مينيكه شيبر: الجنس الأنثوي مازال مُعذَّبا

الكاتبة الهولندية ترى أنه على مدار القرن العشرين، اكتسبت النساء حريات لم يكن بمقدور أمهاتهن إلا أن يحلمن بها.
السبت 2020/08/08
صراع جديد بين الأنوثة والذكورة (لوحة للفنان خيرالله سالم)

إن عالم المرأة هو العالم الأكثر إثارة لما يحتويه من تواريخ من القهر والظلم والكبت وغيرها من الممارسات التي تسببت فيها العقلية الذكورية ولا تزال تمارسه. عالم النساء تحول اليوم في ظل نضالات نسوية حققت أحلام أجيال من النساء بفرض المساواة مع الرجل، ومازال النضال مستمرا، لكنه يحتاج دائما إلى قراءة متعقلة لكي لا يتحول إلى عداء.

منذ زمن سحيق، وعلى أساس الاختلافات بين الجنسين؛ تأسس نظام مازال يحدد بقوة نصيب الرجال والنساء من السراء والضراء. إن السلطة تُولِّد الخوف، الخوف من فقد سلطة المرء المكتسبة. وتتجلى السلطة والخوف في تيار لا يمكن إيقافه من التعليقات الذكورية على أجزاء الجسد الأنثوي الجامحة وغير الخاضعة للسيطرة، بينما جرى كنس الأفكار الأنثوية حول هذه الأجزاء من الجسد ومداراتها تحت سجادة الأبدية.

لقد كانت المعلومات المستقاة من النساء حول جنسهن نفسه نادرة حتى القرن الأسبق. لا شك أنه كانت لديهن أفكار عن أجسادهن “وعن أجساد الرجال”، لكن حتى وقت قريب كان لآرائهن تأثير ضعيف على العلاقات الاجتماعية. وكانت المعرفة التي لديهن إما تتم مصادرتها في صمت من قِبل الجنس الآخر أو تقديمها كمعرفة غير احترافية.

تغييب المرأة

انطلاقا من هذه الرؤية غاصت البروفيسورة والكاتبة الهولندية مينيكه شيبر في كتابها “تلال الفردوس… تاريخ الجسد الأنثوي بين السلطة والعجز”، داخل طبقات تاريخ الجسد الأنثوي لترى كيف تؤثر الأساطير والدين والثقافة الشائعة على الطريقة التي بدأنا بها النظر إلى أنفسنا وإلى الجنس الآخر. مؤكدة أن أغلب ما قيل وكُتب عن الجسد الأنثوي يعود في الأصل إلى مصادر ذكورية أو تلوَّن بوجهات نظر ذكورية”.

وأضافت في كتابها، الذي ترجمه عبدالرحيم يوسف وصدر عن دار صفصافة “طوال قرون كانت الأبحاث حول المجتمع البشري أبحاثا ذكورية. أما الأبحاث من وجهة النظر الأنثوية على المستويات المحلية والوطنية والعالمية فهي حديثة نسبيا: نحن لا نعرف ماذا كانت تقول النساء أو يعتقدن فيما بينهن، فقد كتبن القليل نسبيا ولم تجذب تقاليدهن الشفهية الانتباه إلا منذ سبعينات القرن العشرين. قبل هذا الوقت كان هناك عادةً اهتمام أقل بالإسهامات الأنثوية مقارنة بإسهامات الذكور في المجتمع، غالبا لأن معظم الأنثروبولوجيين كانوا رجالا استراحوا ضمنيا لفكرة أن أمر النساء ليس مثيرا للاهتمام بالفعل. علاوة على ذلك فقد كانت لديهم غالبا فرصة أقل في الوصول إلى النساء في الثقافات التي كانوا يقومون فيها بأبحاثهم الميدانية. هكذا جرى اختزال النساء إلى جماعات صامتة”.

