ميول انعزالية تحكم حياة المسلمين في بريطانيا

تحاول التيارات اليمينية المتطرفة وتلك الشعبوية الرائجة هذه الأيام توظيف الأحداث الإرهابية الأخيرة التي استهدفت الأمن القومي الأوروبي في رسم صورة تحرض على العنصرية ضد المسلمين، بنظرية تدعو إلى إقصاء الآخر دعّمها نجاح الأحزاب ذات الأفكار الشعبوية في الأجندات الانتخابية الأخيرة، ضمن معتقدات متشددة تطرح إشكالية اندماج المسلمين وتضعهم في مفارقة بين رغبتهم في تحقيق اندماج كامل وبين تهمة الإرهاب المحيطة بهم.
السبت 2016/12/03
الشعبوية تهدد الاندماج

لندن – لا تختلف بريطانيا عن بقية الدول الغربية في السعي لفهم ظاهرة وجود المسلمين في البلد ومقاربة التطور الكمي والنوعي والثقافي الذي طرأ على مسلمي بريطانيا في العقود الأخيرة.

ولا يمكن التسليم بأن ما تقوم به الحكومة البريطانية بشأن المسلمين البريطانيين مماثل لذلك الذي تقوم به لمقاربة بقية الأقليات العرقية والدينية والثقافية في البلاد، ويعيش في بريطانيا نحو 2.7 مليون مسلم بحسب الإحصاء السكاني لعام 2011 ويشكلون نسبة 4.8 بالمئة من مجمل سكان بريطانيا.

صحيح أن من واجب الحكومة متابعة التحوّلات الطارئة على نسيج البلد الاجتماعي، وبالتالي اتخاذ التدابير اللازمة للتأقلم معها، إلا أن في مقاربة البعد الإسلامي لشريحة من المواطنين البريطانيين جانبا أمنيا يضاف إلى ذلك الاجتماعي الكلاسيكي المعروف، ولهذا فإن ما ضجّت به صحف بريطانيا الجمعة يعكس صدى خاصا مرتبطا بخصوصية “الحالة” المسلمة في البلاد، ليس ببعدها الداخلي المحلي فقط، بل أضا بارتباطها العضوي بالتحوّلات الكبرى في العالم الإسلامي برمته.

البحث عن اندماج كامل

خصصت صحيفة التايمز صدر صفحتها الأولى لنشر تقرير تحت عنوان “معظم المسلمين في بريطانيا يريدون اندماجا كاملا في نمط الحياة البريطانية”، في محاولة لتقديم المسلمين في بريطانيا بصفتهم مواطنين عاديين يرومون تطبيعا مع محيطهم ضمن حدود المملكة المتحدة بالمعنى السياسي والقانوني والقيمي. ويقول التقرير الذي نشر الخميس وجاء قبيل بدء عمل لجنة كلفتها الحكومة للبحث في الاندماج والانسجام المجتمعي برئاسة دام لويز كاسي والتي ستباشر أعمالها الأسبوع المقبل، إن أكثر من نصف المسلمين البريطانيين يريدون “اندماجا كاملا” في المجتمع البريطاني، بحسب مسح ميداني أجراه مركز “أي سي أم” البحثي ، واستند إلى استبيان آراء عينة من 3000 شخص من مسلمي بريطانيا.

ويكشف المسح عن أن المسلمين شاركوا بشكل واسع البريطانيين الآخرين في أولوية اهتماماتهم بقضايا نظام الضمان الصحي والبطالة والهجرة بوصفها أهم القضايا التي تواجه المجتمع البريطاني، كما قالت نسبة 93 بالمئة من المسلمين إنها تشعر بارتباط قوي جدا ببريطانيا.

ويبرز هذا الجانب من التقرير البريطاني السمات المواطنية للمسلمين البريطانيين وقابليتهم لأن يكونوا مواطنين عاديين مندمجين ضمن المجتمع البريطاني المتعدد الأعراق والطوائف والثقافات، وبالتالي يبعد عن هذه الشريحة المجتمعية صفة الاستثناء و”الحالة الخاصة” التي تحاول التيارات اليمينية المتطرفة وتلك الشعبوية الرائجة هذه الأيام إلصاقها بالمواطنين المسلمين.

وترى أوساط بريطانية مهتمة بشؤون الجاليات أن ذهاب الناخبين اللندنيين إلى اختيار المسلم صادق خان عمدة لمدينتهم، وبالتالي أصبح الوجه الأول الرسمي للعاصمة البريطانية، يعبّر عن إيمان الرأي العام البريطاني بالمواطنة الكاملة للبريطاني المسلم وبانخراطه الكامل في ميادين السياسة والأعمال والثقافة والفن في الفضاء البريطاني الكبير.

الأعمال الإرهابية منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 تحرج المسلمين وتنال من ثقتهم بأنفسهم ضمن العائلة البريطانية

لكن صحيفة الغارديان تجاوزت موضوع الاندماج كمسألة بارزة لافتة وسلّطت الضوء على ما كشفه التقرير من أن لدى المسلمين في بريطانيا ميولا انفصالية أيضا.

