ميلوش فورمان: المخرج الذي حلق فوق عش الوقواق

المخرج التشيكي الراحل ميلوش فورمان يعتبر من أكثر مخرجي السينما التشيكية الجديدة شهرة في مجال السخرية السوداء والهجاء الذي يكمن في طيات الكوميديا.
الأحد 2018/04/22
جاك نيكلسون في مشهد من "طيران فوق عش الوقواق"

أعلن مؤخرا نبأ وفاة المخرج التشيكي الكبير ميلوش فورمان عن 86 عاما وبذلك يرحل قطب آخر من أقطاب حركة الموجة الجديدة في السينما التشيكية التي ظهرت في ستينات القرن الماضي، بعد رحيل يان نيمتش وفرانتشيك فلاتشيل وفيرا كيتلوفا وبافل يوراتشيك وايفالد شورم، وبقاء ييري مينزل على قيد الحياة الذي شاهدناه كممثل في فيلم “المترجم” بمهرجان برلين الأخير ونشرنا عنه مقالا نقديا على هذه الصفحة.

يعتبر فورمان أكثر مخرجي السينما التشيكية الجديدة شهرة في مجال السخرية السوداء والهجاء الذي يكمن في طيات الكوميديا، وكان يتخذه وسيلة للنقد السياسي، في فترة “ذوبان الجليد”، التي أعقبت المؤتمر السابع للحزب الشيوعي السوفيتي عام 1956 الذي وجه خلاله خروتشوف نقدا شديدا لعصر ستالين.

 إلا أن أفلام فورمان وأبناء جيله، تعرضت للكثير من المشاكل من جانب السلطات السياسية وتعرضت للمنع خاصة بعد بروز حركة “ربيع براغ” التي كانت تطالب بالانفتاح الفكري والسياسي ووصلت إلى ذروتها في 1968 ثم قمعت مع دخول قوات حلف وارسو، بعد ذلك هاجر فورمان إلى الولايات المتحدة حيث نجح في العمل لحساب هوليوود وحقق نجاحا كبيرا بأفلامه الشهيرة.

الأفلام التشيكية

كانت أفلام فورمان الأولى التي أخرجها في تشيكوسلوفاكيا مثل “بيتر وبافلا” (1963) و”غراميات شقراء” (1965)، ثم فيلمه الأشهر “حفل رجال الإطفاء” (1967) الذي رشح للأوسكار عام 1968، أعمالا ملهمة، سواء في حداثة الأسلوب، أو في جرأتها على التعامل مع المادة السينمائية رغم أنف الرقابة المشددة، واستخدام تعدد المستويات الفنية لتقديم رؤية ساخرة هجائية لسيطرة الحزب والبيروقراطية على مصائر الأفراد.

في “بيتر وبافلا” (أو بيتر الأسود”) يصور فورمان كيف يشتعل الشباب التشيكي في ذلك الوقت بالرغبة في التمرد، بالتعبير عن سأمه من البيروقراطية والتزمت الاجتماعي ولكن من خلال كوميديا المفارقات التي تدور حول شاب هو بيتر الذي يعمل كحارس داخل سوبرماركت، مهمته مراقبة وضبط من يسرقون البضائع، لكنه خجول متردد، متلعثم، يقف مذهولا أمام ما يراه، وفي المنزل يقف صامتا عاجزا أمام والده المتعنت الذي لا يكف عن توبيخه وإعطائه نصائح حول أهمية العمل وضوابطه، لكن بيتر ينتهز فترة الظهيرة ليتلصص من خلال فتحة في الحمام على النساء العاريات.

