ميكيافيلي.. عراقي

الخميس 2015/04/23

لا أظن أحدا فهم ثلاثية سيكولوجيا السلطة والحاكم والدين بقدر ما فهمها ميكافيلي. فمع أنه يعدّ مؤسس التنظير السياسي في عصر النهضة، إلا أنه كان أبرع وأحق باكتشاف هذه العلاقة من شيخ النفسانيين فرويد.

المدهش أن ما قاله عن الأمير، الملك، رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، قبل 500 عام ما يزال ينطبق على معظم حكّام العالم، بل أن أغلب من بيده السلطة في الدول النامية يتعاملون مع الأمير معاملة هتلر وموسوليني وستالين وفرانكو، ويضعونه بمكاتبهم ويعدّونه مستشارهم في إدارة شؤون الدولة.

والمفارقة أن ميكيافيلي وصف بالشيطان، ووصفه موسوليني، الذي أعدّ عنه أطروحة دكتوراه، بأنه منافق كبير، وانتقده الحكّام الأحياء منهم والأموات مع أن معظمهم طبّقوا ويطّبقون ما أوصى به في تعاملهم مع الرعية. وإن كنت في شك بما أقول فأقرأ “الأمير” فستجد أنه يوصي الحاكم بأن يكون غدّارا إذا وجد أن محافظته على العهد لا تعود عليه بالفائدة، وأن يكون دعيّا كبيرا ومرائيا عظيما، فالاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها خدمة لمصالح فئة أو جماعة سياسية على حساب جموع الناس ورغما عنهم، يقتضي استعمال ما يلزم من قهر واستبداد لفرض نظام سياسي يُرَوّج له على أنه الخير العام.

يضيف ميكيافيلي أن على الحاكم أن يجمع بين خداع الثعلب ومكر الذئب وضراوة الأسد، وألا يخجل في اختيار أي أسلوب، مهما تدّنى، لتحقيق أهدافه وطموحاته السياسية، وألا يتقيد بالمحاذير الأخلاقية لتحقيق مبتغاه، فالهدف الرئيس لم يعد، وفقا له، تحقيق رفاهية شعبه وسعادته، بقدر البقاء في الحكم إلى ما شاء الله. وأن يتقن الكذب والمراوغة ليحقق مآربه بأي وسيلة ملتوية، ويعطي شعبه الانطباع بأنه رحيم ونزيه وإنساني ومستقيم ومتديّن. وينبّه الحاكم إلى أن الناس ناكرون للجميل ومتقلبون ومراؤون شديدو الطمع، وهم إلى جانبك طالما أنك تفيدهم، وسيمجّدونك حين تكون مرهوب الجانب شديد العقاب.

في العراق، زمن النظام الدكتاتوري، كان هنالك ميكيافيلي واحد. غدر بجماعته، وانتقم من خصومه وكان مرهوب الجانب، أوصل العراقيين إلى أن يمجدوه بمن فيهم أكاديميون وصفوه بأنه “هبة السماء” للعراق، وشعراء كبار رفعوه إلى السماء وأضفوا عليه صفات الأنبياء، بينهم من انتموا الآن إلى ميكيافيليّ الزمن الديمقراطي، ويحتلون مواقع في اتحادات الأدباء العراقيين.

وكان ميكيافيلي الزمن الدكتاتوري واحدا منفردا متفردا، ولدى الناس وضوح بخصوص طغيانه وأساليب تصفية خصومه، فيما هنالك الآن ميكيافيلي معمم، وآخر ملتح، وآخر أفندي، وآخر يلبس العقال واليشماغ والعباءة الجاسبي. فاختلط الأمر على الذين يريدون أن يعيشوا آمنين وباتوا حيارى لا يعرفون مع أي ميكيافيلي يروحون وأي ميكيافيلي يتجنّبون، وهم يريدون أن يعيشوا بلا منغصات بعد فواجع أثكلهم فيها ميكيافيلي الزمن الدكتاتوري ثلاثا وعشرين سنة، زادها ميكيافيلو الزمن الديمقراطي عشرا تطايرت فيها أجساد أحبتهم بأحداث أفجع، وهربت أحلامهم منهم مثل حمائم ملونة، قتل الصياد أجملها وفرّت الأخريات مذعورات فرار الملايين من العراقيين إلى الغربة، خائفين من ميكيافيلي الزمن الديمقراطي.

