ميلودراما العنف والجمود الاجتماعي والفساد العام في زمن الثورة

"بيك نعيش" فيلم تونسي يشارك في تظاهرة "آفاق" بفينيسيا.
الثلاثاء 2019/09/03
الوقوع في حبال الاحتيال

بين ثلاثة أفلام تونسية تُعرض في الدورة الحالية من مهرجان فينيسيا السينمائي، شاهدنا “بيك نعيش” أول أفلام المخرج الشاب مهدي برصاوي، المشارك في تظاهرة “آفاق” (أوريزونتي) التي تهتم بالأعمال الأولى للمخرجين.

 فينيسيا (إيطاليا) – يروي فيلم “بيك نعيش” للمخرج التونسي الشاب مهدي برصاوي المشارك في تظاهرة “آفاق” (أوريزونتي) التي تهتم بالأعمال الأولى للمخرجين، قصة درامية مأساوية معاصرة ذات علاقة بالأحداث والتفاعلات السياسية الجارية في تونس والمنطقة عموما، فأحداث الفيلم تقع بعد نحو ستة أشهر من نجاح الثورة التونسية في يناير 2011 في الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.

ومن البداية نعرف أن الاحتجاجات المدنية للعاملين في عدد من المؤسسات العامة والخاصة، ما زالت مستمرة، كما نعرف أن الليبيين بدورهم بدأوا ثورتهم ضد نظام العقيد معمر القذافي، لكن لم تتم الإطاحة به بعد.

والحقيقة أن الفيلم يقول على نحو ما، أو على الأقل، يوحي بأن الثورة التونسية لم تغيّر الكثير من الأشياء القائمة المستقرة في البنية التونسية، فأحداث العنف والاشتباكات المستمرة في ليبيا أدّت إلى تسلّل عناصر متطرفة إرهابية، كما أن إجراءات الأمن على الحدود التونسية الليبية قد أصبحت مشدّدة، لكن الفيلم يصوّر أنه من الممكن -عمليا- أن يخترقها “أصحاب” النفوذ لحساب “أصحاب المصلحة” داخل جهازي الأمن الوطني، أي عن طريق الرشوة. كما يشكو بطل الفيلم أو الشخصية الرئيسية فيه وهو رجل الأعمال “فارس” الذي يملك شركة للتصدير والاستيراد أسّسها بعد عودته من فرنسا، من إضراب عمّال شركته ويحذّر من أن البلاد ستغرق في الفوضى الاقتصادية إن استمرت مثل هذه الاحتجاجات.

إلاّ أن “فارس” (سامي بوعجيلة) وزوجته الجميلة الشابة “مريم” (نجلاء بن عبدالله) من الطبقة الميسورة المتفتّحة التي لا تهتم كثيرا بمراعاة القيم السائدة في المجتمع، فهما يحتفلان كما نرى في بداية الفيلم في منطقة تطاوين في جنوب البلاد، أين يقضيان عطلة مع عدد من أصدقائهما حيث يتناول الجميع المشروبات الكحولية ويضحكان ويسخران من تيار الإسلام السياسي، أي حزب النهضة، بزعامة الغنوشي بما يعني بأن تأثير هذه الجماعة السياسية قد وجد له أخيرا متنفسا علنيا للعمل في التربة التونسية، ويتبادلون النكات الجنسية المكشوفة.

مهدي برصاوي يطمح في أولى تجاربه السينمائية إلى رواية قصة مؤثرة تربط بين السياسي والاجتماعي
مهدي برصاوي يطمح في أولى تجاربه السينمائية إلى رواية قصة مؤثرة تربط بين السياسي والاجتماعي

وسبب الاحتفال حصول مريم على وظيفة رفيعة كمديرة تنفيذية لإحدى الشركات في منطقة الخليج. أما الموضوع فيتّخذ سريعا وجهة أخرى كانت تصلح مدخلا لدراما سياسية ممتازة، لو أجيد نسج خيوطها.

وخلال عودة الأسرة من الرحلة في طريق صحراوي بسيارة الدفع الرباعي التي تمتلكها العائلة، تتعرّض مريم وفارس وابنهما عزيز (يوسف خميري) ذو الأحد عشر عاما لكمين نصبه مسلّحون إسلاميون على الطريق الصحراوي، ويبدأ إطلاق الرصاص على السيارة، لكن فارس يتمكّن من الالتفاف والعودة بها بسرعة، وينجو هو ومريم من الإصابة، لكن عزيز يتلقى رصاصة تخترق الكبد وتمزقه.

مدخل قوي

منذ تلك الحادثة التي نشاهد تأثيرها الكبير على كل من فارس وعزيز يظل الفيلم يدور حول نفسه، بعد أن يتم إدخال الطفل المستشفى المحلّي القريب حيث يجد الطبيب أنه يتعيّن إجراء عملية نقل كبد أو جزء من الكبد، لإنقاذ الطفل من الموت.