كان فورمان في جميع أفلامه مشغولا بموضوع الحرية: حرية الإنسان في مواجهة المؤسسة الرسمية، وقد تصدى للتعبير عن هاجسه الخاص المتعلق بموضوع الحرية في أفلامه الأولى التي أخرجها في بلده الأصلي

 إنه يراقب من دون أن يجرؤ على الفعل. علاقته بصديقته تكاد تنهار، وتتجه هي للبحث عن صديق غيره. والنتيجة أن بيتر يسقط في بحر من الضياع، لا يعرف طريقه، إنه يرفض وينشد التحرر، لكنه حتى لا يستطيع التعبير عن الرفض، كما لا يرى أمامه وسيلة للتحرر.

في هذا الفيلم كان فورمان يمزج بين الممثلين المحترفين وأناس عاديين لم يسبق لهم التمثيل، ويتميز الفيلم بالتلقائية الشديدة في حواره الذي بدا وكأنه يدور بين أشخاص يعرفون بعضهم البعض جيدا. وقد نال الفيلم الجائزة الكبرى في مهرجان لوكارنو عام 1964. وكانت السلطات التشيكية وقتذاك تنظر بعين التقدير للفنانين الذين تحقق أفلامهم نجاحا في الغرب، وتتخذ من هذا النجاح ركيزة للحديث عن الحرية الممنوحة في ظل النظام الاشتراكي للتعبير الفني، لذلك كانت تغض الطرف عن تمويل أفلام نقدية تحقق نجاحا في الخارج لكنها تمنع عرضها في الداخل، وهي سياسة مشابهة إلى حد بعيد لما تمارسه السلطة في إيران في الوقت الحالي.

غراميات شقراء

في فيلم “غراميات شقراء” (1965) يسخر فورمان من البيروقراطية عندما يجعل السلطات تقرر إرسال مجموعة من المجندين في الجيش إلى بلدة تعاني من نقص الرجال، ولكنها ترسل عن طريق الخطأ مجموعة من جنود الاحتياط الكبار في السن، وتنظم في البلدة حفلا للرقص والتعارف بين الرجال وفتيات البلدة من نزيلات المدرسة الداخلية والعاملات في أحد المصانع، ولكن بطلة الفيلم الشقراء أندولا تصد هؤلاء الرجال وتنجذب إلى عازف شاب من أوركسترا براغ يدعى ميلدا وتمارس معه الجنس، لكنه يتخلى عنها ليعود إلى براغ فهو يعتبر العلاقة منتهية.

 أما أندولا فتأخذ الأمر على محمل الجد وتذهب إلى براغ حيث تزوره في الشقة التي يقيم فيها مع والديه المتزمتين اللذين ينظران إليها على أنها فتاة عابثة، وبينما ترقد أندولا على الأريكة، يرقد الثلاثة، ميلدا في الوسط ووالداه على الجانبين في الفراش (بغرض حمايته) يتناقشان في ما يجب أن يفعلوه مع هذه الفتاة والتأثير السيء لوجودها على نفسية الأم وما يمكن أن يقوله الجيران.

حقق هذا الفيلم نجاحا كبيرا داخل وخارج البلاد، ورشح لأوسكار أحسن فيلم أجنبي واعتبر أحد أكثر الأفلام التشيكية نجاحا في كل العصور. وقام بتصوير الفيلم المصور التشيكي العظيم ميروسلاف أوندريتشك الذي قام بطلاء الديكورات الداخلية في الشقة التي جرى فيها التصوير بالأبيض والأسود لكي تبدو ملائمة لتصوير الفيلم الذي كان مصورا بالأبيض والأسود. أوندريتشك الذي توفي في 2015، هاجر أيضا إلى الغرب وعمل مع صديقه ميلوش فورمان في أميركا حيث قام بتصوير عدد من أشهر أفلام فورمان مثل “الشعر” و”أماديوس”و”فالمونت” كما كان وراء تصوير عدد من كلاسيكيات السينما الحديثة مثل “إذا” و”أيها الرجل المحظوظ” للمخرج البريطاني الكبير ليندساي أندرسون.

