ميشيل كيلو.. من فندق "سمير أميس" إلى الهيمنة على قرار المعارضة

الأحد 2013/09/22
كيلو.. بين المهارات السياسية والمفارق الأخلاقية لثورة السوريين

في بداية الثورة، وجّهت لعدد من المثقفين والكتاب والمعارضين السوريين، دعواتٌ علنيةٌ للمشاركة في مؤتمر للمعارضة، بإشراف ورعاية فكرية وسياسية من المعارض والمثقف المعروف ميشيل كيلو وعدد من المعارضين السوريين مختلفي المشارب والاتجاهات السياسية، وسيعقد في (فندق) في قلب العاصمة دمشق، وكان الترحيب بعقد هذا المؤتمر من قبل أوساط سياسية عديدة، مبنياً على كونه أكبر تحدّ للنظام، يكسر احتكاره للموقف السياسي من الثورة السورية، ويرى فيها مساراً وحدثاً خارج تفسير العصابات المسلحة، والإنكار الرسمي المستمر، لأية احتجاجات شعبية ذات طابع سلمي.

 

مؤتمر سمير أميس ومطالب كيلو

 

عقد مؤتمر سمير أميس في وسط دمشق في 27 حزيران يونيو من العام 2011 بمشاركة قرابة 200 شخصية من المعارضين (المستقلين) أبرزهم ميشيل كيلو وفايز سارة ولؤي حسين ومنذر خدام وعدد من الكتاب والأدباء والإعلاميين والفنانين وغيرهم، اجتمعوا تحت عنوان (سوريا للجميع في ظل دولة ديمقراطية مدنية)، لـ (مناقشة آلية الانتقال إلى الدولة المدنية) وكان المؤتمر العلني الأول للمعارضة في الداخل، وأكد بيانه الختامي على أن المؤتمرين جزءٌ من الحراك الشعبي ورفض التدخل الخارجي، ودعا إلى إنهاء الحل الأمني، ولكن هذا لم يكن كلّ شيء، فقد بدأت فكرة عقد المؤتمر بتشجيع من بعض ممثلي النظام، والذين كلفوا بمحاورة المعارضين السوريين، وعُقد العزم على الدعوة إلى المؤتمر في فندق كبير من فنادق دمشق، ولكنه اعتذر عن قبول الطلب، ورفع التكاليف إلى الدرجة التي لم يكن بوسع المؤتمرين ـ ممولي المؤتمر ـ تحمّلها، فقرروا اللجوء إلى طرف نافذ، لم يكن سوى المحامي الشاب، وأستاذ القانون الدولي، إبراهيم الدراجي، الذي تواسط مع أجهزة النظام واتصل ببثينة شعبان راجياً عدم عرقلة عقد المؤتمر، فاقترحوا عليه عقده في فندق سمير أميس، في ساعات متأخرة من الليلة التي سبقت موعد انطلاق أعماله، وقد وصلتني وقتها من مصادري الخاصة في أوروبا المعلومات التالية عن مكان عقد المؤتمر ولم أكن أعرف شيئاً منها وأنا في دمشق: فندق سمير أميس ملك لأوقاف دمشق، وقد قام المتعهد والمنتج التلفزيوني خالد سعد ـ المتوفى قبل سنوات، بتوقيع عقد استثمار للفندق، ومن المعروف أن خالد سعد هو ممثل مدير مكتب حافظ الأسد وبشار الأسد المعروف بـ (أبو سليم) محمد سليم دعبول، وقد جرت العادة في السنوات الماضية على استضافة أفواج من الحجاج الإيرانيين وزوار حزب الله في أجنحة خاصة في الفندق، وهو مرصود بشكل جيد أمنياً من قبل السفارة الإيرانية في دمشق، وكان هذا كافياً لكثيرين لعدم الذهاب إلى المؤتمر، وأطلق على مؤتمر سمير أميس حينها همساً فيما بين السوريين (مؤتمر الأقليات) بسبب كون معظم منظميه ممن ينتمون إلى الطوائف والأديان التي كثيراً ما جرى تخويفها من احتمال سقوط النظام، والخطر المحدق بها بعد زوال نظام علماني يمنع وصول متشددين إسلاميين إلى الحكم.