أغلب ما كُتب عن الجسد الأنثوي يعود إلى مصادر ذكورية
أغلب ما كُتب عن الجسد الأنثوي يعود إلى مصادر ذكورية 

ولفتت شيبر إلى أنه “نتيجة للرسائل الذامَّة الكثيرة حول طبيعته ومظهره الخارجي، كان الجنس الأنثوي ولا يزال مُعذَّبا بالخوف والارتياب بما لا يقل عن نظيره الذكري. وأدى الانشغال القهري بالمظهر إلى حلقة مفرغة: حيث تتنافس النساء مع أجسادهن لجذب انتباه الرجال. لقد اختزلت النساء أنفسهن، من أجل الحفاظ على الذات، إلى أشياء، حيث لا توجد تقريبا أيّ خيارات لتحسين مصيرهن غير أن يبدين جذابات جنسيا ويجدن زوجا.

وبمجرد تحقيق هذا، لا يبقى في الحياة شيء صغير يحرزنه إلا أن يلدن نسلا يُفضَّل أن يكون من الذكور. إن الجرعات الزائدة بطول قرون من التعليقات المستخفة قد أثارت لدى كثير من النساء حساسية مفرطة تجاه النقد الهدام. لا عجب أن صناعة الإعلانات اليوم حريصة على الاستفادة من الحاجة الأنثوية القديمة لنظرات الاستحسان، وهي حاجة مازالت الأمهات القلقات يمررنها ضمنيا إلى بناتهن”.

وأوضحت أن الأساطير تقدّم نظاما اجتماعيا مرغوبا وتُبقي الناس في القبضة المحكمة لحكاياتها. وتشكل خصوصية صارمة تدوم طالما لا يوجد أيّ بديل جذاب. وأضافت “أغلب الأساطير تؤكد نظاما يكون الرجال فيه هم القادة، بالرغم من أنهم ظلوا معتمدين على النساء من أجل النسل.

لم يؤد هذا الاعتماد فقط إلى السيطرة على نشاط الأنثى الجنسي، بل كذلك إلى حاجة ذكورية بالغة للتعويض في الأمور السياسية والثقافية والدينية. وإلى ميل بارز إلى المناطقية “أي السلوك الحيواني الخاص بتحديد منطقة خاصة ومنع الآخرين من دخولها”؛ بإقصاء النساء من المناصب التي لم تكن الاختلافات النوعية فيها غير ملائمة كليا. لم تقم الميثولوجيا والثقافة الشعبية وحدهما بذلك، بل قام الفلاسفة واللاهوتيون أيضا بالتحذير من أن جسد الأنثى يمكنه أن يخل بالنظام المنصوص عليه ويسبب الكوارث.

ورأت شيبر أن أحادية المنظور الذكوري قد حظيت بحماية إضافية في المجتمعات التي لم يكن مسموحا فيها للنساء حتى بالتلاوة أو التعليق علانية على أنواع ذات سلطة، مثل النصوص المقدسة، الأساطير، الملاحم، وأحيانا حتى الأمثال. مثل هذه القواعد زادت في تقليص الإسهام الأنثوي في تشكيل التقاليد. ففي بعض الثقافات والأديان مازال غير مسموح للنساء بتلاوة، ناهيك عن تأويل، النصوص المقدسة أو عالية المكانة أو قيادة الطقوس الدينية.

استمرار العنف

ترى المؤلفة أنه على مدار القرن العشرين، اكتسبت النساء حريات لم يكن بمقدور أمهاتهن إلا أن يحلمن بها. ولم تعد الخبرات الأنثوية بأجسادهن وأجساد الجنس الآخر كتابا مغلقا. والحدود التي كانت فيما مضى مرسومة بصرامة بين الرجال والنساء بدأت في الاختفاء. العلاقات بين الجنسين تتغير ومساحات التحول بينهما تصبح أكثر ازدحاما. إن الاختلافات الجنسية تغدو ذات حمولة اجتماعية أقل. وأينما كان هذا صحيحا، لا يعود الناس مضطرين إلى التظاهر بأنهم فائزون عنيدون أو خاسرون غاضبون من جنس أو من الآخر.

