ميليشيا ثقافية عراقية تقاتل بالشعر في حقول الألغام لمواجهة الموت

هل قرأ الشعراء نصوصهم وسط حقل ألغام؟ أو في مفاعل نووي مهدّم مليئة جدرانه وما حولها بالإشعاعات؟ أو في سيارة إسعاف أو على أسرّة المستشفيات؟ إنها صور سوريالية صادمة يصعب تصديقها، لكنها جرت وتجري اليوم في العراق من قبل مجموعة باسلة من الشعراء الشباب، قرروا خوض تجربتهم الشعرية بشكل مغاير وموغل في البعد عما يمارسه أقرانهم الذين توقف نبض الشعر في قرائح بعضهم، فانشغلوا بمعارك جانبية بلا طائل.
الجمعة 2015/10/02
ميليشيا الثقافة هي مجموعة من شعراء عراقيين تأسست لتواجه الموت المتكرر داخل العراق

عن دار “مخطوطات للنشر”، في لاهاي، صدر كتاب بعنوان “الشعر في حقول الألغام: أنطولوجيا قصائد شعراء ميليشيا الثقافة”، أعده وقدم له عبدالرحمن الماجدي.

تأسست ميليشيا الثقافة مطلع العام الحالي 2015 في بابل بالعراق من قبل تسعة شعراء شباب، ردا على صور الموت المتواصلة في العراق، والتي يوزعها مسلحون مجهولون ومعلومون. وقد لفت شعراء الميليشيا الأنظار إليهم بغاراتهم الشعرية على حقول الألغام والمقابر وأسرّة المستشفيات، يقرؤون قصائدهم الكابوسية التي تعكس الواقع العراقي اليوم بطرق سوريالية سوداء.

ميليشيا الثقافة هي مجموعة من شعراء عراقيين تأسست لتواجه الموت المتكرر داخل العراق. والشعراء هم: أحمد ضياء، أحمد جبور، علي ذرب، مازن المعموري، حسن تحسين، كاظم خنجر، وسام علي، علي تاج الدين، محمد كريم.

حقول ألغام

أول ما يلفت النظر هي التسمية “مليشيا”، والتي تعني في مطلقها القوة أو المجموعة المسلحة، هنا المجموعة أرادت أن تتسلح بالشعر لمواجهة تفاصيل الموت.

هذه المواجهة تتأكد من خلال اختياراتهم الأماكن التي يلقون فيها أشعارهم، فهم لم يصعدوا مسرحا ببدلاتهم الرسمية بل اختاروا الذهاب لحقول الحرب وإشهار مسدساتهم الشعرية ليطلقوا قصائدهم على شكل “رصاصة” محاولين ثقب المفهوم التقليدي للشاعر بحيث يصبح الشاعر “جنديا” مهمته كمهمة الجندي العادي، الدفاع عن أرضه ولكن بأدوات مختلفة.

عبدالرحمن الماجدي في تفسيره لهذا الانزلاق نحو مفهموم جديد للشاعر، ودوره كجندي بيده وردة يناضل بطرق جديدة على مستوى القراءات، يفسره بأنه ليس خواء نصيّا، لأن نصوص المجموعة بها من العمق ما ينفي ذلك، ولكن النص يتماهى مع الوجع العراقي، تماه تؤكده الأماكن التي اختاروها لإلقاء أشعارهم، أماكن قد تبدو غرائبية و”شاذة” بحيث تبعث على الصدمة في أول الأمر، فتسأل كيف للشعر أن يقرأ داخل مفاعل نووي مهدّم أو حقل ألغام؟

قارئ القصائد يشعر أنه يركض داخل ساحة حرب، وعليه أن يحمل معه المدينة والوجوه التي يعرفها وأن ينجو هو أيضا

المجموعة تفتقد للعنصر النسائي، وكنت قد تحدثت للشاعر أحمد ضياء عن عدم اقتناعي بالحجة التي أوردها عبدالرحمن الماجدي على لسان أعضاء المجموعة، لأن مثل هكذا تواجد في نظري سيثري المجموعة، ويوجد له مواضيع شعرية قد يغفل عنها شعراء المجموعة، خصوصا تلك التي تتعلق بمواضيع تندرج ضمن مفهوم “العيب”. فالحرب لا تتوقف عند الموت الذي نعرفه جميعا ولكن تتجاوزه إلى موت آخر وآخر كالاغتصاب مثلا، والأنثى تبدو الأقدر على مجاراة هذا النزيف.

أحمد ضياء يقول إنهم يلقون أشعارهم في أماكن خطرة وإنهم معرضون للضرب، وأن الأنثى قد تكون عائقا أمامهم، إضافة إلى عدم وجود شاعرة قادرة على أن تمسك نفس الخيط الشعري الذي تعتمده “مليشيا الثقافة”.