حصل فورمان على أوسكار أحسن إخراج مرتين
حصل فورمان على أوسكار أحسن إخراج مرتين

حفل رجال الإطفاء

فيلم فورمان الثالث وأول أفلامه بالألوان، يدور في بلدة صغيرة حيث يقيم فريق الإطفاء حفلا كبيرا احتفالا بالرئيس السابق للفريق الذي بلغ السادسة والثمانين وأصبح مشرفا على الموت بسبب إصابته بالسرطان، ويقررون منحه جائزة خاصة. خلال الحفل الراقص تختفي تدريجيا أشياء كثيرة، بما فيها الجوائز المنتظرة والطعام وزجاجات الخمر، لا أحد يعرف من الذي يسرقها. رجال الاطفاء جميعهم من كبار السن الذين يرتدون ملابس رسمية موحدة شبيهة بملابس الشرطة. يحاولون تنظيم مسابقة لاختيار ملكة جمال. يجمعون عددا من الفتيات لاختبارهن، وعندما تحين لحظة صعود الفتيات على المنصة يهربن جميعهن ويختبئن فيقتحم عليهن الرجال

الحمام ويقبضن عليهن ويسوقهن بالقوة، لكن حريقا ينشب في منزل مجاور فيهرع جميع الموجودين بالحفل إلى الخارج. يفشل فريق الإطفاء في تحريك سيارة الإطفاء فتلتهم النيران المنزل. ويكتشفون في النهاية أن جائزة رئيسهم قد سرقت أيضا.

هذه الحالة من الفوضى التي تصل حد المهزلة، مقصودة لتوجيه نقد شديد لـ”مؤسسة الكبار”، القمعية الجاهلة التي تفشل في كل مشاريعها، تتشبث فقط بالسطح دون الجوهر، تقمع الشباب، لا يمكنها حماية أحد، ولا توفير العون للرجل الذي احترق منزله. وبسبب نقده وسخريته وتعريضه لهذه المؤسسة التي ترمز لما هو أكبر تم منع الفيلم من العرض.

في المهجر

كان فورمان في جميع أفلامه مشغولا بموضوع الحرية: حرية الإنسان في مواجهة المؤسسة الرسمية، وقد تصدى للتعبير عن هاجسه الخاص المتعلق بموضوع الحرية في أفلامه الأولى التي أخرجها في بلده الأصلي، واصطدمت بالتقاليد العتيقة للحزب الشيوعي في تلك الفترة، ولكنه عاد أيضا لمناقشة موضوع الحرية وحدود الحرية في الغرب الرأسمالي.

أول الأفلام الكبيرة التي أخرجها فورمان في الولايات المتحدة وحققت نجاحا كبيرا هو فيلم “طار فوق عش الوقواق” (1975) وكان باكورة الأفلام التي ستضع الممثل جاك نيكلسون في دائرة الضوء وتجعل منه نجما كبيرا. وقد فاز الفيلم بخمس من جوائز الأوسكار في الفروع الرئيسية: الفيلم والإخراج والسيناريو والممثل والممثلة.

بطل الفيلم مجرم أدخل مصحة للأمراض العقلية حيث يتعرض لانتهاك جسدي ومعنوي من جانب الممرضة المشرفة راتشيد التي تقمع النزلاء بانتظام. ظل يحلم بالفرار، لكنهم قضوا على آماله بتدمير عقله، إلا أنه ترك الأمل لدى الآخرين ليواصلوا التمرد ومحاولة الفرار من قهر هذه المؤسسة الغاشمة. مرة أخرى يعبر فورمان عن غضبه إزاء مؤسسات القمع في المجتمع الذي انتقل إليه. وقد صرح ذات مرة قائلا: الحزب الشيوعي هو الممرضة راتشيد التي تنذرني بما هو مسموح لي وما هو ممنوع، ما يمكنني قوله وما لا يمكنني، أين أذهب أو لا أذهب، بل وحتى من أكون ومن لا أكون”.

