ميليشيات السلطة في العراق: إشكالية قديمة جديدة

الجمعة 2014/05/23

ظاهرة الميليشيات سمة من سمات الدولة العراقية الحديثة. منذ تأسيسها عام 1921، شهدت ظهورا للكثير من الأحزاب والتنظيمات العسكرية، كان لها نشاط مؤثر في الكثير من الأحداث. ربما نتفهم الظاهرة في بعض المراحل التاريخية من عمر الدولة، خاصة في عهد الوصاية البريطانية على الحكم الملكي، حيث كانت الأدبيات تشير إلى مناهضة الاحتلال، وحماية البيئات الريفية والعشائرية لنفسها، والمعروف عنها حمل السلاح خارج إطار الدولة، التي كانت أساسا دولة ضعيفة فاشلة خاضعة للوصاية. بعد الاحتلال الأميركي حديثا شهد العراق تواجدا للكثير من الميليشيات تحت مسميات مختلفة، لكن أكثرها إشكالية هي “ميليشيات السلطة”.

مع قيام عبد الكريم قاسم بانقلاب 1958، دخل العراق عهدا جديدا، أعلن فيه الانقلابيون ولادة الجمهورية الوطنية، بدأ معها عهد جديد بالنسبة إلى الوجود الميليشياوي في العراق: كان تنظيم “المقاومة الشعبية” أول تنظيم ميليشياوي بغطاء من السلطة في عهد الدولة الوطنية. تكون هذا التنظيم من كوادر الحزب الشيوعي الداعم لقاسم والمتبني لرؤيته. هو اليد الضاربة لسلطته ضد المعارضين. كانوا يجوبون الشوارع بحثا عن الخونة الذين يهددون الكيان الوطني بالتذويب حسب الحجج التي اتبعت. عنف ضد المعارضة وصل حد المجازر الجماعية في الموصل وكركوك.

استمر هذا النهج بعد انقلاب البعث، مع تشكيل الأخير لميليشيات حزبية عرفت بالحرس القومي. مارست نفس الممارسات ضد الشيوعيين والقوى الأخرى. اتّبعت لاحقا بعدة مسميات كفدائيي صدام، والجيش الشعبي، وجيش القدس، كلها ميليشيات فوق الدولة، لا تخضع لأية رقابة من أي جهاز تقليدي ضمن الدولة كالتشريع والقضاء، مهمتها ممارسة العنف ضد المعارضين وإخضاع المجتمع للسلطة الحاكمة.

مفهوم ميليشيا السلطة ليس غريبا عن العراق إذن. كذلك لجأت السلطات الحاكمة في العراق الجديد” الديمقراطي”، لنفس النهج في إخضاع المجتمع، عبر ميليشيات غير نظامية، تحمل طابع وأيديولوجيا السلطة نفسها، كما كان الحال في العهود السابقة.

اعتماد السلطة الحاكمة على ميليشيات خارج إطار الدولة والقانون، ناتج عن عمق الأزمة التاريخية في علاقة السلطة بالدولة والمجتمع في العراق، في تغول دائم من السلطة على الدولة والمجتمع بأدوات خاصة بها، دون ممارسة السلطة وفق القوانين والأدوات الدولتية، باعتبار أن الدولة منظومة إدارية وقانونية متكاملة.

تكمن الإشكالية في الدولة نفسها، فهي لم تتأسس انطلاقا من احتياجات البيئات المحلية واستيعاب التناقضات الاجتماعية، وفق سيرورة مجتمعية كما في الغرب. بل أتت بقرار فوقي اتخذته سلطات الاحتلال الإنكليزي بعد ثورة شعبية على ممارساتها. والنتيجة جهاز إداري تسيره سلطة ملكية شكلية خاضعة، أكثر من كونه جهاز دولة بالمعنى الحداثي، وهو غير قادر على ضبط الحركة الاجتماعية، وتنظيم العلاقة بين البيئات والأفراد، وإحداث توازن في المجتمع.

ربما هذا ما أرادت، فيما بعد، النخب العسكرية والمدنية المشبعة بمفاهيم الدولة الحديثة أن تتجاوزه عبر جرعة إضافية من القرارات الفوقية، لم تُحدث تطويرا في البنى الاجتماعية، واستيعابها ضمن جهاز دولة بعقد اجتماعي. خلق ذلك تمردات واسعة من شرائح لم تجد نفسها ضمن رؤية الجنرال عبد الكريم قاسم للدولة الوطنية الجديدة، فكان لابد من قمعها. حصل ذلك بالطرق العنفية التي أشرنا إليها، حيث لا تعتمدها عادة الدول الحديثة، التي هي الجهة الوحيدة المخولة بممارسة “العنف الشرعي” حسب تعبير ماكس فيبر عالم الاجتماع الألماني. لأن الدولة بقيت ذلك الجهاز الضعيف غير التوافقي. أي كانت تستخدم وسائل قمع “غير دولتية”. وهذا ما بقي قائما في كل المراحل اللاحقة. هذا السياق غير الطبيعي، الذي من خلاله تجري العلاقة بين السلطة والدولة والمجتمع في العراق قادر في أية مرحلة تاريخية أن يعيد إنتاج نفس أدوات العنف، لإخضاع التناقضات وفق رؤية الأقوى.

المسألة لا تتعلق بشكل السلطة، طائفية كانت أم مدنية، عسكرية أم ديمقراطية، طالما تمتلك نفس المنهجية في فرض رؤيتها؛ مجموعات تنصّب نفسها دائما كحامل للحقيقة التاريخية، نخبوية فوق المجتمع، لا تفعل شيئا سوى إعادة إنتاج الإشكالية ذاتها.

التجلي الأقبح لتلك المجموعات بعد العسكر القاسمي والبعثي، هي سلطة المجموعة الطائفية الحالية، ورؤاها القادرة دوما على ابتكار أشكال جديدة من العنف الميليشياوي، وتعميق التفكك الاجتماعي، والابتعاد عن حالة الدولة التي تشهد أضعف حالاتها بعد الاحتلال الأميركي للعراق.


كاتب عراقي

8