ميغ روزوف تفوز بـ"جائزة أستريد لندغرين" لأدب الأطفال والناشئة 2016

تُعدّ جائزة أستريد ليندغرين الأدبيّة واحدة من أكبر الجوائز العالميّة المخصصة للأدب المكتوب للأطفال واليافعين، من حيث قيمتها المادية البالغة أربعة ملايين كرونا سويدية (نحو 714 ألف دولار)، والتي يشرف على إدارتها مركز الفنون السويديّة، منذ تأسيسها بتمويل مباشر من الحكومة في العام 2002، تخليدا لذكرى الروائية السويدية أستريد ليندغرين (-1907 2002). وتهدف الجائزة إلى زيادة الاهتمام بأدب الأطفال والناشئة، وتعزيز حق الطفل في الثقافة على مستوى العالم أجمع.
الثلاثاء 2016/04/12
كاتبة أميركية تتحدث عن العواطف والمعرفة على حد سواء

لم يجد أعضاء لجنة تحكيم “جائزة أستريد ليندغرين” لأدب الأطفال والناشئة، حرجا في أنفسهم من منح جائزة هذا العام إلى الروائية الأميركية ميغ روزوف عن مجمل أعمالها الروائيّة، بالرغم من تهمة “التجديف” التي وجهتها إليها إحدى المدارس البريطانية قبل نحو خمسة أعوام.

وكانت روزوف ستلقي في تلك المدرسة، رفقة ميلفين بيرغيس وديفيد آلموند ومونكتون كومبي، محاضرة ضمن برنامج “مهرجان أدب الأطفال” الذي كانت تقيمه صحيفة التليغراف بمدينة باث في غرب لندن. ولكنّ القائمين على تسيير شؤون المدرسة سرعان ما ألغوا المحاضرة في اللحظات الأخيرة، مانعين روزوف من الحضور، بسبب كتابها “ليس ثمّة كلب: ماذا لو كان الله مراهقا”؛ وهو عبارة عن رواية تصور الربّ في هيئة صبي كسول وطائش في التاسعة عشرة من عمره، يعيش في الزمن الحاضر ويدعى بوب، يخلق جميع المخلوقات في ستة أيّام لأنه غير قادر على تحمّل مشقّة يوم سابع، ثمّ يقضي معظم وقته وهو يحلم بالفتيات.

ولدى سماعها بالخبر، عبّرت روزوف عن صدمتها، قائلة “لم أكتب البتّة راغبة في إثارة الجدل. وإنها لخيبة أمل أن تشعر بعض المدارس بأنّ موضوع كتابي غير ملائم بالنسبة إلى تلاميذها، لا سيما وأنّني أظنّ بأنّ جزءا من عملي، ككاتبة، استقصاء المسائل الحسّاسة، ومنح قرّائي اليافعين فرصة العثور على الأمل والدعابة المرحة والخلاص في عالم طافح بالخسارة والمهلكة”.

روايات للناشئة

بيد أن لا هذه الحادثة بعينها، ولا تيمة الرواية في حدّ ذاتها، قد حالت دون أن تفوز بهذه الجائزة العالميّة الكبيرة. وحالما تلقّت روزوف المكالمة الهاتفية التي زفّت إليها النّبأ، قالت “يا إلهي. شيء رائع. يتوجب عليّ أن أجلس. لا أستطيع تصديق ذلك”. بعد فوز روزوف بالجائزة، نوّهت رئيسة لجنة التحكيم، الناقدة وأستاذة الأدب في جامعة ستوكهولم، بويل ويستين، بالقيم الإنسانية التي تتمتع بها الكاتبة الأميركية، قائلة إنّ أعمالها “تحف صغيرة، تقول الكثير”.

فيما قال البيان الرسمي للجائزة، والذي أذيع في الرابع من شهر أبريل الحالي، إنّ “روايات ميغ روزوف المكتوبة لليافعين تتحدث عن العواطف والمعرفة والفكر على حد سواء. إنها تكتب، بنثر متوقّد، حول البحث عن دلالة المعنى والهوية في عالم غريب وعجيب. إنّ حكاياتها الشجاعة والمتهكمة فريدة من نوعها. إنها لا تترك القارئ دون أن تشعره بالدهشة”.