من هنا، بدأ خطٌ مختلف في المشهد السوري المعارض بالظهور، تصدّر له بعناية وذكاء شديدين ميشيل كيلو الذي رأى في مؤتمر سمير أميس أن هناك خطوات إجرائية يمكن أن تحدث فوراً، بما أنّ السلطة (تستطيع أن تعترف بالأحزاب غير الدينية، كذلك يمكنها أن تصدر دستوراً تعددياً انتخابياً، بدلاً من الاشتراكي القومي، حيث يضمن ذلك تجميد المادة 8 من الدستور أو إلغاءها، وكذلك يمكن أن تمنح السلطات رخصة لجريدة معارضة اليوم).

 

الشيوعي اللين

 

ولكيلو تاريخ طويل من النضال والصراع مع نظام حافظ الأسد الذي لم يتردّد قبل أشهر من اليوم في الترحّم عليه في مقابلة تلفزيونية مهمة أجراها معه الإعلامي أيمن عبدالنور، رغم مسيرته المريرة مع نظامه، بل زاد في وصفه بأنه كان بارعاً سياسياً، وأنه (إلهُ التمر الذي أكلته أجهزته الأمنية) وقد اعتقلت المخابرات السورية كيلو في السبعينات وأوائل الثمانينات، بسبب انتمائه للحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي (جماعة رياض الترك) وخرج بعد شهور ليغادر إلى فرنسا، ولينشغل في الترجمة والكتابة، وقد سلّح فكره ووعيه بالكثير من العدّة الثقافية التي لم تكتف بالماركسية بل انفتحت على تيارات فكرية مختلفة، منفصلاً تدريجياً عن التزامه السياسي، ككادر من كوادر الحزب، ولكن متمسكاً بموقعه الذي أخذ يصنّعه بعناد منذ تلك الأيام. ومنذ أن اندلعت الثورة في آذار 2011، قرّر ميشيل كيلو السير في طريق خاصّة، مختلفة، لا تقبل الانقياد، ولكنها تتقدّم بتواضعٍ (مقصود) لقيادة الحراك الذي حاول جاهداً لملمته والتأسيس له عبر أشكال مختلفة، وبوابات لم يحرّمها على ذاته، فيما اعتبرها آخرون خطوطاً حمراء لا يصحّ أن يجري الاقتراب منها، فكان على تواصل مع النظام وضباط مخابراته، وهو لا يخفي هذا، بل يعتبره من أسس العمل السياسي، ويرى أن الجميع شركاء في الوطن، بمن فيهم النظام ومن يمثلونه، حتى تاريخ حدّده الشعب السوري وسحب الشرعية من هؤلاء جميعاً، في الوقت ذاته، لم يقطع ميشيل كيلو، علاقاته مع بعض الأطراف التي اعتبرها الشارع السوري في وقت ما، محسوبة على النظام، فقد حافظ على صداقة متينة مع عائلة العماد مصطفى طلاس وزير دفاع حافظ الأسد والرجل الذي كان يوقّع قرارات الإعدام بيده كما يعرف السوريون ويكررون القول، ورجل الأعمال فراس طلاس وشقيقه العميد مناف، الذي كان ميشيل كيلو أول من تساءل لماذا لا يترأس حكومة انتقالية تعتبر مخرجاً للسوريين، وقد تعمّد إطلاق تساؤلاته تلك من موسكو التي كان في زيارة لها لمقابلة وزير خارجيتها لافروف وقد أثارت تصريحاته ضجةً واعتراضاً كبيرين في أوساط الثورة، وفي الوقت ذاته، مدّ كيلو خطّاً مهماً جداً مع رجل الأعمال السوري البريطاني أيمن الأصفري، الذي حافظ على مسافته من أوساط الثورة، ولم يظهر أي طموحات شخصية في الاقتراب وشغل المناصب، واكتفى بالدعم المالي الذي قدّمه بسخاء، لمشروع ديمقراطي يشرف عليه كيلو شخصياً، فكان يبحث في شوارع باريس عن الشبان والشابات من الناشطين الذين تمكنوا من الفرار من سوريا بعد ملاحقتهم أو اعتقالهم والإفراج عنهم، ويعمل على تقديم كل ما يلزم لهم من رعاية مغدقة، دون أن يطلب منهم مقابلاً سياسياً، مقدّما بذلك النموذج الذي طالما أراد تقديمه خلال سنين طويلة مضت، تسرّبت فيها أخبار ترشيح اسمه من قبل وزير الثقافة السوري الأسبق الدكتور رياض نعسان آغا كمعاون لوزير الثقافة، كما أكّد الأخير في مقابلة تلفزيونية بثّت مؤخراً، لولا الرفض القاطع من بشار الأسد حينها، واكتفائه بالموافقة على دعوة لجلسة حوار سياسي ما بين النظام والمثقفين المعارضين، حضرها ميشيل كيلو وحسين العودات والطيب تيزيني وآخرون، وتم الترتيب لها في جنازة الشاعر محمد الماغوط، وكأنما كان ميشيل كيلو من خلال ذلك كلّه، ومن خلال تواجده اليومي في مقهى الروضة في قلب دمشق، أن يبقي الصلة مع المعارضة والنظام والناس، وألا يبتعد عالياً في جبال المثقفين ومنافيهم ومعتزلاتهم، ليظل مصرّا على نظريته حول النظام وشبيحته، فتجده يصف أولئك الشبيحة الذين جاورهم في سجنه السياسي، فيما تقصّد نظام الأسد إهانته بوضعه مع مرتكبي الجرائم الجنسية ومرةً مع المهربين ممن كانوا يعرفون بالشبيحة، يقول كيلو عن الشبيحة (هؤلاء أشخاص بسطاء طيبون، لذيذون، يحيون بعضهم صباحاً بالقول : الله يخلصنا من تلك العائلة، ويقصدون آل الأسد!).

