع من النصوص.

وقد دار جدل دائم بين النقاد حول أيّ من عملي بوتور يقدمه للقرّاء أكثر، رواية “التعديل” أم عمله “عبقرية المكان”، لا سيما وأنه مارس في كتابه الأخير هذا نقد الجغرافيا ورفعه إلى مستوى الأعمال الفنية، ذاكراً دائماً أن المدن ليست معجزات طبيعية وإنما هي حصيلة أعمال البشر.

نجد قصوراً رفعت بأوامر من الأباطرة قبل أن يهدمها الغزاة، أنشأ فيها النحاتون أيضاً تماثيلهم وكتب الكتاب عنها مؤلفاتهم. وهنا كان لميشيل بوتور، وبحسب تقديم دار النشر لكتابه أن يسجل له وجود في ذاكرة الأماكن، ولهذا نجد بورخيس ونحن نعبر أزقة سالونيكي، ونلتقي بابن رشد في قرطبة، وفيليب المقدوني جالساً على أنقاض دلفي، هذه هي الأماكن كما هندسها ميشيل بوتور.

جدل دائم يدور بين النقاد حول أيٍ من عملي بوتور يقدمه للقراء أكثر، رواية “التعديل” أم عمله “عبقرية المكان”، لا سيما وأنه مارس في كتابه الأخير هذا نقد الجغرافيا ورفعه إلى مستوى الأعمال الفنية.

وما إن انتهى عقد الخمسينات من القرن الماضي حتى كان بوتور قد اختتم اشتغاله في عالم التأليف الروائي في العام 1960 حينما أصدر رواية “درجات ” التي أنجز فيها عملية القطع النهائي مع الشكل التقليدي للرواية، حيث يحاول ثلاثة رواة مختلفين سرد وقائع حصة دراسية يقوم فيها أستاذ بشرح قصة اكتشاف كريستوف كولومبوس للقارة الأميركية.

ورغم حصوله في ذلك العام على جائزة النقد الأدبي عن كتابه “ريبرتوار” إلا أن الرجل الذي استشعر قيام النقاد والقراء على حد سواء بتأطيره، كان يطمح إلى مغادرة هذه الزاوية التي رأى أنها تضيق عليه. فقرر مغادرة المكان باتجاه عوالم مختلفة فبدأ بالتجوال في أنحاء العالم على هامش عمله بالتدريس منذ عام 1960 في جامعة أميركية، وتحوله للتدريس في جامعة نيس الفرنسية، وصولاً إلى عمله لفترة طويلة مدرساً لمادة الأدب الفرنسي في جامعة جنيف السويسرية.

كانت الرواية بالنسبة إلى بوتور هي مكان لقول الشعر والفلسفة كما يمكن للشعر أن يُكتب بأنماط مختلفة غير مرتبطة بالشعر التقليدي، وهكذا ترتبط الكتابة ذاتها، بالرسم والموسيقى والتصوير حتى تشكل في المحصلة ما يسميه “الكتاب الموضوع”.

وضمن هذا السياق تنوعت مؤلفات بوتور وكتاباته، حتى باتت أكثر من أن يتم تعدادها ببساطة. فقد دأب خلال نصف قرن من الزمن على كتابة سلسلة من المنشورات المتعاقبة التي كان يصنفها بحسب نوعها، والتي كانت تسمح له بتقديم وصف حقيقي وعقلاني للعالم، وبحسب صحيفة لوموند فقد كان كل شيء يحرّض حواسه: قطعة عشب، متحف، ورشة، ألبوم صور، مكان مقفر، عمل يدوي، أو بناء هندسي. كل شيء كان يعيد إحياء تذوق اللغة وواجب الوصف الذي لا ينتهي.

كان يلعب بالكلمات بكل فرح وإحساس ولكن دون سطحية. فبوتور لم يكن شاعر تدفق غنائي بقدر ما كان شاعر تشكيل.

مطر على الحدود
شعر: ميشيل بوتور

أيها المطر امح هذه الحدود من أجلنا، اغسل قاراتنا من هذه الجراح، نحن المجلودين بالسياط الدبلوماسية، بلطف متكلف، يجلدنا المهاريس المهذبون في جلساتهم المملة في الصالونات وفي الشقق الفخمة، المتلألئة بثرياتها التي تتدلى منها عناقيد بلورية.

احملنا معك فوق رذاذك الرقراق في انطلاقتك الرتيبة نحو الحدود الأخرى، نحو حدود لا تنسجم مع أيّ خط ظاهر على خريطة، وما من جيش يحرسها ولا تحددها لافتة، إلى المناطق التي تتهاوى فيها حدود المعرفة تهاوي الشلالات في الهاوية الساحقة، فتتوهج المعرفة.

أيتها الحدود الأخرى! أنزلي علينا شآبيب مطرك، ويا أمطار الحدود اغسلي

جراحنا وقروحنا، احملينا إلى الضفة الأخرى، اجلدي خمولنا بأسنتك، أذيبينا في نعيم الخلق والتبخر وانهمري مخترقة مسامات أجسامنا كلها وقيود الساعات.

ترجمة: إميل حبيبي

ارتجالات بوتور

في المجال الشعري الذي دوّن فيه 30 كتاباً، كتب النقاد عن قصيدة بوتور أنها قصيدة ملحمية، لا ترتبط بشكل خاص بفضاء اللغة الذي يتجلى في قصائده من خلال الرؤى الشعرية، وكحال صديقه جورج بيرو يعتبر بوتور من الشعراء النادرين الذين يستخدمون الضمائر الشخصية مثل “هو” و”هي” و”هم”. هذه الظاهرة التي تحدث عنها اللغوي إميل بنفينيست، فبوتور أعاد فتح طريق الشعراء الرواد في بدايات القرن العشرين مثل غيوم أبولينير وبليز ساندرار.

كتب الكثير من التفاصيل عن السنوات الأخيرة من حياة بوتور، وقد باتت التفاصيل معروفة من الناحية العامة، ولكن الثابت في الأمر أنه اعتكف جزئياً في منزله الريفي الكبير بمنطقة أوت سافوا على الحدود الفرنسية السويسرية، محاطاً بكتبه وقد أخذت ملامحه تظهره بمظهر الناسك الحكيم أو كالبطريرك أو كالفيلسوف قاستون باشلار الذي كان يبحث مثله عن تعريف عام لشعرية العالم من كل مدخل ممكن لأنه وبحسب تعبيره فالمرور عبر اللغة هو أحد أهم طرق تغيير الواقع.

في العام 1998 نال بوتور جائزة شاتوبريان، عن عمله “ارتجالات عن بلزاك”، وفي عام 2006 حصل أيضاً على جائزة ملارميه، عن عمله “16 ثريا”، كما كرست له مكتبة فرنسا الوطنية معرضاً خاصّاً له، وبعد عام حصل أيضاً على جائزة الشعراء الكبرى، ثم نال جائزة الأدب الكبرى من الأكاديمية الفرنسية عن مجمل أعماله، كما حصل على جائزة الشعر الكبرى في هذا العام 2016.

رحل بوتور عن عالمنا بتاريخ 24 أغسطس الماضي.

8