وتشدد الباحثة على أن العلاقات باتت تتخذ أشكالا جديدة وتُولّد الحاجة إلى اللقاء على قدم المساواة والانفتاح المتبادل. في القرن العشرين بدأ الفنانون في الرد بسخرية على الإرث المثقل بالقيم القديمة، مثلما فعلت نيكي دي سان فال في ستوكهولم بعملها «هي كاتدرائية» (1966). هذه المنحوتة العملاقة لامرأة مستلقية وساقاها مفتوحتان داعية الزائرين إلى القدوم والنظر إلى جسدها من الداخل. ثمة مهبل هائل كان هو المدخل إلى مساحة داخلية تضم سينما بـ12 مقعدا، وقبة سماوية، وحوض أحياء بحرية، وبارا يقدم حليبا ووجبات خفيفة في مكان تجويف الثدي، بل ومكتبة.

الأساطير والدين والثقافة الشائعة تؤثر على الطريقة التي بدأنا بها النظر إلى أنفسنا وإلى الجنس الآخر

لا عجب أن الرجال والنساء والأطفال اصطفوا كي يدخلوا. تلك تغيرات جماعية جديدة نسبيا سبقتها ألفية كان فيها نصف البشرية مقيدا باستمرار على أساس امتلاكه أجزاء “منحرفة” في الجسد، وكثيرا ما وُصف هذا الجنس بأنه “مصدر كل الشرور”. لقد أثارت الاختلافات الجنسية مواقف مشوهة مازال كثير من الناس يعتبرونها عادية”.

وأكدت شيبر أن أجزاء الجسد الفريدة لدى النساء قد لعبت دورا حاسما في هذا الإرث. وكانت الحاجة الذكورية للأجزاء التي تفصل النساء جسديا عن الرجال دائما كبيرة، ولا يوجد أيّ نقص في تعليقات الذكور عليها. ويفيض المدح الذكوري للنساء بمشاعر مختلطة تتراوح بين السلطة المطلقة والعجز المطلق، بين البهجة وبين انعدام الأمن وانعدام الثقة والخوف. وهذا الكتاب هو عن هذه المشاعر الملتبسة نحو أجزاء الجسد الأنثوي الحيوية والمرغوبة والمحسودة والمفترى عليها.

ولفتت إلى إن قصص الرجال الخائفين من النساء وأحلامهم والتي تُحكى في جلسات العلاج النفسي تشبه إلى حد مذهل وقائع مشارا إليها في الأساطير والقصص القديمة. إن حجر الماضي الأسطوري الثقيل يرزح على ظهر الحاضر المعاصر. إن إسقاط الدوافع التدميرية على الجنس الآخر يحول النساء إلى وحوش أو ساحرات يحتفلن بشهوتهن الرهيبة على حساب خير الرجال، بينما في الواقع يحدث العكس.

 فبعد العمل لسنوات مع القتلة والمغتصبين، ذكر طبيب نفسي في سجن أميركي بعد مأساة إطلاق نار أخرى أن العنف ضد النساء يأتي دائما في الغالب من شعور بعدم الأهلية يصيب بالشلل، حيث يبدو كل إيمان برجولة المرء مفقودا. أنت لا تحقق أي نجاح مع النساء وعندئذ تأتي بفعل عنف دراماتيكي سيولّد أخيرا ذلك الاهتمام الذي كنت تتوق إليه طوال تلك السنين. الثقافة السائدة مليئة بأبشع أشكال كراهية النساء، مثل المواد الإباحية، وهي الآن صناعة بعدة مليارات من الدولارات تسيطر على كثير منها الشركات الأميركية الكبيرة.

15