بقي ميشيل كيلو في سوريا، حتى عرف أنه سيضطر للمغادرة، ولكنه أنكر قراره بالسفر إلى الخارج حتى على شاشات الإعلام،(أنا لست من معارضة الخارج، ولا أنوي الإقامة في فرنسا، أنا في زيارة لابني وسأعود إلى دمشق) ولكنه لم يعد، بل زادت الشقة بينه وبين مناخ المناورة الذي ظنّ أنه سيكون متاحاً في سوريا ما بعد الثورة، فبتطوّر الحل الأمني لدى النظام والوحشية التي عامل بها المتظاهرين والمعتقلين، والقتل اليومي ثم القصف بالمدافع والطائرات والدبابات، لم يعد ممكناً لميشيل كيلو أن يعود، إلى أن تم توجيه تهمة الإرهاب إليه، وإحالة ملفه إلى المحاكمة الغيابية والحجز على أملاكه.

 

صناعة الواقع السياسي

 

قرّر كيلو بعد أن خرج من سوريا أن الحل يكمن في صنع الواقع الذي يبحث عنه، ما دام هذا الواقع ليس جاهزاً في سوريا بعد، ولابدّ إذن من قاعدة شعبية، وهو يدرك أكثر من غيره أن المسافة الفاصلة ما بين النخبة التي ينتمي إليها، والشعب، باتت مريعة، شاسعة، وأنه لا قاعدة شعبية لأي مثقف أو سياسي في الأيام الأخيرة من حكم بشار الأسد المستقر، ولكنه أصرّ على صناعتها عبر تأسيس مشروع المنبر الديمقراطي، الذي عقد مؤتمره الرسمي في القاهرة، وجمع فيه من يرغب بالحضور، من مثقفين وكتاب ومعارضين ووسطيين ورجال دين، ومحامين، وشباب، وناشطين، ووزراء متقاعدين، ولم يقبل كيلو ترؤس أي من هيئاته، بل فضّل الحفاظ على موقعه كعضو عادي في المنبر الديمقراطي، وبدأت بالتشكّل نواة القاعدة التي يبحث عنها، وظلّ في لقاءاته السياسية والاجتماعات الدبلوماسية، يصرّ على انتقاد المجلس الوطني السوري، ويقارنه بالمنبر الديمقراطي، حتى وصل إلى درجة القول بأنه لا يعرف إن كانت القاعدة الشعبية للمنبر الديمقراطي تساوي قاعدة المجلس في سوريا أم تفوقها حجماً، وفي الوقت الذي سعت فيه أطراف متعددة عربية وغربية إلى توسيع المجلس الوطني بدعوة ميشيل كيلو وسواه إلى الانضمام إليه، كان هو يوافق على مضض، ثم يستبق الاجتماعات واللقاءات بمواقف عالية السقف، تشعر الآخرين بأنه لا يريد المضي في الانضمام إلى أية مجالس أو هيئات، كما فعل في اليوم الذي سبق عقد مؤتمر القاهرة الموسّع للمعارضة السورية، في تموز 2012، فقد وصل إلى المؤتمر قبل ميشيل كيلو مقاله في جريدة السفير اللبنانية الذي يعلن فيه ضرورة إعلان وفاة المجلس الوطني، الذي قال إن بعضاً من أعضائه دقوا المسامير الأخيرة في نعشه، حين دعموا تنظيمات مسلحة جهادية! فدخل إلى المؤتمر ومناخ التوتّر ينتشر من حوله، في وجوه قيادات المجلس الوطني وأطياف المعارضة السورية الأخرى، وكان كيلو سعيداً بهذا، فلم يخف تهكّمه بالقول: (كل هذه المناحة من أجل مقال!) بعد أن عبّر سياسيون كثر عن غضبهم من موقفه.

