ميكيس ثيودوراكيس مؤلم أن نعرّف بك، فمثلك لا يحتاج التعريف

ثيودوراكيس أبدع موسيقى زوربا ووزع أوركستراليا النشيد الوطني لفلسطين وناصر الشعوب المضطهدة.
الجمعة 2019/07/05
مثلك لا يحتاج التعريف

 السياسي والموسيقار اليوناني العالمي ميكيس ثيودوراكيس، ربما يجهل البعض هذا الاسم، لكن موسيقاه لا يجهلها احد، كثيرون رقصوا على موسيقى زوربا رقصة أصبحت عالمية، يعرفها الجميع إن لم يكن بآذانهم فبأجسادهم، وإن لم يكن بأجسادهم فبأعينهم التي تتابع تلك الحركات الشهيرة للرقصة الأشهر عالميا. ثيودوراكيس هو مؤلف تلك الموسيقى، وغيرها من موسيقات عالمية، تجاوز من خلالها حدود الجغرافيا ليكون عابرا كل شبر في العالم كالضوء.

في السادس والعشرين من شهر مارس عام 1946، اعتبرت من عداد الأموات، ونقل جسدك إلى المشرحة، ولسوء حظ جلاديك نهضت من بين الأموات، ليتم نفيك إلى جزيرة إيكاري، وبعدها إلى السجن الرهيب في ماكرونيسوس، حيث دفنت حيا مرتين، وكنت واحدا من قلة نجت من عمليات التعذيب هناك، لتطاردك الكوابيس على مدى سنوات.

قبل ذلك التاريخ تم اعتقالك في طرابلس، على يد قوات الاحتلال الإيطالي، وتعرضت للتعذيب. وبعد إطلاق سراحك عدت إلى أثينا، لتشارك في النضال ضد الاحتلال الألماني والإيطالي.

في تلك الفترة حملت البندقية بيد، وكتبت الموسيقى بالأخرى، مواظبا على تلقّي الدروس، في معهد أثينا العالي، بسرية.

الموسيقي الفريد

شغفك بالموسيقى ظهر في سن مبكرة جدا.. اشتريت آلة الكمان في سن الثامنة، وفي الثانية عشرة بدأت تكتب ألحانك الخاصة، وكانت سنوات 1954-1960 فترة نشاط قوي، ألّفت خلالها ألحانا موسيقية للعديد من رقصات الباليه والأفلام السينمائية.

جهودك لم تضع هباء، حصلت على دبلوم عال في الموسيقى عام 1950، وبعد ثلاث سنوات التقيت المرأة التي تزوجت منها، وغادرت برفقتها إلى باريس. هناك تتلمذت على يد أشهر الموسيقيين الفرنسيين، لتحصل بعد أربع سنوات على الميدالية الذهبية في مهرجان موسكو.

ولكن، من أنت، لماذا يبقى اسمك مجهولا، رغم أنك لم ترحل عنا إلا من أيام قلائل، وقد بلغت من العمر 93 عاما.

ميكيس ثيودوراكيس كان الموسيقي الشجاع في التزامه بالوطن وقضايا الشعوب ومؤلفاته تغنت بالسلام بين الشعوب

نلت جائزة البافتا لأفضل موسيقى كتبت لفيلم، عام 1970، وهو الفيلم الفرنسي “Z” الذي صورت أحداثه في الجزائر، وأخرجه العملاق كوستا غافراس، ونال جائزة أوسكار الأفلام الأجنبية، وقام بالبطولة فيه إيف مونتان وإيرين باباس.

من منّا لا يعرف فيلم “Z”، وكم منّا يعرفك.

“زد”، ليس الفيلم الوحيد الذي كتبت موسيقاه، هناك أفلام أخرى، مصنّفة بين الروائع، نذكر منها: إلكترا، وفيدرا، وأفيجينيا، وحالة حصار، ويوم خرجت السمكة من الماء..

ويبقى أهمها جميعا، الفيلم الذي حجب جميع العاملين فيه في الظل، وتسيد المشهد، حيث طغت الموسيقى والقصة على ما عداها.. كان نجاحه عقابا لك، وللكاتب أيضا.

رأينا ذلك يحدث في الملاحم، وحدث معك أنت وكاتب القصة نيكوس كازانتزاكيس، في فيلم “زوربا”.

لم تستطيعا أنتما وبطل الفيلم، أنتوني كوين، الخروج من عباءة زوربا.. حيث تحول الخيال، بجهودكم أنتم الثلاثة، إلى حقيقة واقعة.. وكأننا بأشخاص الفيلم وأحداثه وموسيقاه، التي رقص العالم على أنغامها، موجودة منذ الأزل.