كان فيلم "أشباح غويا" آخر أفلامه
كان فيلم "أشباح غويا" آخر أفلامه

بعد ذلك أخرج فورمان التحفة الثانية الأميركية أي فيلم “الشعر” Hair عن المسرحية الإنكليزية الشهيرة من تأليف بيتر شافر والتي اعتبرت بداية حركة التمرد الجديدة في المسرح الإنكليزي (1979)، ثم “أماديوس” (1984) عن العلاقة المتوترة بين الموسيقار موتسارت ومنافسه الإيطالي ساليري. وقد فاز هذا الفيلم بثمان من جوائز الأوسكار، وحفر مكانا لفورمان في تاريخ السينما كفنان مبدع، يجيد التعامل بحساسية مدهشة مع الجوانب الداكنة في النفس البشرية، ويطرح تساؤلات فلسفية حول معنى الفن وكيف يتحقق الفنان.

هذه الأفلام الثلاثة تعتبر تحفا سينمائية رفيعة وقد ظلت وستظل طويلا في ذاكرة عشاق السينما في العالم.

أخرج فورمان بعد ذلك ثلاثة أفلام أخرى تراوحت في مستوياتها، وإن لم تخفق تماما، أفضلها فيلمه الشهير “الشعب ضد لاري فلينت” (1996) الذي يتناول قصة حياة ناشر مجلات العري “البورنوغرافيا” الشهير لاري فلينت الذي أطلق عليه مجهول الرصاص عام 1978 فأصيب بشلل نصفي وظل مقعدا حتى يومنا هذا. وقد تألق في دور فلينت الممثل الأميركي وودي هارليسون ورشح عن الدور لجائزة الأوسكار، كما نال الفيلم نفسه جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي.

أشباح غويا

أما “أشباح غويا” الذي أخرجه فورمان عام 2006، فيمكن القول إن أهم عيوبه تتركز في السيناريو الذي اشترك في كتابته فورمان مع جان كلود كارييه، فأحداث السيناريو تدور خلال سنوات الثورة والغزو والحروب ومحاكم التفتيش الثانية في إسبانيا، في زمن الثورة الفرنسية، ثم قيام جيش نابليون بونابرت بغزو إسبانيا، يعقبه الغزو البريطاني وطرد الفرنسيين من شبه جزيرة أيبيريا، وما بين هذه الأحداث، تقع الكثير من التجاوزات، تولد مصائر، وتختفي شخصيات، لتعود مجددا، ونشهد ثلاثة أجيال من نسل امرأة واحدة هي إنييس التي تقوم بدورها وبدور ابنتها أليثيا، ناتالي بورتمان، ويقوم خافيير بارديم بدور قس يثور على الكنيسة الكاثوليكية، بينما يقوم الممثل السويدي ستيلان سكارجارد بدور غويا.

يضيع فورمان فرصة ثمينة للتعامل الجاد مع شخصية الرسام الإسباني العظيم فرنشيسكو غويا، الذي يتراجع دوره كشخصية درامية ثرية كان يمكن أن تحرك الأحداث، ليصبح مجرد ديكور خلفي يظهر أحيانا وسط الأحداث، يشهد عليها من دون أن يتدخل في صنعها، وحتى لوحاته الشهيرة لا نجد لها وجودا حقيقيا في الفيلم. والواضح أن كارييه وفورمان يطرحان موضوع استخدام الدين كغطاء للقمع، وكيف أصبحت الكنيسة الكاثوليكية مؤسسة قمعية، تكذب، وتلفق، وتسفك الدماء، بل ويمارس رموزها أبشع أنواع الاغتصاب والتستر والقتل.

بعد فشل “أشباح غويا” تقاعد فورمان من الإخراج، واكتفى بتدريس السينما والعيش على ذكريات الماضي إلى أن توفي في الثالث عشر من أبريل الماضي في منزله بنيويورك.

15