 

الهيمنة على التمثيل السياسي المعارض

 

(أنتم أنشأتم بعثاً آخر، مبنياً على الإقصاء والاتهام) هكذا قال كيلو للمعارضين السوريين في مفاوضات الانضمام إلى الهيئات التي اعترف بها المجتمع الدولي ممثلةً للشعب السوري، ولكنه ابتعد كثيراً بعدها في دورةٍ أخذته إلى صحراء الإمارات حيث واحة ليوا التي اجتمع فيها عدد من سياسيي العالم، المتناقضين المتنافرين تماماً في الحياة السياسية، بعيداً عن الإعلام، في لقاء لتهدئة الأعصاب، ولكنه لتوطيد العلاقات الاستراتيجية، وما لبث أن عاد إلى باريس، ثم إلى السعودية لمقابلة الأمير بندر بن سلطان، ثم فاجأ الأوساط الإعلامية بمهاجمته الصارخة لوزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم (قطر لم تدعُ رئيس الائتلاف إلى القمة العربية لولا تدخّل إحدى الدول وليسمح لنا الشيخ حمد بن جاسم، وهذه الزعبرات تمشي على بعض الجهلة والبدو! أنهم مع معاذ وأنهم يدعونه للعودة، وهم ساهموا بعزل الخطيب وقصقصة ريشه وتكبيله… وفي جعله رجلاً يغرّد منفرداً داخل الائتلاف…).

دخل ميشيل كيلو إلى الائتلاف أخيراً، في توسعة جلب معها عدداً من الديمقراطيين السوريين ـ كما يحب أن يطلق عليهم ـ بعد أن عقد مؤتمراً موسّعاً في القاهرة سمّاه (القطب الديمقراطي) وكان قد قام بالتمهيد النظري له من قبل على صفحات الجرائد، قاصداً أنه بالإمكان إنشاء قطب ديمقراطي يجذب العلمانيين والمعتدلين السوريين، في وجه التطرّف واحتكار القرار من قبل الإسلاميين في جسد المعارضة السورية، حسب وجهة نظره، غير أن المؤتمرين فضلوا الابتعاد عن وصفة كيلو النظرية عالية الجرعة، وأطلقوا على المؤتمر (المؤتمر التشاوري من أجل اتحاد الديمقراطيين السوريين) ومن هذا المؤتمر بدأ ما يمكن أن يسمى بالمشي على الأجساد السياسية، فقد تم تجاوز كثيرين كانوا شركاء في مسيرة ميشيل كيلو، واعتمد عليهم في مشروع المنبر الديمقراطي، ولم ينتظر موافقتهم على الانضمام إلى الائتلاف، وتركهم خلف ظهره متمسكين بما تعهّد لهم به، في بداية الطريق، مما دفع بعضهم إلى القول في اجتماعات المنبر الديمقراطي (من كان يعبد ميشيل كيلو ..فإنه قد ذهب إلى الائتلاف!) وتزامن ذلك مع تراجع الدور القطري، واندفاع الدور السعودي في قيادة الملف السوري، ووصل كيلو إلى ما أراد في لحظة مؤتمر سمير أميس، فصار مهيمناً على التمثيل السياسي للثورة السورية، وقادراً على فرض رؤيته، عبر الآليات الديمقراطية بعد أن انضم إليه عددٌ من أعضاء الائتلاف السابقين، لتتوسّع قاعدته السياسية في جسد المؤسسة، وليصبح تيار كيلو هو الأقوى مقابل التيار الإسلامي ومعه إعلان دمشق الذي انفصل عنه كيلو بعد أن رأى فيه ما لا يقنعه.

