ميشيل نجار ثمانيني يؤمن بالحرف العربي رغم صروف الدهر

السبت 2015/02/21
ميشيل نجار خطّاط مُنظَّمة التحرير الفلسطينية في بيروت

يضحك كثيرا وهو يروي رحلةَ عودتِهِ من مقر عمله مرورا بوسطِ بيروت في ستينات القرن الماضي حين رأى رسّاما سويسريا يفترش الأرضَ راسما صورة كبيرة لبريجيت باردو وبجانبها لوحةٌ لورقة الليرة اللبنانية وحولَهُ تجمهرَ الناس للفرجَةِ على هذا الإبداع حين كانت بيروت مركزا للإشعاع الثقافي في الشرق، اقترب ضيفنا من السويسري وطلَبَ منه مرافقَتَه إلى مشغَلِهِ وما إن وصَلا حتى أعطاه صورة لكمال بيك جنبلاط وطلَبَ منه أن يرسمها، فلم تأخذ معه سوى نصف ساعة من الزمن ما جعل ضيفنا يبرم معه عقدا يأخذ فيه السويسري 15 ليرة لبنانية مقابل تحويل كل صورة إلى لوحة كبيرة، بينما كان ضيفنا يقبض على اللوحة الواحدة من مرشحي مجلس النواب اللبناني في ذلك الوقت بين خمس وأربعين ليرة وخمسين ليرة، يلتقِط ميشيل تجار أنفاسَهُ ليروي كيف قال له السويسري بعد نهاية المشروع، إنَّ هذا العمل سيكون فيلما سينمائيا مُهمّا لكثرةِ صور الفنانين الترويجية التي قام برسمها، ظنّا منه أنَّ هذا العمل هوليوديٌّ عربيٌّ في ذلك الوقت.


عكا البعيدة


الحالة لم تتغيّر بعد أكثر من نصف قرن على هذه الحادثة، يقول ميشيل نجّار، خطّاط مُنظَّمة التحرير الفلسطينية في بيروت الذي وُلِدَ في عكّا بداية أغسطس من العام 1933، وتحديدا وسط المدينة القديمة بالقرب من ساحة عبّود التي ما تزال تحتفظ بهذا الاسم رغم محاولة الاحتلال تغيير الوجهَ العربي للمدينة، لعائلة عربية مسيحية، فكان الابن الثاني الذي رافق أمِّه في رحلة محفوفة بالمخاطر نحو بيروت في العام 1948، عام النكبة الفلسطينية، حيث كان في ذلك الوقت ابن الثالثة عشر ربيعا ونصف يرتمي في أحضان أمِّه وحيدا لساعات طويلة في شاحنةِ خُضارٍ سلكَت طُرُقا زراعيَّة مغمورة هربا من قوات الاحتلال الإسرائيلية التي كانت تنشر الموت أينما حلَّت وصولا إلى رأس الناقورة اللبنانية في نهاية الليل، حيث كان بانتظارهم جورج نجّار الأخ الأكبر الذي انتقل قبل عام إلى فرع شركة خطوط النفط العراقية، ومن رأس الناقورة إلى بيروت حيث جنَّبَهم وجود أخيه الأكبر هناك مأساةَ الجلوس في مخيّم للاجئين، وبعد سنوات وفي العام 1950 سيلتقي ميشيل برجل الأعمال سليم صهيون الذي افتتح مكتبا للإعلانات ليبدأ بتعلِّم فن الخط العربي مقابل ثلاث ليرات لبنانية فقط.


خطاط الثورة الفلسطينية


في مطلع العام 1965 أُنشئَت منظمّة التحرير الفلسطينية، وذهبَ الشاب ميشيل نجّار متطوِّعا في كوادرها، فكان مكانه الفن ميدانا للنضال ليصبح خلال شهور قليلة خطّاط مُنظَّمة التحرير ناشرا على الجدران البيروتية صور الغرافيتي وعبارات العودة المأمولة، مواكبا كل تطوّرات القضية الفلسطينية منذ انطلاق الثورة، ليستمر الحال به كذلك حتى أواسط السبعينات، حين تمَّ استهداف مكتبه خلال الحرب الأهليّة اللبنانية، ليتخفَّى بعدها بين بيوت الأقارب والمعارف خوفا من قاتل ينتظرُ مرورَهُ ليقتلَهُ بعد أن يسمع كلمة واحدة من لهجتِهِ الفلسطينية التي لم يستطِع التخلِّي عنها حتى اليوم.

