"ميناشه" أول فيلم أميركي يهودي ناطق باليديشية

فيلم روائي يغوص في مجتمع اليهود المتشدّدين (الحسيديم)، وينجح في اقتناص لحظات من حياة السكان وطريقتهم في العيش.
الجمعة 2018/03/30
أب يجتهد في رعاية ابنه ولا ينجح

يمكن اعتبار فيلم “ميناشه” (Menashe) (2017) أول فيلم أميركي يهودي ناطق بأكمله باليديشية، وهو أول فيلم روائي لمخرجه جوشوا وينستاين الذي لا يتحدّث اليديشية، ولذلك استعان بعدد من المترجمين وخبراء اللغة لإنجاز فيلمه مصرّا على استخدام لغة شبه مهجورة لإضفاء الواقعية على الفيلم، وجعل شخصيات الفيلم وغالبيتهم شخصيات حقيقية من يهود الحي، يشعرون بالألفة مع أجواء التصوير.

وقد عثر على فكرة فيلمه عندما التقى بممثل مغمور من الهواة، ينشر بعض “اسكتشاته” على موقع “يوتيوب”، وهو يهودي ينتمي إلى طائفة يهود “الحسيديم” الذين يعيشون داخل مجتمع مغلق تماما بتقاليده العتيقة وتمسكه المتزمت بتعاليم التوراة، في حي بروكلين جنوب نيويورك.

هذا الممثل الهاوي الذي لم يسبق له العمل في السينما، هو ميناشه لوستيغ، الذي يقوم ببطولة الفيلم، بعد أن استمد جوشوا قصة الفيلم نفسه من بعض التفاصيل الخاصة في حياة ميناشه، وأشرك معه في كتابة السيناريو موسى السيد، وهو أميركي مسلم ومخرج عدد من الأفلام التسجيلية مهتم بموضوع الأقليات الدينية والعرقية في المجتمع الأميركي.

منذ أوائل الخمسينات من القرن الماضي لم تظهر أفلام ناطقة باللغة اليديشية، لغة يهود شرق أوروبا، في الولايات المتحدة، وخلال الثمانينات والتسعينات، عرفت إسرائيل أفلاما يديشية لا تتجاوز في عددها عدد أصابع اليد الواحدة، لكن أميركا لم تعرف مثل هذه الأفلام التي كانت قد أصبحت من الماضي، وعندما كانت تظهر أحيانا، هنا أوهناك على نحو نادر للغاية، مثل الفيلم البلجيكي “بروكسل- ترانزيت” (1982)، كانت تمثّل نوعا من الحنين إلى الماضي، أو في أفضل الأحوال كتحية إلى رواد “السينما اليهودية”

ولأن جوشوا وينستاين نفسه مخرجا للأفلام التسجيلية، كان طبيعيا أن يطغى الطابع التسجيلي على الفيلم: الكاميرا المتحركة الحرة المحمولة، الإضاءة الطبيعية، التصوير المباشر في الأماكن الحقيقية، الاعتماد الأساسي على الممثلين الهواة، ولا شك أن هذه العناصر ساهمت في إضفاء الأسلوب الواقعي على الفيلم.

إنه يدخل، ربما للمرة الأولى في فيلم روائي، إلى مجتمع اليهود المتشدّدين (الحسيديم)، وينجح في اقتناص لحظات من حياة السكان، طريقتهم في العيش، المعاملات في ما بينهم، ما يحدث داخل بيوتهم، احتفالاتهم الدينية، أناشيدهم، رقصهم.. والأهم، إبراز الهيمنة الواضحة للدين ولرجال الدين من الحاخامات على حياة الناس، وأولهم بالطبع ميناشه نفسه الذي رغم طابع الجدية الذي يرتسم على ملامحه إلاّ أنه يملك أيضا القدرة على التأثير الكوميدي.

مشكلة الزوجة

ميناشه بائع بسيط في متجر للبقالة والأطعمة يمتلكه يهودي من الحسيديم مثله، وهو رغم تديّنه البسيط وحرصه على أداء الصلوات لا يميل إلى التزمت، فهو لا يرتدي الملابس السوداء الكاملة التي يحرص الرجال على ارتدائها، حتى أن ابنه ريفين، وهو في التاسعة من عمره، يسأله “لماذا لا ترتدي المعطف الأسود والقبعة كالآخرين؟”، والواضح أن ميناشه يعاني في حياته كثيرا منذ وفاة زوجته قبل عام، وتركها له ابنهما الصغير الذي يحتاج إلى رعاية خاصة يجاهد هو من أجل تقديمها له دون نجاح يذكر، بل إنه يكافح أيضا من أجل الاحتفاظ بعمله المتواضع الذي يُهمل فيه كثيرا، لكن يغلبه دائما الكسل وإساءة التصرّف.