ويتطوّع فارس بالطبع كونه يريد بأي شكل إنقاذ ابنه من موت وشيك ما لم تتم عملية زرع الكبد، إلاّ أن المفاجأة تأتي عندما تثبت التحاليل المعملية للحامض النووي أن فارس ليس هو الأب البيولوجي لعزيز، أي أن عزيز جاء نتيجة علاقة جنسية بين مريم ورجل آخر.

كيف حدث هذا ومتى وهل كانت مريم على علاقة بهذا الرجل الآخر قبل زواجها من فارس؟ أم أنها خانته معه أثناء غيابه في باريس؟ ولماذا أخفت الأمر عنه؟ وهل هي مخطئة أم ضحية؟

لا يصوّر الفيلم من خلال التداعيات أي شيء يتعلّق بعلاقة مريم الماضية بل يبقيها قصدا في الظل، فكلما أرادت أن “تشرح” لفارس حقيقة الأمر يرفض هو رفضا باتا قاطعا.. نحن نرى فقط تأثير هذه الصدمة على فارس وعلاقته بمريم ولومه العنيف لها مع شعورها بالذنب في البداية قبل أن ترتدّ في هجوم مضاد عليه في الثلث الأخير من الفيلم، ولكن من دون أن تحاول تبرير الأمر.

الواضح أن سيناريو الفيلم يهتم في شكل أقرب إلى المباشرة والتقريرية الجافة، باستخدام ذلك المدخل الدرامي القوي للانتقال إلى لفت الأنظار إلى العديد من المشاكل الأخرى التي تتعلّق تارة بنقل الأعضاء والقيود القانونية الصارمة التي تفرضها السلطات في تونس، حيث تحظّر نقل أعضاء من خارج الأقارب (طبقا للفتوى الإسلامية) وضرورة الحصول على تصريح بذلك عن طريق القضاء، وتارة أخرى يوجّه الفيلم اهتمامه إلى موضوع سرقة الأعضاء والمتاجرة فيها، خاصة أنه يصوّر كيف يتم الحصول عليها من الأطفال الذين يسقطون في خضم الصراع المسلّح القائم في ليبيا، وتارة ثالثة يشير إلى جريمة الزنا وعقوبتها القانونية القاسية إن ثبت أن المرأة حملت في طفل من رجل آخر غير زوجها بعد تحليل الحامض النووي!

المشكلة تصبح الآن متركّزة في أنه ليس من الممكن أن يصبح فارس هو مصدر الكبد البديل، بل لا بد أن يتم إحضار الأب الحقيقي. وبينما تنشغل مريم بمحاولة البحث عن ذلك “الأب الغائب” الذي لا تعرف مكانه بعد أن انتهت علاقتها به منذ عشر سنوات، يجلس فارس مهموما يفكّر في تدبّر الأمر بعد أن فشل في عرض رشوة كبيرة على الطبيب.

ويبتعد الفيلم عن مأزق مريم وفارس وبينهما عزيز، ليتجه إلى الاهتمام بموضوع عصابات استغلال المرضى وأقاربهم بغرض ابتزازهم وسرقتهم. ففارس الذي يبدو قدّيسا، يرفض التخلّي عن عزيز رغم علمه يقينا بأنه ليس ابنه، ويبذل كل ما يملك من أجل إنقاذه، إذ يقع في حبائل رجل يأتي إلى المستشفى ويبدو أنه تمكّن من الاطلاع على تفاصيل مأزق فارس ومريم وعرف بما بينهما من ممرّض يعمل بالمستشفى اسمه “منير”، وهو يعرض على فارس توفيرا للوقت والجهد والابتعاد عن المستشفى وعن الدروب المعقّدة والمشاكل القانونية والإدارية وقائمة الانتظار التي قد تطول أيضا، ويتعهّد له بتدبير بديل فوري أي الحصول على الكبد البديل المطلوب زرعه بل ويطلعه بالفعل على المستشفى الخاص، حيث ستجرى العملية ويقدّمه إلى الطبيبة التي ستُجري العملية، ويطلب منه دفع مبلغ مالي كبير على دفعتين.

في انتظار الحل

سامي بوعجيلة قدّم بمعية البطلة نجلاء بن عبدالله، أداء متكرّرا لا بد من الاعتراف بقوته وبراعة التعبير عن المأزق كما تتبدّى على وجهي فارس ومريم
سامي بوعجيلة قدّم بمعية البطلة نجلاء بن عبدالله، أداء متكرّرا لا بد من الاعتراف بقوته وبراعة التعبير عن المأزق كما تتبدّى على وجهي فارس ومريم

خلال هذا يبقينا الفيلم في انتظار حلّ لا يأتي أبدا.. وموقف لا يتطوّر قطّ، ويبقى الممثل والممثلة اللذان قاما بدوري فارس ومريم، في حالة ساكنة وأداء متكرّر لا بد من الاعتراف بقوته وبراعة التعبير عن المأزق كما تتبدّى على وجهي فارس ومريم، ولكن حدود السيناريو حالت دون تطوير الموضوع، وبالتالي نقل الأداء إلى مستوى أعمق، مع ترهّل كبير وهبوط في الإيقاع العام للفيلم.

