"ميلكمان" في بريطانيا يوزع الحليب والبشاشة

لا تستطيع المجتمعات إلا أن تعيش ببعض خصوصياتها وعاداتها رغم موجة العولمة التي اجتاحت العالم، والتي أصبحت الحياة بفعلها متشابهة وخاصة في المدن الكبرى، ففي بريطانيا مثلا لا يزال موزع الحليب يستيقظ فجرا ليوزع فطور الصباح على زبائنه، وفي محاولة من الـ”ميلكمان” مقاومة اندثاره، أضاف بعض السلع الأخرى مع الحليب للمحافظة على مكانته بين العائلات البريطانية.
الاثنين 2016/04/11
مشروب الصباح في موعده

ساينت البنز (المملكة المتحدة)- كان موزع الحليب على المنازل في ما مضى مشهدا مألوفا جدا في الشوارع البريطانية إلا أنه الآن أضحى يكافح من أجل البقاء في ظل الانتشار الكثيف للسوبر ماركت والمتاجر الإلكترونية.

ويجوب نحو خمسة آلاف “ميلكمان” (موزع حليب)، شوارع البلاد محاولين إحياء هذه المهنة المهددة من خلال تنويع المنتجات التي يوزعونها، ملبين الطلبيات عبر الإنترنت ومراهنين على التواصل الإنساني.

ويوضح نيل غارنر (57 عاما)، الذي اختير “أفضل موزع حليب” من قبل زبائن شركة “ميلك آند مور” الرئيسية للتوزيع على المنازل، “لقد جددنا بذلك هذه المهنة ودخلنا في القرن الحادي والعشرين. مستقبلنا واعد”.

ويوزع نيل الحليب على المنازل منذ العام 1994، ويقول “في أيامنا هذه قلّ عدد المنازل التي نوزع عليها الحليب في كل شارع، إلا أننا نوزع أشياء أخرى كثيرة.

فإلى جانب الحليب نوزع الشاي والخبز والزبدة والبيض واللحم المقدد لطعام الفطور، يضاف إلى ذلك الكرانبري وطعام الهررة والكلاب والبطاطا والكثير من الأشياء الأخرى”.
مهنة تقاوم السوبر ماركت والمتاجر الإلكترونية

وفي العام 1980، كان 89 بالمئة من الحليب المستهلك في بريطانيا يوزع على المنازل، بحسب “ديري يو كاي”، التي تضم موزعي هذا القطاع. إلا أن المبيعات تراجعت من 68 بالمئة إلى 30 بالمئة في التسعينات مع فورة انتشار المتاجر الكبيرة.

وفي العام 2015 كان 2.8 بالمئة فقط من الحليب المستهلك يوزع على المنازل أي بمعدل مليون لتر من قبل موزعين من رجال ونساء على 2.5 مليون منزل.

ويقوم نيل غارنر بجولته المسائية ستة أيام في الأسبوع في ساينت البنز المدينة الصغيرة الواقعة شمال غرب لندن. وفي واتفورد المجاورة يحمل موزعو الحليب صناديقهم ويضم كل واحد منها 20 زجاجة تحوي أكثر من نصف لتر بقليل قبل أن ينطلقوا في الليل البارد.

شاحنة نيل الكهربائية الصغيرة بطيئة ومشرعة على الرياح، لكن ذلك لا يعرقل عمل موزع الحليب “لم تمنعنا الثلوج والجليد والفيضانات يوما من توزيع الحليب خلال 22 عاما”. وهو يقوم بـ200 إلى 250 عملية تسليم يوميا. وأولى عمليات التسليم تحصل في الظلام الدامس ويحتاج نيل إلى مصباح ليجد طريقه في حدائق المنازل. ويروي قائلا “هذا أفضل وقت في اليوم، فالهواء صاف ومنعش وحركة السير معدومة”.

وتقوده جولته إلى طرق ريفية ضيقة وفي جادات واسعة في المدن وأزقة ضيقة وحتى إلى شقق في أبنية عالية، فهو يسلم الحليب إلى أفراد ومدارس وإلى فقراء وأغنياء على حد السواء.

ولا يزال بعض الزبائن من المسنين يتركون تعليمات على لفافة ورق يضعونها في عنق الزجاجة إلا أن الغالبية باتت تقوم بطلبياتها عبر الإنترنت. ويبلغ سعر زجاجة الحليب 81 بنسا من الجنيه الإسترليني (1.03 يورو) مقابل 50 بنسا في المتاجر الكبرى.

عمل ليلي ينتهي في الصباح الباكر

ويشدد نيل على “أن الشيء الوحيد الذي يمكن وضع طلبية فيه يتم عبر الإنترنت ويكون عند الساعة التاسعة مساء والحصول عليه بعد ساعات قليلة”.

ويؤكد نيل غارنر أن “السر يكمن في احترام المواعيد، فالناس يدركون أن الحليب سيكون كل صباح في الساعة عينها عندهم”.

ويضبط نيل وقته على أشخاص آخرين يشكلون مرجعا له، مثل رجل يستقل دراجته الهوائية فجر كل صباح. ويطرح سؤاله المعتاد “هل أنا مبكر؟” فيرد عليه راكب الدراجة “دقيقة واحدة” قبل أن ينطلق.

ويقوم بآخر عملية تسليم عند الساعة 07:30 قبل أن يعود إلى المستودع في خضم زحمة السير ليفرغ حمولته من الزجاجات الفارغة. ويرى نيل أن موزعي الحليب فئة من الناس من نوع مختلف.

ويقول “يجب أن نكون بشوشين طوال الوقت. أنا أشعر أني جزء لا يتجزأ من المجتمع. الكثير من المسنين يريدون تبادل أطراف الحديث وأساعدهم في أشياء أخرى مثل تغيير الفوانيس. أحيانا أكون الشخص الوحيد الذي يرونه طوال الأسبوع”. ويختم قائلا “نحن جزء من تقاليد هذا البلد والناس لا يريدون فقدان ذلك”.

ويتفق موزعو الحليب على أن أفضل ما في مهنتهم هو التواصل الاجتماعي مع الذين يشترون منهم الحليب طيلة هذه السنوات. ويقول أحدهم إنه يتلقى دعوات كثيرة لحضور حفلات زفاف، على الأقل دعوة واحدة كل عام، كما يتابعون نمو أطفال زبائنهم الذين يشاهدونهم يكبرون كل يوم.

20