مينوركا الإسبانية جزيرة الأسرار المثيرة للدهشة

حين يلتقي البحر بجمال الطبيعة وتنوعها في الصيف ينسى السياح هرج المدينة وضجيجها وينغمسون في رحلة عبر الطرقات البرية التي لا تشبه طرقات المدينة المكتظة في شيء، ومع عناء التسلق حينا والقفز أحيانا يتابع السياح المناظر الطبيعية المختلفة من الأشجار والرمال والصخور يحفرون هذه المناظر الخلابة في ذاكرتهم ويدونونها بآلة التصوير والسيلفي لتكون وصفة تريحهم من عناء اليومي طيلة سنة العمل.
الأحد 2017/04/23
فردوس صيفي

ماو (إسبانيا) – تعتبر جزر البليار من أشهر الوجهات السياحية في إسبانيا، وتستقطب جزيرة مايوركا أعدادا غفيرة من السياح سنويا، إلا أن جزيرة مينوركا تجتذب عشاق التجوّل والترحال وسط المناظر الطبيعية الخلابة بفضل ما تزخر به من شواطئ طبيعية لم تعبث بها يد الإنسان، بالإضافة إلى طريق التجول الساحلي “كامي دي كافاليز”، ويمكن للسياح في هذه الجزيرة الصغيرة اكتشاف الكثير من الأسرار المثيرة للإعجاب والدهشة.

ويمتد طريق التجول الساحلي حول جزيرة مينوركا بطول 185 كيلومترا ويستغرق عشرة أيام. ولا توحي الإطلالة على الجزيرة أثناء هبوط الطائرة بجمال الطبيعة، حيث أوضح رالف فرايهيت أنه لا يتولد لدى السياح انطباع جيد عن الجزيرة أثناء التحليق فوقها بالطائرة على عكس ما يشاهدونه على أرض الواقع، حيث تعتبر جزيرة مينوركا بحق جنة لعشاق التجوّل وسط الطبيعة، ويعمل المرشد السياحي في جزيرة مينوركا منذ عام 1987 ولديه معرفة ودراية بطرق التجول فيها بشكل لا مثيل له.

ويمتاز طريق التجول الساحلي “جي أر- 223”، والذي يعرف أيضا باسم “كامي دي كافاليز”، بوجود لافتات وعلامات إرشادية بكثرة، حيث تظهر لافتات منصوبة على أعمدة خشبية كل 100 متر تقريبا بطول الطريق، ولا يزال طريق التجول بالجزيرة جديدا حيث تم افتتاحه حول الجزيرة خلال عام 2010، إلا أن أصله يرجع إلى العصور الوسطى، كما أن اسم الطريق “كامي دي كافاليز” يعني طريق الفرسان وهو ما يوضّح أن هذا الطريق كان عبارة عن طريق الدورية التاريخية الذي يستخدمه النبلاء وأصحاب الأراضي بخيولهم للبحث عن القراصنة أو التصدي للمهاجمين.

وبعد عدة ساعات من التجول يصل السياح إلى مدينة ماو، والتي تعتبر عاصمة جزيرة مينوركا وتعج بالحركة والنشاط والازدهار، وتقع على الساحل الشمالي الشرقي من الجزيرة، وهنا يتمكن السياح من الاستمتاع بإطلالة بديعة على المحيط حيث ينتشر النسيم العليل الذي تفوح منه رائحة مالحة.

وقبيل الوصول إلى شاطئ “إس غراو” يغادر المرشد السياحي طريق التجول ويظهر للسياح المفاجأة الأولى من خلال زيارة المحمية الطبيعية “سا ألبوفيرا ديس جراو”، وهنا يشاهد السياح البط البري والطيور المائية ومالك الحزين وبعض السلاحف وطيور الغاق في البحيرة الساحلية. بالإضافة إلى وجود متاهة من الكثبان الرملية والحشائش البحرية والجزر والبحيرات، ويشير مارتي إسكوديرو، مدير المحمية الطبيعية، إلى أنه كانت هناك رغبة للمستثمرين خلال حقبة السبعينات من القرن الماضي في إقامة منتجع سياحي فاخر مع ملعب للغولف في الجزيرة، إلا أن احتجاجات السكان حالت دون تنفيذ هذا المشروع.