نبيلة برير ممثلة فلسطين في الأمم المتحدة والتي تم اغتيالها فيما بعد، هرعت توقظ ميشيل نجار في ليلة من ليالي العام 1982 لتخبره بطلب عرفات كتابة رسالة عاجلة إلى شفيق الوزان رئيس وزراء لبنان، لا ينسى نجار تلك المئة والخمسين كلمة التي كتبها والتي طوت صفحة الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان

عاصرَ نجّار حصار تل الزعتر من قبلِ الجيش السوري بأوامر مباشرة من حافظ الأسد، ليكون ضمن الفريق المُسعِف في جامعة بيروت العربية التي تحوَّلت إلى مشفى ميداني محاولة إيقاف الدم الفلسطيني المُسال من كل جانب، بكثيرٍ من الأسى يقول ميشيل الرجل الثمانيني، اليوم، إن التاريخ يُعيد نفسه فالقوات السورية التي قتلت الفلسطينيين في تل الزعتر هي ذاتها من تمارس فنون القتل ضد السوريين والجامعةُ العربية التي تحوّلت إلى مشفى ميداني في ذلك الوقت، لها رديف ومقابل في الجامعات السورية التي لم تستطع إيقاف الدم السوري المسفوك.

سنواتٌ صعبةُ عاشها ميشيل نجار في لبنان في ظلِّ الحرب الأهلية اللبنانية فهي فترةٌ كان فيها أمامهُ عدوٌّ ومن خلفه ألف عدو، ورغم كل ذلك لا ينسى تلك الليلة التي استيقظ فيها في صيف العام 1982 وقد كانت بيروت ترزح تحت الحصار حين فاجأتهُ في تمام الثانية فجرا نبيلة برير، ممثّلة ياسر عرفات في الأمم المتحدة والتي تم اغتيالها فيما بعد، تُخبِرهُ بطلب أبو عمار بضرورة كتابة رسالة إلى شفيق الوزّان، رئيس وزراء لبنان في ذلك الوقت، لتملي عليه أكثر من مئة وخمسين كلمة ما يزال محتفظا بنسخة منها في أرشيفِهِ حتى اليوم بعد مُضيِّ أكثر من ثلاثين عاما على تلك الليلة التي جمَعَ فيها على عجل الشموع من بيوت جيرانِهِ ليخطَّ الرسالة المطلوبة وليسلِّمها أبو عمار صباحا إلى الحكومة اللبنانية ولتُطوى بها صفحةُ الوجود الفلسطيني المُسلّح بعدها في لبنان.


الخروج من لبنان


أتاح له وجوده في منظّمة التحرير السفر إلى عواصم العالم ومدنه في الشرق والغرب، ناقلا هموم قضيَّتِهِ في لوحات حمَلَت عبارات العودة والحنين، فضلا عن الارتباط بالمكان الذي ظلّ عالقا بوجدانِهِ رافضا الزوال، فكانت إيطاليا وألمانيا وأسبانيا وبوخارست وبودابست وبغداد والقاهرة، محطّات له مرَّ خلالها حاملا قلَمَهُ ناثرا الحروف العربية أينما حل، حتى حطّت به الرحلة في بلجيكا التي وصلَها بعد أن غادر بيروت في باخرة يقطع المتوسِّط فيها إلى القاهرة وقد حمَلَت معه الجرْحى الفلسطينيين من مخيّم تل الزعتر ليتعرّض إلى الاعتقال لساعات في عرض البحر قبالة السواحل الفلسطينية حين داهمتهم فرقاطة تابعة لسلاح البحرية الإسرائيلية وليُصارَ إلى إطلاق سراحهم بعد ذلك ليعتقله الأمن المصري بسبب لوحاتِه التي كان يحملها في صندوقه الكبير وليطير من القاهرة إلى بروكسل، حيث حط الرحال وبدأ رحلةَ الحياة الجديدة وهو في الخمسين من العمر.

وجوده في منظّمة التحرير أتاح له السفر إلى عواصم العالم ومدنه في الشرق والغرب، ناقلا هموم قضيَّتِهِ في لوحات حمَلَت عبارات العودة والحنين، فضلا عن الارتباط بالمكان الذي ظلّ عالقا بوجدانِهِ رافضا الزوال

الثوري الفلسطيني المناضل اليساري والشيوعي الحالي لا يزال يرتبط بمدينتِهِ التي غادرها في العام 1948 وعاد إليها زائرا بعد خمسين سنة، حاملا معه شوقه وبعض الحبوب المهدئة خوفا من استنزاف الذاكرة الوجدانية في لحظات الضعف لرجل شارف على السبعين وقتها، كان لقاء مواجهة مع كل شيء كما يصفه، مع بيت العائلة وذاكرة الطفولة الأولى وشوارعَ قديمة اختزنت ذاكرته في عقده الأول، تلك الذاكرة التي احتفظت إلى اليوم بعروبة فلسطين وحقّها في الوجود.

