"مينيرفا" الكردية بالدرع والخوذة والسيف

الأحد 2014/11/09

ازدحمت شاشات الفضائيات العربية والأجنبية بمشاهد مصورة، لنساء كرديات يحملن السلاح ويرتدين الزي العسكري. وتوزعت الفيديوهات على اليوتيوب ليراها أوسع عدد من الناس في العالم. وامتلأت صفحات المطبوعات الورقية بتلك المشاهد.

إنها " الدعاية المسلحة" بالسلاح والنساء. والمناسبة المباشرة لتعاظم تلك الدعاية المصورة تعود لدراما الصراع في كوباني-عين عرب، وعليها. وقبل كوباني اهتمت المنظمات الكردية بشكل واضح، بتقديم المرأة الكردية كمثال على "تجاوز" البيئة الكردية لصورة الشرق، حيث المرأة في حــال من البؤس والاضطهاد، في الواقع.

تلك الصورة التي نتحدث عنها هي على الأغلب محاولة لكسب المواقف الغربية إلى الصف الكردي في الصراعات المحتدمة في المنطقة، فالمرأة في الوعي والثقافة والدساتير الغربية تعد أحد أهم مقاييس التقدم العام، سوى أن ذلك الوعي لن يقيم شأناً كبيرا لمشهد "الفصيل النسائي الكردي المسلح" ليبني عليه فكرة جديدة نحو المرأة الكردية، بل وربما من زوايا أخرى، مبنية على نبذ العنف، يعطي نتيجة مناقضة لأهداف مروجي تلك الصور. فالعالم المتقدم يقف إلى جانب حق الأكراد في تقرير مصيرهم، ونيلهم حريتهم، دون حاجة لاستعراض تحرر المرأة الكردية كونها مسلحة وترتدي المرقط .

لكن هل تغيِر تلك الصور والمشاهد من حقيقة المجتمع الكردي، باعتباره ، من الناحية الثقافية والحضارية، جزءا من النسيج الحضاري "الشرقي الإسلامي"؟

إذا كان حمل النساء للسلاح، وارتدائهن الزي المرقط، كافيا لحيازة صفة "التقدم الحضاري"، و إبراز تميز الأكراد عن شعوب الشرق الإسلامية، فما نشرته مؤسسات الإعلام الكردية لصور "الفصائل" النسائية المقـــاتلة لم يغيِر من واقع المرأة الـكرديـة.

لقد قدمت نساء شعوب الشرق العربية والإسلامية الكثير من المساهمات والتضحيات في الحروب الوطنية، وفي الثورات من أجل الحرية، وإن لم تظهر خطاباً مصوَرا لما قدمته نساء تلك الشعوب، ولم ينتج عن ذلك تغييرات جوهرية ونوعية على مكانة المرأة في تلك المجتمعات حتى اللحظة.

وبتزامن نشر تلك الصور مع صور أخرى نقيضة، في ذات الفضاء الجغرافي، وفي البيئة الاجتماعية ذاتها، حيث ترتكب "داعش " جرائمها الوحشية، من رجم وجلد وقتل، استمدت تلك الصور للمقاتلات الكرديات قوتها الدعائية وبريقها الإعلامي. غير أنّ الجوهري في شأن المرأة الكردية، حقوقها المدنية ومكانتها في مجتمع "الذكورة"، ومشاركتها الفعلية في مؤسسات المجتمع الكردي، نغامر إذا قلنا إن المرأة الكردية تختلف عن وضع نساء الشعوب العربية والتركية والفارسية.

أليست الحركات السلفية الإرهابية، التي ترتكب الجرائم و"ترجم" النساء، لديها بين صفوفها نساء يحملن السلاح، لكن وهن محجبات ولا يرتدين البنطال؟

قضية التقدم والتأخر لا تقاس بامتشاق المرأة للسلاح دفاعاً عن قضية ما، على أهمية انخراطها في القضايا العامة التي تخص الشعب أو الأمة. والأصوليات الشمولية، دينية كانت أم قومية أم اشتراكية، هي ذاتها عندما يتعلق الأمر بالحريات والتنوع والديمقراطية، وقضية المرأة تقع في القلب من ذلك. ومعلوم أن الفصيل النسائي الكردي "المسلح والمرقط" ينتمي إلى حزب شمولي في الفكر والممارسة، وهكذا يكون استعراض الصور، تسليعاً "ثورياً" للمرأة لا علاقة له، من ناحية المضمون، بمستوى تحرر المجتمع الكردي اجتماعياً وثقافياً.

" مينيرفا" الكردية، لم تخلع الدرع والخوذة ولم تلق السيف، لتحتفظ بالعقل والحكمة، و"جوبيتير" الذي انبثقت من رأسه "مينيرفا" الرومانية، التي تعادل "أثينا" الإغريقية، هو في النسخة الكردية ، لم ينجب بعد " آلهته" الأنثوية المستقلة عن الذكر إله الحرب! ورقص المرأة بالسلاح وظيفة صنعها الرجل لترسيخ سلطته لا أكثر.


كاتب من فلسطين

11