ميشيل فوكو يبحث عن غليون ماغريت

لا يغيب اسم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984) عن أيّ مهتم أو باحث في الشؤون الثقافية أو المعرفيّة، فالمؤرخ والمفكّر الذي شارك في ثورة الطلاب 1968، وسعى إلى مواجهة النظام وخطاب القوة الذي يتحكم في المجتمع، يتنقل بين فروع العلوم المختلفة بخفّة، بوصفه مؤرخا لتاريخ الأفكار، ساعيا إلى زعزعة الأنظمة البرجوازية والدينية والاجتماعيّة، بل وحتى الطبيعيّة، مشكّكا في مفاهيم الجنس، الطبيعة البشريّة، الجنون، السلطة، وحتى اللغة.
الاثنين 2015/10/12
العلاقة بين الموجود وتمثيلات هذا الموجود اللغوية نالت الكثير من اهتمام فوكو

العلاقة بين الموجود وتمثيلات هذا الموجود اللغوية نالت الكثير من اهتمام فوكو، وكانت جهوده مختلفة ومتنوعة في محاولة تفكيكها، لاكتشاف ما هو خفي أو مُبعد بسبب اللغة، إذ نراه يستشهد بالأدب والفن والممارسة الفنية والأدبية في سبيل انتقادها من جهة، أو إعادة تصنيفها وفق نظام القوة القائم من جهة أخرى.

وهذا ما يجذب الانتباه إلى كتيب ألفه فوكو عام 1973، بعنوان “هذا ليس غليونا”، الاسم ليس بالغريب، فالكتاب يناقش بدقة لوحة الفنان البلجيكي رينيه ماغريت (1898-1967)، والتي ظهرت للعلن بين 1928-1929، وهي ببساطة تمثل غليونا تحته عبارة هذا ليس غليونا مكتوبة بخط اليد، وتحمل عنوان “هذا ليس غليونا”.

ضد الكاليغرام

يفاجئ فوكو القارئ بداية بإشارته إلى أن هناك غليونين، أي لوحتين، الأولى هي عبارة عن قطعة قماش تمثل الغليون، رسمها ماغريت عام 1926 وتحتها عبارة هذا ليس غليونا، أما الأخرى، الأشهر أو المخصصة للعرض، فهي تشابهها في المضمون إلا أنها موضوعة ضمن إطار وتستند إلى حامل ثلاثي الأرجل، الاختلاف برأي فوكو أن الثانية هي عمل فني بعكس الأول، وهي مجهزة لتعرض وليتلقاها المشاهد.

بعد هذه المقدمة التي تمهد بأن اللوحة/ الغليون عمل فني يجب تلقيه، يسارع بعدها فوكو للتساؤل عن حقيقة الغليون عبر طرح العديد من التساؤلات المرتبطة به، هل هو موجود؟ هل ما نراه هو لوحة لغليون وليس غليونا حقيقيا، أم هل العبارة المكتوبة لا تمثل غليونا، أم أن ما نظن أنه غليون هو ليس غليونا، بل هو اصطلاح لغليون يمتلك مرجعية شكل الغليون؟.

فالفصل بين التشكيلي واللغوي هو ما يحاول فوكو إيضاحه، وهذا ما قام به ماغريت، عبر خلقه للتناقض بين ما هو لغوي وماهو تشكيلي، في محاولة لانتقاد أدوات التعبير بوصفها فقط تنتج تمثيلات أو تحاكي نموذجا، وبالتالي عدم القدرة والعجز عن تعيين ما هو حقيقي.

ينتقل بعدها فوكو إلى مفهوم الكاليغرام calligram، أو النص الذي يشكّل ترتيب كلماته وتكوينها انطباعا أو شكلا لصورة ما، المفهوم ليس بالجديد في الأدب فقد استخدمه سابقا غليوم أبولونيير (1880-1918) في قصيدته “برج إيفيل” إلى جانب غيره من شعراء الدادائيّة والسورياليّة، إلا أن ما قام به ماغريت مثير للاهتمام ويشكك في بنية الكاليغرام التي تربط اللغوي بالتشكيلي، إذ قام ببناء الكاليغرام المرتبط بالغليون ثم قام بنفيه، وخلق علاقة التضاد بين النص وبين شكله أو ما يمثله، فعلاقة الاختلاف التي بناها تغاير علاقات “المشابهة والتأكيد” التي ترتبط بالفن التشكيلي بشكل عام حسب تعبير فوكو، وخصوصا مفهوم الكاليغرام.

هل ما ننطق به يحيل إلى جوهر الأشياء

فالنص “هذا ليس غليونا” في علاقته مع صورة الغليون، لا يحيل إلا إلى لذته، فلا النص ولا الصورة يمثلان الغليون، فالتساؤلات الدلاليّة التي ينتجها عمل ماغريت في العلاقة بين الألسني والتشكيلي تجعل فوكو يعيد التدقيق في العلاقة بين الكلمات وما تمثله من أشياء، فالكاليغرم الذي أنشأه ماغريت “يختفي ويتفكك ولا يبقى إلا كأثر يتضح بغيابه” حسب تعبير فوكو، أما الجزء اللغوي من اللوحة، النص “هذا ليس غليونا” يثير التساؤل عن صوت المتكلم، من الذي يصرّح بأن هذا ليس غليونا؟ من الذي يدّعي أن كلا من النص أو الصورة ليس غليونا، التأويل هنا يقع على عاتق المتلقي، وهل هذا التأويل صحيح إن لم نكن نعرف شكل الغليون أو مرجعيته في الواقع؟

طلاق المعنى

يتابع ميشيل فوكو في الكتاب حديثه عن أعمال ماغريت ولوحاته الأخرى، في سبيل تحديد العلاقة بين المرئي والخفي، الحاضر والغائب، فماغريت في أعماله، كلوحة “وصلات خطرة” التي يتحدث عنها فوكو، يختبر العلاقة بين الحاضر وما يحيل إليه، وهل هـذا الغائب مطابـق للتصورات التي نمتلكها عنه، وهذا ما يشير له فوكـو ويستخدم كلمة “طلاق” بـين اللـوحة وعنـوانهـا، بـوصفـه التناقض الأول الذي يستخدمه ماغريت لتفتيت علاقة التماثل بين الرسم وعنوانه، ففي كل مرة يدفعنا التأمل بالعنوان إلى طرح التساؤلات عن ماهية الغليون، لندخـل في حلقة أراد ماغريـت للمتلقي أن يدخـل بهـا، حـيث ينتفي فيهـا التشكيلي واللغـوي لنقـف أمام أثر غائب، الغليون، ليُطرح التساؤل، أين هـو الغليـون الحقيقي؟ ومـا هو شكله إن وُجد؟

البساطة التي يركز عليها فوكو في عمل ماغريت السابق تشكل أساس الهشاشة التي تقوم عليها العلاقة بين الشيء وما يمثّله، وسهولة تهديم وانتهاك هذه العلاقة، فنحن نعيش في عوالم من التمثيلات والإحالات إلى نماذج سابقة على وجودنا، ونسعى إلى محاكاتها لغويا وتشكيليا، لكن ببساطة وعبر استحضار ما هو استهلاكي ومألوف كغليون، يمكن شرخ نظام التمثيل هذا، فهل ما ننطق به يحيل إلى جوهر هذه الأشياء، أم نحن محكومون بأوهام هشّة تحيط بنا وتدّعي أنها تمتلك المعنى.

14