ميليشيا الثقافة.. المفردة وضدها

الخميس 2016/03/03

في التعريف القاموسي لمفردة ميليشيا نطالع إنها تنظيم مسلح وقوات غير نظامية تعمل بأسلوب حرب العصابات وتكون تابعة لأحزاب سياسية أو جماعات دينية متطرفة. وهو تعريف سيبدو قاصرا إلى حدّ ما في العراق حينما تشكلت مثل هذه الجماعات اللا نظامية وسادت في الشارع العراقي، بل وتحكمت في مصائر مجتمع خرج من كابوس الدكتاتورية ودخل في كابوس الميليشيات، لتفرز أسوأ ما عندها من عقد نفسية مريضة في الولاءات والنظر إلى الآخر نظرة هامشية تسقيطية.

والآخر هو المواطن الذي عاش ويعيش هذه القسوة المفرطة حتى اليوم، لكنه يتطلع إلى حلول وإن كان منها ما هو تعبيري وسيط لردم الفجوة الحاصلة بينه وبين المجتمع ومفاصل الحياة المتعددة، وليس هناك ما هو أكثر من الثقافة رادمة لهذه الفوضى، مثلما هي حاضنة للجمال والفكر والأخلاق، والثقافة بمعناها الشمولي الفياض بالأمل والحلم، أن تكون الحياة أكثر شفافية وجمالا وأداء في اختراق السائد من الحياة الموصوفة، وبأنها حياة ميليشياوية مع سبق الإصرار.

الحياة الثقافية العراقية التي مرّ عليها داء الطائفية وأطياف الميليشيات ذات الأسماء والألقاب الرنانة تحاول -وبجهاد أحيانا- أن تتخلص من هذه السوداوية لتنأى بعيدا عمّا يمكن أن يصيبها من هذه الأمراض السياسية والدينية والطائفية لتعيد شيئا من سمعتها بحضور آخر يخترق هذه اللوحة الرمادية ويؤسس لجمال آخر نقيض ما هو حاصل اليوم.

وبعد أن أخذ السرد الروائي مساحته الواسعة في تصدر المشهد الثقافي منذ عام 2003 تحاول مفاصل أدبية أخرى أن تجد طريقها الصحيح وسط هذا الركام في فوضى الحياة اليومية، ولعل الشعر هو الأقرب إلى مثل هذه المحاولات بعد انتكاسته غير المبررة لأكثر من عقد كامل، لا سيما وأن جيلا جديدا أخذ يتنفس مثل هذه المتغيرات ويعيش حالة الفوضى الوطنية من كل أبوابها بوعي جديد ورؤى أكثر نفاذا للواقع والمجتمع المتناقض بسياساته الكثيرة المربكة والمرتبكة، ليستعير بجدية مفردة الميليشيا المسلحة ذات الوقع الكريه في المجتمع، ويحوّلها إلى مفردة جمالية أكثر التصاقا بالحياة، ويقلب مفهومها إلى الضدّ منه ويتعامل معها كفريق مسلح بالشعر والجمال.

ميليشيا الشعر سلاح ليس جديدا بمفهومه الشائع لكنه جديد بمفهومه الإنساني، وهو يحفر في المتن الاجتماعي والنفسي لغة تستقطب الحب والحياة والجمال بدلا من الرعب والرصاص والخوف والموت، لتكون مجموعة من الشباب الشعري حاملة هذه المهمة الشعرية/ الجمالية كسلاح لمواجهة الخيال المسلح الذي ضرب جوهر الحياة وأحالها إلى ركام.

كاظم خنجر ومازن المعموري وأحمد ضياء وحسن تحسين ومحمد كريم وعلي تاج الدين وأحمد جبور، هذه هي المجموعة المسلحة شعريا التي ارتدت القصيدة لباسا وعنوانا، وعبأت أنفاسها بكل شيء حي، وانبرت تتحرك في زوايا مختارة راصدة وناقدة ونافذة أيضا بتجربة جديدة تستحق الانتباه والرصد والإشارة إليها.

جيل الميليشيا الشعري هذا، هو مجموعة لا تريد الانضباط المتعارف عليه لكنها تسعى إلى خلق فوضى شعرية منفلتة عن الإطار العام الذي اعتدناه مع جماعات شعرية سابقة، ومن دون الحاجة إلى التنظير والتفلسف، فالواقع المتداخل مع العصابات المسلحة واقع يحتاج إلى مثل هذا الانفلات الجمالي كمحاولة لترميم ثغرات كثيرة فيه، ومحاولة لامتصاص تلك المفردة اللعينة وما تحمله من دمار وموت، وجعلها مفردة أكثر قبولا عبر الوسيط الشعري الذي أخذت ميليشيا الشعر على عاتقها أن تذوّب لعنتها التدميرية ووضعها في إطار آخر له بصمته الجمالية في أقل تقدير.

إنها محاولة معقدة أن تقلب مفهوم المفردة إلى ضدّها، لكنها محاولة جريئة وجميلة على كل حال.

كاتب من العراق

14