والواضح أن هذه القصة تُستخدم في سياق الفيلم كغطاء لتقرير اجتماعي احتجاجي يشبه مقالا صحافيا، مع قدر كبير من المبالغات والمفاجآت التي لا تثير المتفرج الذي سيظل يتساءل: كيف حدث هذا أو ذاك؟ من أوّل إطلاق الرصاصة التي أصابت الطفل بينما كانت السيارة تتراجع بظهرها والطفل في القاع داخلها بينما جاءت الرصاصة من الأمام في البطن مباشرة، أي في موضع الكبد؟ ثم لماذا يبدو هذا الطبيب مرتبكا خائفا مذعورا، يهمس متلعثما في أذن فارس؟ ثم ما الذي كانت تريد أن تشرحه مريم لزوجها بشأن علاقتها القديمة؟ ثم لماذا تستمر في محاولة الاتصال بذلك الحبيب القديم، الأصلي لتقنعه بالتبرّع بجزء من كبده، رغم أن فارس أخبرها فعلا بأنه اتفق على إجراء العملية والحصول على الكبد البديل مقابل المال؟

سنترك فارس ومريم وعزيز والمستشفى، لنذهب في جولة سينمائية طويلة إلى ليبيا والاشتباكات الجارية وأعمال السلب والنهب وسرقة الأطفال، ومغامرة غير مفهومة في الصحراء يقوم بها ذلك الرجل المحتال تاجر الأعضاء، ثم كيف سيذهب فارس للبحث عنه في الصحراء أيضا دون أن يكون على معرفة بالمكان، ثم كيف سيأتي له من يختطف منه حقيبة المال مقابل أن يترك له طفلا حيا وسكينا، ويتعيّن عليه هو أن يذبحه ويستخرج كبده إذا شاء، وكلها مبالغات واستطرادات متعمّدة تخرج الفيلم ليس فقط عن موضوعه بل وعن طابعه العام أيضا، وتجعله أقرب إلى مسلسلات المطاردات ومشاهد التشويق التي تدور في الصحراء، ولكن من دون توفّر الصنعة المحكمة!

يطمح برصاوي في أولى تجاربه السينمائية إلى رواية قصة مؤثرة تربط بين السياسي والاجتماعي، إلاّ أن الفيلم يمتلئ بكل أخطاء البدايات، فهو يبدأ بداية قوية مثيرة ترتبط بعنف الجماعات الإسلامية والإرهابية ممّا يؤدي إلى وقوع مأساة عائلية، إلاّ أن السيناريو المتواضع، والبناء المرتبك، يفشلان في تطوير هذا الحدث نفسه والانتقال من خصوصيته لطرح تساؤلات أكبر عمّا يحدث في تونس بعيدا عن القضايا الفرعية التي تتعلّق بالفساد الاجتماعي التي كانت دائما قائمة هناك.

تساؤلات كثيرة

"بيك نعيش" يوحي بأن الثورة التونسية لم تغير الكثير من الأشياء القائمة المستقرة في البنية التونسية
"بيك نعيش" يوحي بأن الثورة التونسية لم تغير الكثير من الأشياء القائمة المستقرة في البنية التونسية   

“بيك نعيش” عمل متعثّر بشكل كبير، يقع في الكثير من التناقضات، فلا نعرف مثلا لماذا يتعامل الفيلم مع مريم كمذنبة يدينها، بينما يجعل فارس قدّيسا على استعداد للتضحية بالمال من أجل إنقاذ الابن الذي يعرف أنه ليس ابنه، لكنه يتمسك به؟ ولماذا يحضر رجل العصابة طفلا يمنحه لفارس مقابل الحصول على المال بدلا من أن يأتي له بالكبد الموعود، كما تفعل هذه العصابات أصلا..؟ وغير ذلك، العشرات من الأسئلة الأخرى التي تظل دون إجابة؟

والمشكلة أننا بعد أن ينقضي النصف الأول من الفيلم، يتضاءل الاهتمام بالموضوع كله بسبب تخبّط السيناريو وهشاشة الشخصيات والفجوات الكثيرة الكامنة فيها، مع تواضع الإخراج وغياب الخيال والقدرة على تعميق القصة ومنحها طابعا إنسانيا أكثر شمولية مع الاستفادة من المناخ القائم في تونس. ولكن بطبيعة الحال، من الممكن أن يثير الفيلم عشاق أفلام الرسالة الاجتماعية التقريرية من هذا النوع الذي ينتمي إلى سينما الماضي العتيقة، سينما الرسالة المبسطة التي تجاوزتها تجارب السينما التونسية نفسها.

15