كتابة عن الناشئة

جائزة أستريد ليندغرين الأدبية تعد واحدة من أكبر الجوائز العالميّة المخصصة للأدب المكتوب للأطفال واليافعين

“تكتب روزوف عن الناشئة في الحدود الفاصلة بين الطفولة وحياة الرشد، والذين يواجهون محنا عصيبة في رحلات بحثهم عن أنفسهم. يدفعون، في بعض الأوقات، إلى شفير عصيّ على الاحتمال وإلى ما هو أبعد منه. يجابه أبطالها أسئلة الهوية والغريزة الجنسيّة، مقذوفين، ضدّ إرادتهم، في مقامات وأحوال فوضويّة. تتعاطف روزوف، على شاكلة أستريد ليندغرين، مع الناشئين وتخلص لهم تماما. وحين يتبدّى عالم الراشدين، فإنّه يظلّ في الهامش وعلى السطح.

إنها تكتب بلغة حيّة لا شقوق فيها، سواء كانت تصف مشهدا طبيعيّا، أو قطعة ثياب، أو المؤن في الخزانة. إنها تُشرِّبُ القتامة بالظُّرف والدعابة لتصوغ روائع أسلوبيّة”. وأمّا وزيرة الثقافة والديمقراطية في السويد أليس كونكه، فقد قالت معقّبة “طالما انهمكت أستريد ليندغرين في مسائل اليافعين، وإنني لسعيدة بأن تكرّم لجنة التحكيم كاتبة تعبّر على نحو عميق عن التعاطف مع الشباب الذين يواجهون صعوبة في التكيف مع عالم الراشدين. تعكس كتبها أفكار اليافعين حول أنفسهم وحول فكرتهم عن العالم”.

أبطال مرحون

ولدت ميغ روزوف سنة 1956 ببوسطن في الولايات المتحدة، وتعيش في لندن منذ العام 1989. بدأت الكتابة لليافعين بعد وفاة شقيقتها الصغرى بسرطان الثدي. نالت روايتها الأولى، “كيف أعيش الآن” (2004)، استحسانا نقديا كبيرا، وفازت بجائزة الغارديان البريطانية في قَصص الأطفال وجائزة مايكل برنتز الأميركية في أدب الناشئة على حد سواء. وأمّا روايتها الثانية، “عند اللزوم” (2006)، فقد نالت ميداليّة كارنيغي البريطانية في العام 2007 وجائزة أدب الشّبيبة الألمانيّة في العام 2008. وأمّا رواياتها الأخرى، فهي “ماذا كنتُ” (2007)، و”وداع العروس” (2009)، و”طوى الأرض مسرعا” (2010)، و”تخيّلني وقد رحلت” (2014).

وتنوعت شخصيات روايات روزوف، سواء كانت البطلة هي تلك الفتاة التي ترسل للعيش في بيت عمها في مزرعة نائية خلال حرب عالميّة ثالثة متخيّلة تدور في القرن الحادي والعشرين، أو تلك الصبية التي تتسحّب في بواكير الصباح هاربة من البيت رفقة حصانها الأبيض، أو تلك التي ترافق والدها في رحلة بريّة في ربوع أميركا، أو ذلك الصبي الذي ينقذ حياة أخيه، أو ذلك الذي يطرد من المدرسة الداخلية عدة مرات، فينطلق باحثا عن الحب والرغبة، إلّا أنّ شخوص رواياتها يظلّون يبحثون دائما عن الأمل المُخلِّص ويغوصون عميقا في لجّة الحياة، متحرّرين من الماضي ومن اللحظة الحاضرة على حدّ سواء، قافزين، بكل عنفوان طاقتهم، في المستقبل.

يافعون يستيقظون، ذات يوم، فيجدون بأنّ حيواتهم قد مرّت أمام أعينهم بوتيرة مستحيلة وقاسية، فيغمسون أنفسهم في ألم اللحظات المتوتّرة التي تبدو كأنها لم تحدث إلّا في الأمس، يطاردون الحُبّ والسعادة التي تنطّ أمامهم، ككلب أعرج. إنهم يعرفون جيّدا بأنهم لن يكونوا سعداء إلى الأبد، ولكنهم يفتشون عن ضربة الحظّ التي تجعلهم يدّخرون حسراتهم في ألم العالم. وإنهم لا يشكّون لبرهة واحدة بأنّ الحياة الأرضيّة ليست سوى دعابة كبيرة لا تعاش حتى ينفجر القلب من شدّة الضحك.

أدب أستريد ليندغرين خالد في الذاكرة
14