ميكيس ثيدوراكيس: زوربا هو أنا ولا أحد غيري

الأحد 2014/05/25
ارتبط ثيودوراكيس بصداقات مع بابلو نيرودا ولويس اراغون ويانيس ريتسوس وغيرهم من كبار مثقفي العصر

قبل أن يقيم حفلاته الموسيقيّة على ركح مسرح قرطاج والحمامات، كان الفنان اليوناني الكبير ميكيس ثيودوراكيس يحظى بشهرة واسعة لدى الكثيرين من عشّاق الموسيقى في تونس، وأحباء الحرية بالخصوص.

وأنا كنت قد اكتشفته من خلال الموسيقى الرائعة التي وضعها لفيلم “زوربا اليوناني” المستوحى من رواية بنفس العنوان كان قد كتبها نيكوس كازانتزاكي أصيل جزيرة “كريت”. وفي ذلك الفيلم، أبدع الممثل الأميركي القدير في لعب دور “زوربا اليوناني”، وجسّده أفضل تجسيد، عاكسا شخصيّته الفريدة العاشقة للحياة، والنساء، والموسيقى، ورقص رقصات بديعة فرقص معه الناس في جميع أنحاء العالم. وكان ميكيس ثيودوراكيس قد وضع أيضا موسيقى لفيلم” z”الشهير الذي أخرجه كوستا غافراس، وفيه فضح فاشية العساكر اليونانيين الذين كمّموا أفواه المعارضين، وأرسلوا المثقفين والمبدعين التقدميين إلى السجون والمنافي، وقاموا بتصفية من كانوا يشكّلون خطرا حقيقيّا على سلطتهم ونفوذهم. وكنت قد شاهدت هذا الفيلم في مطلع السبعينات من القرن الماضي فكان تأثيره عليّ وعلى الكثير من المثقفين والطلبة هائلا. وكان ذلك أمرا طبيعيا.

ففي تلك الفترة كان أغلب أبناء جيلي متعاطفين مع الحركات اليسارية في العالم، ومع الثورات المناهضة للأنظمة الفاشية والاستبداديّة. وقد وجدوا في الفيلم المذكور ما يؤجّج حماسهم للثورة والتمرّد، ويضاعف من كراهيّتهم للأنظمة التي تحكم الشعوب بالحديد والنار.

وكان ميكيس ثيودوراكيس المولود عام 1925 في جزيرة قريبة من السواحل التركية، قد دخل المعترك السياسي في سنوات الشباب، وتحديدا في فترة الحرب الأهليّة التي عرفتها بلاده من عام 1945 حتى عام 1949.

وفي إحدى المظاهرات الصاخبة أصيب بجراح خطيرة حتى أن من كانوا بجانبه ظنّوا أنه فقد الحياة. كما عرف في تلك الفترة السجن، وتعرض للتعذيب الوحشيّ. وفي عام 1967 استبد الجنرالات بالحكم، وشنوا حملات قمع رهيبة ضد المعارضين والمثقفين التقدميين. وكان على ميكيس ثيودوراكيس أن يمضي سنوات في السجن أو في الإقامة الجبرية.
قضى ثيودوراكيس سنوات في السجن وفي الإقامة الجبرية

ولم تنته محنته إلاّ بتدخل من منظمات عالمية، وشخصيّات سياسيّة وفكرية مرموقة ونافذة. وفي باريس التي أمضى فيها سنوات منفاه، أنجز العديد من الأعمال الفنية دفاعا عن الحرية في بلاده، وفي العالم. كما أصدر يوميّاته التي يصف فيها أوضاعه خلال فترة السجن في ظلّ حكم العساكر.

ورغم أنه كان عضوا في الحزب الشيوعي، فإن ميكيس ثيودوراكيس ظلّ عاشقا للحرية، رافضا للدوغمائيّة التي كانت تتحكم في النقد الراضخ لما كان يسمّى بـ”الواقعية الاشتراكية”. وبعد انتهاء الديكتاتورية، أنتخب نائبا في البرلمان. وكان دائم الدفاع عن القضايا العادلة، منتقدا كل مظاهر الفساد والظلم في بلاده. وقد تعرّف ميكيس ثيودوراكيس على شخصيّات عالمية مثل الرئيس المصري جمال عبدالناصر، والرئيس اليوغسلافي جوزف بروز تيتو، والرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران. كما ارتبط بعلاقات صداقة مع الشاعر الشيلي بابلو نيرودا، والشاعر الفرنسي لوي أراغون، والشاعر اليوناني يانيس ريتسوس.

وفي صيف عام 1984 جاء ميكيس ثيودوراكيس إلى تونس ليقيم حفلات في قرطاج والحمامات. وقد مثّل قدومه حدثا ثقافيا بارزا. لذا كانت وسائل الإعلام بمختلف أنواعها لا تنقطع عن الحديث عنه، ومتابعة نشاطاته. وقد حرصت على إجراء حوار معه غير أن المصاعب كانت كثيرة. وذات يوم تمكّنت من الاقتراب منه، والتحدّث إليه.

الفنان اليوناني ظلّ عاشقا للحرية ورافضا للدوغمائيّة

وفي البداية قال لي بأن الطلبات كثيرة، وأنه لا يرغب في أن يجري حوارا مع من هبّ ودبّ. ولم يحبطني تشدّده. لذلك رحت أتحدث عن يوميّاته التي كنت قد قرأتها بالفرنسية، وعن نيكوس كازانتزاكي، وعن ميلينا ماركوري التي عرفت هي أيضا الاضطهاد في فترة الحكم العسكري.

وشيئا فشيئا بدأ ذلك الفنان فارع القامة يلين مبديا اهتماما واضحا بما كنت أقول. وفي النهاية قال لي باسما: “طيب.. سأعطيك حوارا!”. وذهبت اليه في اليوم التالي في فندق “التور بلانش” وقت الغداء. وجدته في انتظاري.

وكان يرتدي “شورت” أبيض، وقميصا أزرق. دعاني إلى تناول الغداء معه. وخلال الأكل والشرب، كان يجيب على أسئلتي. وقد قال لي بأنه لمّا فتح عينيه على الدنيا لاحظ أن الموسيقى هي الأكثر حضورا. فقد كانت أمه تغني له قبل النوم، وأثناء النهار. وكانت جدته تفعل الشيء ذاته. وعندما كبر، تجوّل في الجزر اليونانيّة. وفي كلّ مكان يذهب إليه، كان يجد الناس يغنون، إما من فرط السعادة أو من فرط الحزن.

والبحارة يغنون وهم يستعدون للإبحار، أو هم عائدون الى الموانئ. والمزارعون يحرثون، ويحصدون، وهو يغنون، والنساء تغنين في حفلات الأعراس، وفي المآتم. الكلّ يغني.. واليونان كلّها تغني. فالموسيقى هي الفن الأول في الكون. وكان هوميروس الأعمى يطوف في الجزر اليونانية مرددا أغانيه التي سيخلّدها التاريخ. في نهاية حواري معه، سألت ميكيس ثيودوراكيس عن سرّ نجاحه الهائل في وضع موسيقى لفيلم “زوربا اليوناني” فقال لي: “لم يكن الأمر صعبا عليّ.. فعندما قرأت الرواية، شعرت أن زوربا العاشق للحياة والفن يشبهني كثيرا، بل هو أنا! نعم أنا ولا أحد غيري!”
14