حجة قد نفهمها جيدا بحكم خصوصية التجربة ومخاطرها، ولكني ممّن لديهم اقتناع بأن الكثير من الإناث قادرات على أن يصبحن “عونا” لا عائقا، خصوصا إذا ما تعلق الأمر بمشروع وطني وإنساني وثقافي يركض في ساحات الحرب، لا لأجل التخريب والموت وإنما لأجل الحياة.

نصوص مختلفة

النصوص جاءت مختلفة البناء بحيث تراوحت بين النصوص السردية والومضة الشعرية أو ما يعرف بالشذرات، استخدم فيها الكثير من المعاجم المختلفة، ولكن يبدو معجم الحرب هو الأكثر تداولا واستخداما “سيارات الإسعاف/ رصاص/ جثة/ موت/ رؤوس مقطوعة…” وكانت الاستعارات والتشابيه حاضرة كأسلوب كتابي.

الشاعر يصبح جنديا مهمته كمهمة الجندي العادي الدفاع عــن أرضه، ولكـن بأدوات مختلفة

مواضيع النصوص متشابكة وكثيرة وإن اجتمعت كلها على تعرية الخراب والموت المتنوع، الشاعر أحمد ضياء اختار أسلوب الومضة، فجاءت قصائده مختزلة وكثيفة الدلالات، متخذا من الاستعارة والتشابيه وغيرها سلما للغته المحشوة بالكثير من الآلام والسواد: “أيها الموت/ لا باب يخنق ظفيرة الصواريخ إذ ترعد/ أنضم دموعي خيطا/ يتدلى من خاصرة العصف”.

نصوص علي ذرب لا تحيد عن تفاصيل الحرب من رائحة اللحم البشري المشوّه، والأشلاء الممزقة والتفاصيل الكثيرة القاتلة.

أحمد جبور يختار الخوض في المعركة الأقسى، معركتنا مع الصورة المبتكرة لله، الصورة التي انزلقت لتحاذي صورة الرؤوس المقطوعة والعمامات الكاذبات، ينقل الصور التي أصبحنا نغرق فيها اليوم باسم الله، الله الجميل الرحمان الذي ينادى باسمه عند قطع رأس ثم يصير كرة بين أقدام الوحوش البشرية. وجاءت نصوص حسن تحسين غارقة في المجاز ومتنوعة الصور، تتضمن إيحاءات كثيرة وصادمة “كيف لي أن أصحو في الصباح وأرى شاشة اللابتوب تعطش؟/ بوجهي دم مغلي.. ولعبة الطفل مصابة بالتيفوئيد؟”.

وسام علي لم يحد عن هذه السوداوية “أصابع الموتى تنغز راحات أقدامنا ونحن نعدو شبه راقصين حاملين هياكل المفخخات لنوصلها لأجساد كاملة النمو”. الشاعران علي تاج الدين ومازن المعموري اختارا السرد في نصوص طويلة نسبيا ومتشعبة، كثيرة التشابيه والاستعارات في إحالة على القبح الواسع المنتشر. يسانده مازن المعموري في تلك الإيحاءات القاسية والمترنحة بين خطى الحياة والموت.

في صورة مرعبة يرسم كاظم خنجر حجم الموت وقسوته في النحت الذي يصل إلى أقسى مظاهر الوجع “نشروا صورة جثته على الفيسبوك، أخي الصغير، وبعدما عجزنا عن العثور عليها، قمنا بطباعة الصورة، تغسيلها، تكفينها، ودفنها في مقبرة العائلة”.

كاظم يصرخ بهذا “الموت” المتأصل في قلب العراقي وكأنه خلق فقط ليشهد تفاصيل موته المتكرر “نحن العراقيون نزرع المقابر أمام بيوتنا”. قارئ “الشعر في حقول الألغام” يشعر أنه يركض داخل ساحة حرب، وعليه أن يحمل معه المدينة والوجوه التي يعرفها والتي لا يعرفها، وأن ينجو هو أيضا من الموت، ليست النجاة في مفهومها التقليدي، وإنما هي تلك التي رسمها أعضاء “مليشيا الثقافة”، بمعنى أن تقتحم بيوت الموت لتشهر في وجهه “قصيدة” من أجل ولادة ما، ولادة قد تبدو مستحيلة للوهلة الأولى نظرا لكثافة القبح وتعدده -قبح يصرّون على تعريته إلى آخر القصيد-، ولكنها تفرض ذاتها من خلال الشعر ولا شيء غير الشعر.

في نهاية الكتاب تعود بك ذاكرتك إلى العنوان أو التسمية التي أطلقتها المجموعة على نفسها، لتسأل ماذا لو كانت كل المجموعات المسلحة في أوطاننا مسلحة شعرا؟

14