المشكلة الحقيقية التي يواجهها ميناشه، هي أن التعاليم اليهودية تقضي بضرورة تنشئة الصبي في أسرة، لكن ميناشه لم يتزوج فهو يرفض الاستسلام للزواج المرتب منتظرا أن يقابل امرأة تفهمه ويفهمها، ولذلك يقضي الحاخام بأن يقيم الابن روفين مع خاله إيزاك الذي يعتبر النقيض لوالده، فهو رجل أعمال ناجح ورب أسرة مسؤول، فالحاخام يلخّص الأمر ببساطة حينما يقول لميناشه إن التوراة تقضي بضرورة توفر ثلاثة أشياء في حياة اليهودي الصالح: زوجة جيدة ومسكن جيد وطعام جيد.

ويتعيّن على ميناشه إذن العثور على زوجة له، وعندما يرضخ للضغوط ويذهب لمقابلة أرملة مثله تعول بعض الأطفال، لا يجد نفسه منجذبا إليها، إنه يستمع لما تقوله، ولكنه يخبرها بأنها غير مناسبة له، فتقول إن الرجال من أمثاله، مدللون، اعتادوا على تدليلهم من جانب أمهاتهم ثم زوجاتهم.

ميناشه لديه شعور دفين بالذنب تجاه زوجته الراحلة، وشقيقها إيزاك القاسي القلب، يشعر ميناشه دائما بأنه عقيم، عاجز، بل ويدخل في روع الابن أن والده تسبب بإهماله حين وفاة أمه، ولكن الذكرى السنوية الأولى لوفاة الأم ستحلّ بعد أيام. وميناشه يصرّ على أن يأتي الابن لكي يقيم معه، بل وعلى ضرورة أن يقام إحياء الذكرى في بيته وليس في بيت شقيق الزوجة، متعهدا بالقيام بالواجب الضروري لاستقبال الضيوف ومن بينهم الحاخام الذي يستجيب فيسمح له بالاحتفاظ بابنه لمدة أسبوع واحد فقط، ثم بعد ذلك يذهب الابن مجددا إلى إيزاك، فهو لا يمكن أن يقيم مع والده إلاّ بعد أن يتزوّج.

والفيلم من ناحية يصور أنماط الحياة داخل هذا الغيتو الجديد، وبالتالي يندرج في سياق الأفلام الإثنوغرافية، ولذلك فنحن نعتبره فيلما يهوديا كونه يصوّر مشاكل تتعلّق بالطائفة اليهودية، دون أن يلمس بأي شكل قضية الصهيونية أو الموقف من وجود إسرائيل، فهو يصوّر في معظمه، العلاقة بين الأب والابن. والأب يحاول بشتّى الطرق إدخال السعادة على ابنه، لكنه وهو البدين الكسول المهمل الذي ينام كثيرا، يتسبّب في تأخّر الولد في الذهاب إلى مدرسته (الدينية)، ويغضب بسلوكه صاحب المتجر الذي يعمل فيه بعد أن يتسبّب في ضياع حملة من السمك المجفّف، لأنه لم يغلق الباب الخلفي لسيارة الشحن التي يقودها، فلا يمكنه توفير الطعام المناسب للطفل فثلاجته خاوية إلاّ من الصودا، لكنه يأخذه إلى محلّ المرطبات ويشتري له بعض الحلوى كما يشتري فرخا صغيرا يرعاه الابن، ليصبح رمزا لعلاقة الابن بالأب وكيف ستنتهي.

"ميناشه" يبرز الهيمنة الواضحة للدين ولرجال الدين من الحاخامات على حياة عموم الناس
"ميناشه" يبرز الهيمنة الواضحة للدين ولرجال الدين من الحاخامات على حياة عموم الناس

غياب المرأة

جوشوا وينستاين، يرصد ويجوس بكاميراه داخل الأماكن الضيقة، خاصة شقة ميناشه التي تتّصف بالفوضى، يصوّر الغناء الجماعي ليهود الحسيديم، ولقاءات ميناشه بأصدقائه واحتساء الخمر معهم حتى يفقد وعيه تقريبا، كما يرصد الوجود الهامشي للمرأة في الفيلم بشكل عام، فهي إما تعمل في المطبخ في إعداد الطعام في مطبخ الجارة كما يرى عندما يذهب لطلب وصفة لعجينة البطاطا، وإما تسير بالأولاد في الشارع.