في عام 1964، حصد الفيلم جوائز الأوسكار.. أفضل تصوير، وأفضل إخراج، وأفضل ممثلة مساعدة.. وبقيت أنت في الظل. دعنا اليوم نكرّمك، ونتذكر معك جانب آخر في شخصيتك.

مناصر الشعوب

بعد الانقلاب العسكري في اليونان عام 1967 تحولت إلى الحياة السرية، ووجهت أول رسالة للمقاومة، اعتقلت على إثرها، ولكنك تابعت كتابة المقطوعات الموسيقية، ترسلها إلى المغنية اليونانية ماريا فاراندوري والفنانة ميلينا ميركوري.

ساءت حالتك الصحية فقامت حركة احتجاجات أوروبية اضطر معها الانقلابيون لإطلاق سراحك، فسافرت عام 1970 إلى باريس، حيث كثّفت نشاطاتك الفنية ولقاءاتك مع الشخصيات الأوروبية ضد الانقلاب، وأسست عام 1976 حركة “حضارة السلام”.

عدت إلى اليونان في 24 يوليو 1974، وأصبحت محل نقد اليسار اليوناني، وذلك لمساندتك تحوّلا بطيئا وتدريجيا إلى الديمقراطية، خوفا من عودة النظام الاستبدادي عن طريق انقلاب جديد.

في عام 1981 انتخبت عضوا في البرلمان، وعملت على تأسيس أكثر من مئتي مركز ثقافي في البلاد، وبعد خمس سنوات تخليت عن المنصب لتتفرّع إلى الموسيقى. وفي عام 1987 كتب أول أوبرا، وقمت بتأسيس فرقة باليه أسميتها زوربا، قدمت أكثر من 600 عرض حول العالم.

في عام 1989 دعيت إلى ائتلاف لليسار اليوناني، لوضع حد لفضائح الحكومة اليمينية. بعد انتخابات 1990 شاركت في الحكومة وزير دولة، وناضلت ضد المخدرات، وطالبت بإصلاح التعليم وسعيت، برفقة الموسيقي التركي زولفو لفنالي، للتصالح بين الشعبين اليوناني والتركي.

عارض الحرب على العراق، موجها انتقادات لاذعة للحكومة اليونانية التي ساندت الحرب، وانتقد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش

في أكتوبر عام 1992، قمت بطلب من أنطونيو سامرانش، رئيس اللجنة الأولمبية الدولية، بوضع الحان معزوفة الألعاب الأولمبية التي أقيمت ببرشلونة.

حصلت على جوائز عديدة، أبرزها جائزة مهرجان موسكو عام 1957، وجائزة لينين للسلام عام 1983.

وبالتزامن مع عيد ميلادك الثمانين نلت جائزة سانت أندريه “لشجاعتك والتزامك بالوطن، وأيضا من أجل مؤلفاتك التي تغنّت بالسلام بين الشعوب”. وتم اختيارك من بين 40 مرشحا لتنال جائزة اليونسكو للموسيقى الدولية عام 2005.

بعد كارثة تشيرنوبيل عام 1986 قمت بجولات وحفلات في أوروبا ضد الطاقة النووية، كما قمت بعدة مبادرات سلام بين دول أوروبا.

عارضت الحرب على العراق، موجها انتقادات لاذعة للحكومة اليونانية التي ساندت الحرب، وانتقدت الرئيس الأميركي حينها جورج دبليو بوش. كنت من الناشطين في مجال حقوق الإنسان، ولعبت دورا في مساعدة الفلسطينيين خلال حصار بيروت عام 1982 حيث أدنت الاحتلال الإسرائيلي. وتعد من أبرز الشخصيات الدولية المساندة للفلسطينيين، وكثيرا ما ظهرت في الحفلات معتمرا الكوفية الفلسطينية.

اعتبرت إسرائيل أساس الشرور في العالم، فوجهت إليك تهمة التحريض على معاداة السامية، لتدافع عن نفسك في مقابلة أجرتها معك صحيفة هآرتس قائلا “أخشى أن شارون يقود اليهود بنفس الطريقة التي قاد فيها هتلر الألمان.. إسرائيل دولة قوية، وتمتلك ترسانة نووية، مثلها مثل إسبارطة.. ومن تحاربون؟ مليون من النساء والأطفال الفلسطينيين.. أنتم الآن جوليات، وفلسطين هي ديفيد، وأنا مع ديفيد”.

وكانت لك مساهمة في إعادة التوزيع الموسيقي للنشيد الوطني الفلسطيني عام 1981، في خطوة رمزية عبرت من خلالها عن تضامنك مع الفلسطينيين وقضيتهم العادلة.

ميكيس ثيودوراكيس.. مؤلم أن نعرّف بك، فمثلك لا يحتاج التعريف.

14