سألت ميشيل نجار عن مفتاح بيتِهِم الكبير في عكا، فقال لي إنه ضاع ولكن هذا لا يعني أنَّه ليس بيتنا، نعم لقد ضاع في ظل ما حدث ويحدث وفي ظل تنقّلاتنا في مختلف المدن هربا من الموت الذي مارسه العربي ضد الفلسطيني، “فقدنا المفتاح ولكن لم نفقد حقنا في الانتماء للمكان”.


الحرف العربي في بلجيكا


وصل ميشيل نجار إلى بلجيكا حاملا معه حرفه العربي الفلسطيني الذي التزم به طيلة حياته، فكانت محطته الأوروبية بمقره الجديد نافذة للعالم الغربي على القضية الفلسطينية، حين اتَجه إلى تطوير اللون في رسم الحرف العربي، معتمدا على التراث الفلسطيني والعربي لتكون تلك المسحة الجمالية حلقة ضائعة في رسم الخط العربي كما يقول.

الصديق الوفي لمحمود درويش وسميح القاسم وغسان كنفاني وناجي العلي، قام بتخطيط ورسم مقاطع من أعمالهم الأدبية لتصل إلى المتلقي الأوروبي عبرَ أعمالهِ الفنيَّة، فما إن دخلت إلى مرسمِه في العاصمة البلجيكية حتى توقفت عند عبارات تحوّلت إلى شواهدَ في لغة العرب على عظمة لغتهم في الاختزال والفك والتركيب الفكري.

لوحة معلقة على حائط مقابل للمدخل الرئيسي، فما إن يعبره الزائر حتى تقعَ عيناه عليها، فهي تحمِل كلمة الحريَّة باتجاهات مختلفة مركبة وكأن ميشيل نجار يقول، إن الحرية تركيب وقيمة تحتاج الكثير من النضال لتحقيقها في الشرق خاصة مع ألوانها المشتقَّةِ من اللون الأحمر، فهو يحاول أن يستعيد الزمن الضائع والذاكرة المسكونة في صالة أرابيسك التي أسّسها في بروكسل ويقدم من خلالها التجارب التشكيلية في الخط العربي ورسم حروفِه للجمهور الأوروبي عبر مدرسة أنشأها لهذا الخصوص.

نجار يعمل في بلجيكا منذ عقود على تطوير اللون في رسم الحرف العربي معتمدا على التراث الفلسطيني، لتكون تلك المسحة الجمالية حلقة ضائعة في رسم الخط العربي

في بيت الكتاب الفرنسي كان لميشيل نجّار صولاتٌ وجولات لشرح جمالية الخط العربي وانحناءاته التي تمثّل اللون المتموج للغة العربية في اتساعها وشموليتها، فضلا عن نقله للثقافة الفلسطينية بخصوصيتها تأكيدا للهوية التي صادرها ويصادرها الاحتلال، ولكل هذا ليس غريبا على ميشيل نجار الرجل الثمانيني اليوم أن ينحاز لآلام المقهورين في الشرق ليلتزم حقهم في الحرة التي تخطى ثمنُها المدفوع حتى الآن كل الحدود التي يمكن تخيُّلُها مع يقينه بنهوض الشرق من جديد رغم كل الصعاب التي يعتبرها ولادة طبيعيَّة للحريّة التي يتمناها هناك.

ميشيل نجار الذي يشارك حتى اليوم في معارضَ فنية تحمل اسمه، يؤمن بأن العودةإلى الوطن السليب قائمة رغم مرور سنوات الغربة القاسية في وطن أعطاه كلَّ قيمة، من الممكن لوطن أن يعطيها لأبنائه، إلا أن جذوره هناك ظلّت مشدودة بحبل سري إلى المكان الأول رغم فقدان العديد من أبناء جيله الذين عاصروه في بداياته ونجاحاته العديدة، هو اليوم يعكف على كتابة مذكراته السياسية والاجتماعية مستحضرا خلالها كل ما كان له من ذاكرة في بلدان المنافي المختلفة، واصلا إلى البدايات الأولى، واثقا من عودة قريبة، متمسكا بتراثه الفلسطيني، ناقلا إياه عبر حروف الخط العربي إلى كل العيون علها تتفتَّح على مأساة شعوب الشرق التي فاقت كل الحدود.

ذاكرة ممزوجة بالألم والقهر والنضال والمعتقلات القسرية التي دخلها ميشيل في حياته، الرجل الثمانيني الذي ظل متمسكا بحقه في الحياة مرددا كلمة “خيا” الفلسطينية بين كل جملتين في حديثه، متوددا لمحدثيه بما تحمله الكلمة من حرارة المحبة.

14