استعمل كيلو كل ما أوتي من دهاء سياسي، لتجتمع التناقضات والمصالح عنده، فكان يمضي أمامه ممثل فرنسا إيريك شوفالييه، معاتباً قيادة الائتلاف السوري حول تعقيدات يضعونها بشأن ضم كيلو وكتلته، وكان الممثل الأميركي فورد يقيم مآدب العشاء على شرفه ليجمع بينه وبين بقية الأطياف، وهو من تمكّن من إقناع السعوديين بمنطقه السياسي، وهو من أصرّ على التدخل في النزاع الكردي العربي الدائر في الشمال السوري، فزار المنطقة سرّاً واجتمع مع القيادات وحاول خلق صلحٍ مشترك فيما بينها، وهو الذي لم يمانع في حضور مؤتمر للمسيحيين السوريين، وهو الماركسي العلماني، ليصبح زعيماً مسيحياً سورياً يدافع عن حقوق المسيحيين في المستقبل السوري، ولكن هل يغامر ميشيل كيلو بذلك في حضوره وقناعة السوريين به؟ هل يحرق كل تلك المراحل ليحترق معها في النهاية؟ أم أنه يدرك تماماً أين يضع قدمه؟ بينما تختلط الأمور في مفارق الثورة السورية الأخلاقية، فلم يقبل الشعب السوري بأحد أبناء مصطفى طلاس زعيماً للجيش الحر، بينما يرتّب كيلو أمراً بها بهذا الشأن، ولم يقبل السوريون بالترحّم على حافظ الأسد وأكثر هتافاتهم شهرةً كانت اللعنات على روحه، ولكن كيلو فعل عكس ما يريدون ، ليجذب أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بحافظ الأسد، والذين سيعبرون تجربة الاستقطاب التي يريد كيلو تطبيقها على الشعب السوري، وتحدّث عن الشبيحة وهم ألدّ أعداء الشعب اليوم، ووصفهم بما وصفهم به، ليفتح لهم طاقة صغيرة، ونافذة في سجنهم الكبير هذه المرة، الذي وضعهم فيه بشار الأسد بأن حوّلهم إلى مجرمين وقتلة. ابتعدت أطلال فندق سمير أميس، وخطّه السياسي الذي بات اليوم في غيابة الدم السوري، وتابع سوريٌّ من السوريين، يمثّل نموذج وعي خاص جداً، ابن شرطي من اللاذقية، ولد في العام 1940، مثقف وكاتب، وسياسي ومناور، ميشيل كيلو.. صار موجوداً وبقوة في دائرة صنّاع الحاضر في سوريا والمنطقة.. ولا يعلم أحدٌ ماذا سيُحدث نجاح المثقف والسياسي معاً من تغييراتٍ هذه المرة، ولكن ثمة من يقول إن ميشيل العلماني أراد أن تكون له حصة المسيحيين في المجلس الوطني الذي سيطر عليه الإسلاميون، وكان بوسعه أن يقبل بكرسيين، لكن بابا الفاتيكان أصر على ثمانية مقاعد، ولم يكن الشيخ معاذ الخطيب فيما بعد وفي الائتلاف قادراً على أن يلبي مطلب بابا الفاتيكان، فلم يكن الائتلاف قد اتسع بعد لتوزيع مقاعد للأقليات تفوق نسب تمثيلهم في المجتمع، ثم مضى الشيخ معاذ، وغاب بابا الفاتيكان عن وكالة حصص المسيحيين، وتمكنت السعودية من توسعة الائتلاف ليدخل ميشل كيلو بواجهة قبلية، مثلّها الشيخ الشمّري أحمد عاصي الجربا، والأصعب على ميشيل كيلو هو أنه لم يكن ولن يكون بطل المشهد، فهل تمكن كيلو من إقناع السوريين أنه صوتهم جميعاً ؟ بينما استطاع جورج صبرا فعل هذا مستحضراً في أذهان لسوريين كاريزما فارس الخوري الزعيم الوطني المسيحي السوري، و قد يسأل سائل اليوم: أين يمكن أن نجد فارس الخوري بقوّة أكثر.. في ذاكرة كيلو أم في ذاكرة جورج صبرا أم في ذاكرة المسلمين السنّة من السوريين؟!

8