ميلان كونديرا والاحتلال والحب

الذين احتلوا وطني، أعظم فظاظة وأكثر عنجهية، لأنهم رغم كل المآسي التي عصفت بالعراق وشعبه، ظلوا يتحدثون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان!
السبت 2018/03/10
شوارع العراق تحولت إلى ميادين حروب

في ضحى يوم، من أيامي التي طالت في عمّان، واستحالت إلى سنين، والتي تكاد تتكرر من دون تغيير، كنت أجلس وحيدا، في مقهى اعتدت التردد عليه، مذ أقمت فيها، خطر في ذهني حديث للروائي التشيكي ميلان كونديرا، يتعلق بالاحتلال الروسي لبلاده.
تذكرت على قدر ما أسعفتني ذاكرتي، أنه كان يتحدث عن حوار عابر جرى بينه وبين ضابط روسي، من دون أن يعرف ذلك الضابط أن من يتحدث معه واحد من أشهر وأهم كتاب البلاد التي شارك في احتلالها، وتذكرت أن ذلك الضابط عبر عن حبه، ليس للرجل الذي يتحدث معه من دون أن يعرف من هو، فحسب، وإنما لجميع أبناء الشعب، وقد شاءت الظروف أن يكون من بين محتلي بلاده.
لقد اطلعت على هذا الحوار منذ سنين، وفجأة وجدت نفسي في شوق إلى ذلك الحديث، وكأنه حوار بيني وبين ذلك الضابط الروسي، وأنا الذي لا تفارقني نكبة الاحتلال الصهيوني لفلسطين ونكبة وطني على أيدي رموز الاحتلال الأميركي- الإيراني وحلفائهم، لحظة واحدة.
اتصلت هاتفيا بصديق طالما أسعفني في مثل هذه الحالات، أسأله عن مصدره، فدلني عليه، وقال إنه منشور ضمن كتاب بعنوان” غرف بلا جدران”  يضم عددا من الحوارات، وما كان مني إلا أن غادرت المقهى إلى حيث حصلت على نسخة من الكتاب المذكور، وأسرعت إلى قراءة ذلك الحوار، وهو الأول بين مجموعة حوارات.
يقول كونديرا: في اليوم الثالث للغزو، كنت أقود سيارتي من براغ إلى بوديجو فسيك، وعلى طول الطريق وعرضها، وفي الحقول والغابات، وفي كل مكان، أقام جنود المشاة الروس معسكراتهم. أوقفوا سيارتي، وفتشوها، بعد ذلك سألني الضابط، كيف تشعر، أو ما هي عواطفك؟ ويكمل كونديرا حديثه قائلا: لم يكن القصد من سؤاله الاستفزاز والسخرية، حيث قال لي: كل هذا، ليس غير سوء فهم كبير، لكنه سوف يُسوّى، عليك أن تعرف بأننا نحب التشيكيين، نحن نحبكم جميعا، فلماذا لا يريد التشيكيون، الذين نحبهم جدا، أن يعيشوا معنا، وأن يعيشوا مثلنا، يا للأسف أن نضطر إلى استخدام الدبابات، لنعلمهم طبيعة الحب؟!
وتساءلت هل كان الضابط الروسي يدرك ما يقول؟ وهل كان ساذجا إلى حد الجرأة على القول بأن دبابات المحتلين بإمكانها أن تعلم الشعب الذي تدوس سرفها كرامة ترابه الوطني، الحب؟ أي حب هذا؟
ليس من مبالغة في إحساسي بأن هذا الحديث بين كونديرا والضابط الروسي، هو حديث أي مواطن شريف مع من احتل بلاده، غير أن الذين احتلوا وطني، أعظم فظاظة وأكثر عنجهية، لأنهم رغم كل المآسي التي عصفت بالعراق وشعبه، ظلوا يتحدثون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان!
ورغم ما آل إليه وطني، حيث الموت والخراب والنهب والفساد، وهجرة وتهجير الملايين من أبنائه، حتى تحولت شوارعه وأحياؤه من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، إلى ميادين حروب ومصالح دنيئة ورغبات بذيئة، فإن الذين جاؤوا بهم ما زالوا يواصلون الكذب والنهب والتخريب.
ومع ذلك فإن كونديرا كان محظوظا بالضابط الروسي الطيب والمحب، حتى وإن أوهمته سذاجته بأن دبابات المحتلين يمكن أن تعلم الحب! لأن المحتل الذي عرفه أبناء وطني، منذ لحظة احتلال بلادنا حتى اليوم، سواء كان أميركيا أم إيرانيا، وقبله من احتل فلسطين، من طينة أخرى، فهو يعبر عن علاقته بهم بالعنف وليس بالحب.
ولو حدث مثل هذا اللقاء بين مبدع عراقي وطني، وواحد من المحتلين أو ممن أنتجوا من ميليشيات، في طريق خارجي بين بغداد ومدينة عراقية أخرى أو بين مثقف فلسطيني ومسلح صهيوني، لكانت البندقية ورصاصها الطائش لغة التفاهم والحب بينهما.
 

14