أما المرأة التي ذهب لرؤيتها بغرض الزواج، ورفضها فهي تقول له إنها أنجبت سبعة أولاد (علما بأن متوسط عدد الأطفال في الأسرة من يهود الحسيديم أكثر من ستة أطفال)، وتظهر فتاة واحدة على نحو عابر، تخرج من مكتب الحاخام مع أمها، تشكو وتتذمّر من قرار الحاخام بمنعها من استكمال دراستها الجامعية.

لن ينجح ميناشه في الوفاء بوعده، بل سيتحوّل إحياء ذكرى وفاة الزوجة إلى كارثة، يترتّب عليها أن يذهب الابن مجددا للعيش في كنف أسرة خاله، إلاّ أن المخرج الذي بدا فيلمه واعدا في البداية لا ينجح في دفعه إلى نهاية مناسبة دراميّا، فميناشه ليس متمرّدا على التقاليد من الأصل، فهو يبدو راضخا لكل ما يقضي به الحاخام، لكنه متمرّد فقط على الزواج المرتّب.

والواضح أن المخرج وينستاين لا يرغب في خدش الصورة الخارجية للحياة في الغيتو اليهودي الحديث، الذي يبدو منعزلا تماما عمّا يحيط به، كما لا يريد أن يوجه نقدا لمحيط الحسيديم فهو يصوّره بنوع من التقدير والاحترام، يحتفل مع المحتفلين، ويتعاطف من زاوية ما مع ميناشه، لكنه لا يصل إلى دفعه للخروج على مجتمع الحسيديم.

وهو لا يخرج بعيدا عن الحي ولا يرصد وجودا لـ”الأغيار” باستثناء اثنين من العمال زملاء ميناشه في المتجر، يتسامر ويتناول الشراب معهما، والواضح أنهما من المهاجرين القادمين من أميركا الجنوبية، ولكن هذا مشهد وحيد في الفيلم لغير اليهود الذين يدينهم الحاخام في أحد المشاهد بقوله “الأغيار يفككون المنازل لذلك فحياتهم مفككة”!

أما أكثر ما يمنح الفيلم رونقه فيتمثل في تلك العلاقة بين ميناشه لوستيغ، الممثل الذي قام بالدور الرئيسي والممثل الصغير روبين نيبورسكي، الذي قام بدور الابن، ولا شك أن الكيمياء الواضحة في ما بينهما خلال الفيلم، نجحت في خلق لحظات مؤثرة في الفيلم إذا ما نظرنا له باعتباره فيلما عن العلاقة بين أب يحاول جاهدا أن ينجح في استعادة ابنه، لكنه يفشل في استعادته ليس بسبب التقاليد فقط، بل بسبب فشله المتكرّر.

عن السينما اليديشية

Thumbnail

يجب أن أشير إلى أن اللغة اليديشية لغة هجينة مختلطة بين السلافية والألمانية والعبرية، ظهرت في شرق أوروبا بين عامي 1000 و1250، وقد ظهرت السينما اليديشية كامتداد للمسرح اليديشي الذي تعود بداياته إلى عام 1876 في رومانيا، وبعد ذلك انتقل إلى بولندا والاتحاد السوفييتي، وفي ما بعد إلى الولايات المتحدة مع المهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية، وكان يوجد بين صفوفهم عدد كبير من الممثلين وكتاب المسرح اليديشي.

وكان المسرح اليديشي يقدّم الميلودراما والكوميديا الموسيقية والروايات الفلكلورية التي تحتوي على الكثير من المفارقات الساخرة في حياة اليهود في الغيتو، وتعقيدات العلاقة بين الأبناء والآباء.

وكانت موضوعات السينما اليديشية تعتمد تماما على المسرحيات اليديشية، وكانت تتوجه إلي اليهود الناطقين باليديشية، أي يهود الغيتو، ورغم وجود عدد نادر من الأفلام الناطقة باليديشية في إسرائيل إلاّ أن الصهاينة نظروا من البداية إلي السينما اليديشية نظرة عدائية، لأنها تعكس الحنين إلى الحياة في الغيتو، كما أن معظم الموضوعات المطروحة في الأفلام اليديشية تدور حول تحقيق التوازن بين اليهود وغير اليهود في مجتمعات أوروبا الشرقية.

وقد فرضت الدولة الصهيونية اللغة العبرية لغة بديلة لليهود في إسرائيل، ولذا عمل زعماء الصهيونية على إقصاء اليديشية، فهي لغة جماعة يهودية معينة، بينما يعتبرون العبرية لغة التوراة، وكان استخدام البعد الديني وسيلة أساسية من وسائل الدعاية الصهيونية، واليديشية من ناحية أخرى ومن وجهة نظر الصهاينة، هي لغة الماضي المؤلم في مجتمعات “الدياسبورا”، بينما العبرية هي لغة الدولة الجديدة المحاربة.

16