ميشيل ثيريان والقضية

السبت 2016/12/03

وُلد الشاعر الكندي ميشيل ثيريان في مدينة أوتاوا الأشبه بأي مدينة أميركية ولا يزال يعيش بها الآن. ولذلك، وبالرغم من اختياره للفرنسية كلغة للكتابة، لا يبدو ميشيل ثيريان منشغلا بأسئلة النزعة “الانفصالية” التي تحْكُم انشغالات أغلب كتاب وأدباء الكيبك، ولا بتعاطفهم مع القضايا الإنسانية الكبرى. ولذلك كنتُ أتوقع أن يتجاهل ثيريان دعوتي له لكتابة شهادة عن الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان سنة 2006. بينما فوجئتُ بتوصلي بشهادات بليغة وجريئة من كتاب من العالم في زمن قياسي، ومنهم كتاب كنديون.

الشاعر جيل سير بدأ شهادته بكونه شارك للتوّ في مسيرة ضخمة بمدينة مونتريال، مشيرا بأسف إلى صمت كندا الإنكلوفونية، حيث كان ظلُّ جورج بوش ممتدا هناك. أما الشاعرة الكندية مونيك جوطو فقد امتلكتْ الجرأة لكي تؤكد أنه يبدو مستحيلا استحمال هؤلاء الإسرائيليين. ولا تبدو هذه الحالات معزولة، فكاتبةٌ كبيرة كلويز دي غونزاغ بليتيي حرصتْ على دخول مجال الكتابة الأدبية عبر كتابها ”فلسطين ستزهر”، الصادر في بداية ثمانينات القرن الماضي، وهو الكتاب الذي شكل علامة خاصة داخل مشهد الكتابة بالكيبك وشهادة عميقة عن وعي استثنائي ومبكر بمعاناة الفلسطينيين.

أما الكاتب اليهودي الكندي ريشارد واغمان فقد أصدر، قبل سنتين، كتابه الجريء “فلسطين، قضية يهودية”، حيث يَعتبر فلسطين السؤال الذي يطارد كل اليهود، مثيرا لديهم أحاسيس الرفض والعار في نفس الآن.

وبذلك اختار ميشيل ثيريان أن يعيش بكندا الكبرى، مفتونا بمساحة الحرية التي تمنحها للجميع، كما يُقرّ بذلك. ولذلك أيضا يحتفظ بعلاقات باردة مع أدباء المنطقة. ولا يبدو الأمر شخصيا بقدر ما يرتبط ببنية ثقافية خاصة، تفرضُ ضرورة الاختيار بين الانتماء إلى كندا والانتماء إلى الكيبك، على الأقل ثقافيا. وهو الأمرُ الذي لا يمكن لشعار التعدد، الذي ترفعه كندا، أن يخفيه.

في مقابل برودته إزاء القضايا الكبرى، يختار ميشيل ثيريان قضاياه الخاصة. في مجموعته الشعرية الأخيرة، “أجساد متوحشة”، التي حظيتْ باهتمام نقدي خاص وتُرجمت إلى أكثر من لغة؛ يحتفي ثيريان بصوت أفريقيا كنوع من الخروج عن الثيمات التقليدية للشعر الكندي. وانسجاما مع ذلك، يرى ثيريان أن الرغبة في خلق نوع من الانسجام بين مكونات العالم تجعل من الضروري اعتبار أفريقيا مركزا لحركيتنا، حيث أن بشراتنا جميعا كانت يوما ما سوداء.

تعرفتُ إلى ميشيل ثيريان بكندا. وكان حينها مكلفا بتنسيق أمسية شعرية نُظمت بالمكتبة الوطنية في أوتاوا، بمناسبة مؤتمر دولي خاص بالفرانكفونية. قبل القراءات، نبهني إلى ضرورة الاكتفاء بقراءة نصي بالفرنسية، غير أنني ألححتُ على القراءة باللغة العربية أولا. قبل ميشيل ثيريان مكرها بعد أن لوح بقيةُ الشعراء الكنديين بالانسحاب من الأمسية. أما أنا فقد قرأتُ بنشوة الانتصار للغتنا الجميلة داخل محفل يجمع خبراء جاءوا للتفكير في سبل تقوية الحضور الفرانكفوني في العالم.

كاتب من المغرب

17