قد يقول أحدهم إننا نبالغ في الوصف ونجور في التهمة، وله نستعيد قول ميكافيلي “إن الهدف الرئيس للحاكم ليس تحقيق رفاهية شعبه وسعادته، بقدر البقاء في الحكم إلى ما شاء الله”. أليست هذه الصفة انطبقت على حاكم عراقي ديمقراطي قالها علنا “ما ننطيها”، رغم أنه كان السبب الأول في شقاء شعبه؟ وأنها رغبة قابعة في داخل معظم قادة العملية السياسية العراقية، مع أنها بالضد من الديمقراطية التي تعتمد مبدأ التداول السلمي للسلطة؟

وميكيافيلي هو القائل إن الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة، بل لتمكينها من السيطرة على الناس، ولكم أن تتأملوا كم ميكيافيليا طائفيا استخدمه في العراق؟ وتذكروا أن معظم الذين هم الآن في مواقع السلطة عادوا إلى العراق وليس لهم أي رصيد شعبي فعزفوا على وتر الطائفية وصاروا في مواقع قرار لا يتخذون منها إلا ما يخص أنفسهم وجماعتهم.

أقبح الميكيافيليّن هو الذي يوظف الدين للاحتفاظ بالسلطة. فالناس يبرّرون للسياسي أن يكون مراوغا غدّارا، لأن السياسة بمفهومها عند العرب بلا أخلاق، لكن أن تكون هوية السياسي دينية ويكون ميكيافيليا، فتلك مسألة لا تغتفر، ليس لأنه يخدع الناس بل لأنه يخدع الله ويسيء إلى قيم دينية تعدّ في نظر كثيرين مقدسة، وأنها عند الله هي والكفر سواء.

أليس الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله “فبشرّهم بعذاب أليم”، فكيف بالذي يخزن مليارات الدولارات ولا ينفق منها مليونا واحدا في سبيل مليونين ونصف نازح ومهجّر، بينهم أطفال يسكنون العراء وآخرون يفتّشون في الزبالة عن كسرة خبز، هو السبب في نزوحهم وشقائهم وجوعهم؟ والأقبح أن ملياراته لا يزكيها مع أنه يعرف أنها فريضة عليه، بل يزيدها صلافة بالحج كل عام. وتلك صفات فاتت على ميكيافيلي أن يذكرها في “الأمير” وبها يسجّل حكّام الزمن الديمقراطي العراقي إضافات جديدة لصفات الحاكم الديمقراطي.

إن الشيطان ميكيافيلي ما يزال حيا في زعاماتنا التي أصابها الاحتراب الطائفي بالبارانويا وإيصال زعامات محتقنة بشرور جاءت بها ديمقراطية ناقصة عقل ومسؤولية، لأن الطائفية السياسية، بطبيعتها، منتجة لحكّام فاشلين، ولا سبيل للعراقيين غير أن يعطّلوا عقلهم الانفعالي الذي جاءهم ببرلمانيين خذلوهم، ويحكمّوا عقلهم المنطقي بانتقاء من يمتلك القدرة على إنقاذ العراق من محنته، ويمنعوا مجيء ميكيافيلي جديد، وإلا سينطبق عليهم قول تشرشل “كل شعب في العالم ينال الحكومة التي يستحقها”، وقد استحقوها عشر سنين، ونخشى أن ما يجري في العراق هو الركضة الأخيرة نحو إنتاج ميكيافيلي عراقي جديد، لعشر سنين أو يزيد.

رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

8