ميول انفصالية

وفق الصحيفة أظهر تقرير مركز الأبحاث أن نسبة 31 بالمئة من المسلمين قالوا في الاستبيان إن الحكومة الأميركية كانت وراء هجمات 9/11، وحمّل 7 بالمئة منهم اليهود مسؤولية هذه الهجمات ونسبة 4 بالمئة منهم ألقوا بالمسؤولية على عاتق تنظيم القاعدة، لكن نسبة 52 بالمئة ممن استطلعت آراؤهم قالوا إنهم لا يعرفون.

إلا أن صحيفة التايمز تقارن في روايتها عن التقرير هذه النسب مع نسبة 71 بالمئة من عموم سكان بريطانيا التي تحمّل القاعدة مسؤولية هذه الهجمات و10 بالمئة التي حمّلت الولايات المتحدة المسؤولية ونسبة واحد بالمئة التي حمّلت اليهود المسؤولية، بينما قال 16 بالمئة إنهم غير متأكدين.

ويرى باحثون متخصصون في مسائل الأقليات أن المسلمين في بريطانيا مرتبطون بالمسلمين في العالم، وهم رغم المناعة التي يتحلون بها بسبب وجودهم وترعرعهم في بريطانيا، لا يمكن أن ينسلخوا عن راهن المسلمين وتطوّره وتأثره بالأطروحات التي تروج لحسابات سياسية أو عقائدية.

وتعتقد هذه الأوساط أن الأعمال الإرهابية منذ تلك التي وقعت في 11 سبتمبر تحرج المسلمين في بريطانيا وتنال من ثقتهم بنفسهم ضمن العائلة البريطانية الكبرى، لا سيما أنهم يشعرون بالحاجة إلى التفسير والتبرير والنأي بالنفس والتبرئة من العنف في كل مرة تقع فيها جرائم إرهابية في العالم، وأن تصديق نظريات المؤامرة هو رد فعل دفاعي عادي لدفع تهمة الإرهاب عن الإسلام والمسلمين، وبالتالي عنهم وعن جالياتهم في بريطانيا.

وقد كتب النائب عن حزب العمال عن برنغهام خالد ممود أن الكثير من مسلمي بريطانيا مستعدون لتصديق نظريات “القوى الخفية” التي تعمل ضد المسلمين.

وقال إن الاستطلاع كشف أن منظمات كمجلس مسلمي بريطانيا لديها تأييد محدود ضمن الجالية المسلمة في بريطانيا وأن المجلس فشل في إعطاء صورة حقيقية عن آرائهم في العديد من المسائل التي تهمهم. ولا يعرف ما إذا كان هذا الاستنتاج سيكون مقدمة لإعادة البحث في سبل أخرى لتمثيل المسلمين البريطانيين، بما في ذلك استحداث هياكل جديدة تحلّ مكان تلك المعروفة والتي حسب التقرير لا تنقل الرؤى الحقيقية التي تعبّر عن المسلمين البريطانيين.

وتجمع الصحيفتان البريطانيتان على تسليط الضوء على حقيقة أنه على الرغم من أن مسلمي بريطانيا يعيشون بمعدل “أكثر انعزالية نوعا ما” من الأقليات الأخرى إلا أن نسبة 53 بالمئة منهم أرادت اندماجا أكبر.

وقال ديفيد غوودهارت، وهو واحد من الذين كتبوا التقرير إن “مجمل مسلمي بريطانيا مستمرون في العيش بشكل منفصل أكثر من بقية الاقليات في المناطق السكنية والمدارس، كما لدى النساء غير العاملات، وفي كيفية ممارسة سلوكهم وطقوسهم الدينية”.

ومع ذلك فإن التقرير يكشف أن مسلمي بريطانيا “يعيشون في حياتهم اليومية بشكل عادي مماثل لبقية المواطنين على نحو أكبر مما يمكن استنتاجه من خلال الاستماع إلى المنظمات التي تقول إنها تتحدث باسم المسلمين”. واعتبر المراقبون أن هذه الإشارة تشيد بالمسلمين البريطانيين مشككة في المنظمات التي تدعي تمثيلهم، ما يبرر الغضب الذي أبداه مجلس مسلمي بريطانيا ويبرر الانتقاد الذي وجهه للتقرير.

وأشار التقرير إلى أن مسلمي بريطانيا يدينون الإرهاب والعنف أكثر من بقية مكونات السكان في بريطانيا. وشدد التقرير على أن واحدا من أربعة مسلمين أشار إلى أن “وجهات النظر المتطرفة غير موجودة” لدى المسلمين.

وبالسؤال عما تناهى إلى علمهم أن قريبا ما “متورط مع أشخاص يدعمون الإرهاب في سوريا”، قال 52 بالمئة فقط إنهم سيشون بهم إلى الشرطة.

واتهم مجلس مسلمي بريطانيا التقرير بأنه استخدم الاستطلاع لكي ينزع الشرعية عنه. وقد أصدر المجلس رداً أوليا قال فيه إن “هناك نتائج ملتبسة للاستطلاع تستدعي تحقيقا إضافيا”. وأقر المجلس بأن “أقلية واسعة من المسلمين قد تقبل نظريات المؤامرة، لكن بما يجاري آراء بقية البرطانيين (40 بالمئة مقابل 37 بالمئة)”.

6