المنطقة الجنوبية للجزيرة تزخر بالكثير من الخلجان والشواطئ الرملية الناعمة مع المياه الفيروزية الرقراقة

وتستمر رحلة التجول وسط بساتين الزيتون البرية وغابات البلوط، وبعد تجاوز خليج موريلا تتغير المناظر الطبيعية فجأة في منطقة “كاب دي فافاريتس” مع منارتها الشهيرة، حيث تسبّبت الرياح الشمالية “ترامونتانا” في تحوّل المنظر البديع إلى طبيعة قاحلة، ولم يعد هناك وجود للأشجار وأصبحت المنحدرات الصخرية هي المهيمنة على المشهد الطبيعي، ويؤكد المرشد السياحي أن هذه المنطقة لها طابع سحري بعض الشيء ولا تنتمي إطلاقا لأجواء البحر المتوسط، حيث تبدو هذه المنطقة في الواقع مثل الساحل الغاليكي لإسبانيا والمطل على المحيط الأطلسي.

بعد اجتياز الحقول والمراعي يصل السياح إلى مناطق بركة الملح في “مونجوفرا”، حيث تنتشر غابات الصنوبر ونباتات صبار الغارف العملاقة على جانبي الطريق الرملي، ويشاهد السياح في الخلجان التي تشبه المضايق البحرية بعضاً من قرى الصيادين السابقة مثل فورنيليس والتي لا تزال تتمتع بسحرها الخاص، ويسير السياح على الطريق صعودا وهبوطا وسط الكثبان الرملية البديعة، وقد يصل ارتفاع الكثبان الرملية إلى 50 مترا في أقصى الطرف الشمالي للجزيرة في منطقة “كاب دي كافاليرا”، وهو منظر يحبس الأنفاس.

وخلال التجول يمكن للسياح الاستمتاع بفترة راحة في منطقة “كافاليرا” والسباحة في شاطئ “بينيميل لا” أو في خليج “برغوندا”، ويمتاز الخليج بأنه أكثر روعة وجمالا، بينما تشهد الشواطئ خلال فصل الصيف إقبالا كبيرا من السياح.

وعند التجول لمسافة طويلة وسط المناظر الطبيعية البديعة يمكن للسياح الاستمتاع بالراحة والهدوء على هذه الجزيرة الإسبانية، حيث كان يعتمد السكان حتى فترة سبعينات القرن العشرين إنتاج الجبن وصناعة الأحذية، ولم تكن هناك فرص لكسب الأموال من النشاط السياحي، حيث لا توجد في جزيرة مينوركا المنتجعات السياحية الكبيرة والفاخرة على غرار جزيرة مايوركا الشهيرة.

وبعد السير لعدة مئات من الأمتار بعد خليج “بيرغوندا” تبدأ أكثر أجزاء الرحلة إثارة للإعجاب في هذا الطريق الساحلي بأكمله، كما أن هذا الجزء يعتبر الأكثر إرهاقا أثناء السير، حيث يمرّ طريق التجول على الكثير من المنحدرات والمرتفعات ويمرّ السياح على شواطئ رملية منعزلة يغلب عليها اللون الأصفر، مثل كالا بيلار، وبعد ذلك يتجه الطريق صعوداً ليصل إلى ارتفاع 120 مترا.

خلال السير تتبدل المناظر الطبيعية بين الكثبان الرملية والأراضي الرطبة باستمرار، كما تتغير ألوان التربة بدءاً من الأبيض وحتى اللون الأحمر الداكن بشكل مثير للإعجاب، كما تمرّ الجولة على مجموعة من التكوينات الصخرية الرائعة، ويشير المرشد السياحي إلى أن هذه المنطقة تتحول إلى بحر من الألوان خلال أواخر الخريف وفي الشتاء وبداية الربيع بفضل نباتات الأوركيد المزهرة.

وينعم السياح بيوم راحة في ميناء “سيوتاديلا” الذي يعتبر من أكثر الموانئ رومانسية في منطقة البحر المتوسط، وتظهر المدينة القديمة في المشهد أعلى الميناء وتمتاز بالبيوت المشيدة على الطراز المغاربي والإسباني، كما تبدو في الصورة أيضا جدران القلعة والكاتدرائية الشاهقة التي ترجع إلى القرن الثالث عشر، وبدءا من هذه المنطقة تظهر مناظر طبيعية مختلفة عما سبق حيث تهيمن حقول الذرة ومراعي الماشية على المشهد الطبيعي.

وفي المنطقة الجنوبية التي يطغى عليها الطابع السياحي بشكل واضح يمر طريق التجول وسط التجمعات السكانية والمنتجعات السياحية، وعلى الرغم من أن المنطقة الشمالية من جزيرة مينوركا تشتهر بجمال الطبيعة البرية إلا أن المنطقة الجنوبية بها تزخر بالكثير من الخلجان الرائعة والشواطئ الرملية الناعمة مع المياه الفيروزية الرقراقة المحاطة بغابات الصنوبر والتي تظهر في الكثير من الإعلانات السياحية.

17