ميونيخ قلب الروح البافارية الفريدة

منذ الخطوة الأولى في مطار ميونيخ تطالعك ملامح صورة ألمانيا، التي ارتبطت بالماكنة العالية الكفاءة، وعند الاقتراب من الصورة أكثر تبرز الروح البافارية وتتقدم جميع الصور الألمانية الأخرى.
السبت 2015/11/28
مبنى حكومة بافاريا أحد أجمل ملامح سماء ميونيخ

ميونيخ (ألمانيا)- قدم مطار ميونيخ لي في أول زيارة إلى ولاية بافاريا، انطباعا مثاليا عن الروح البافارية. وكان الانطباع الأكثر رسوخا من الانطباعات اللاحقة.

وأكد الخلاصة الشائعة بأن ولاية بافاريا بتاريخ مملكتها العريقة، تنفرد بكيان وهوية خاصة عن بقية ألمانيا، وهي الولاية الأكثر ثراء ومساهمة في الاقتصاد الألماني، الأكثر متانة في العالم.

يقدم المطار خلاصة لكفاءة الماكنة الألمانية، برحابة فضاءاته المفتوحة والتوظيف الدقيق للمساحات من أجل أقصى انسياب وراحة لعبور العدد الكبير من المسافرين الذي يصل إلى 35 مليونا سنويا.

ورغم عدد المسافرين الكبير، تنساب الحركة بهدوء، بسبب التسهيلات الكثيرة التي يقدمها، ومنها نقاط الاستعلامات الالكترونية التي تجيب على الاستفسارات من خلال شاشة، تتحدث من خلالها للموظفين وجها لوجه، فيتخلص المطار من المسافرين الحائرين.

ويقدم المطار Munich Airport مساحات فريدة للراحة والنوم والاستحمام. كما أن إدارة المطار حولت المساحات المحيطة به الى مركز للتسوق والترفيه، لتحقق من خلالها نحو نصف عوائدها، من خلال استقطاب الملايين من سكان الضواحي المحيطة.

وتتضح الصورة أكثر خلال الرحلة من المطار إلى ميونيخ، رغم ازدحام المدينة بأعداد هائلة من اللاجئين لأنها نقطة الوصول الأولى، حيث تطالعك عبارات إرشاد اللاجئين باللغة العربية في المحطات ومراكز المدينة الرئيسية.

المطعم الوطني لبافاريا (راتسكيلر) يكشف جانبا من أسرارها

وتكتمل انطباعات اليوم الأول حين يكون محل الإقامة في أحد أهم مباني المدينة التاريخية، حين كان مقر البريد المركزي للولاية، قبل أن تحوله سلسلة فنادق سوفوتيل إلى فندق من فئة 5 نجوم. وبحسب كاتيا هيرمان مديرة فندق Sofitel Munich Bayerpost، فإن جهودا كبيرة بذلت للمحافظة على هوية المكان مع توفير أقصى درجات الراحة والمزايا الحديثة.

وعند التجول في شوارع المدينة، تلاحظ أن ملامح غالبية سكانها تختلف عن بقية سكان ألمانيا، إذا أن معظمهم من أصول سيلتية ورومانية، وملامحهم من ملامح سكان حوض البحر المتوسط، رغم اختلاطهم بهجرات القبائل الجرمانية.

يقول أحد مرافقينا وهو كاي بيير تيس، ويحمل أيضا اسم عبدالكريم، بعد طول إقامته في البلدان العربية، إن بافاريا أصبحت وجهة مفضلة للسياح العرب وخاصة السياحة العلاجية، بسبب انفتاح البافاريين وحرارة عواطفهم، القريبة من التقاليد العربية.

ويضيف كاي بيير، الذي يعمل في إدارة متاجر هيلتشر للمجوهرات الفاخرة وساعات رولكس Juwelier Hilscher إن مناخ الثقة والاطمئنان الذي يقدمه سكان بافاريا جعلهم شريكا تجاريا مثاليا لرجال الأعمال والأثرياء العرب، حتى بالنسبة للساعات السويسرية الفريدة.

في المساء كانت دعوة العشاء الذي أطلقت عليه "المطعم الوطني لولاية بافاريا"، إنه مطعم راتسكيلر Ratskeller الذي يحتل المساحة الشاسعة لكامل سراديب المبنى العريق للإدارة المحلية لولاية بافاريا، ويتسع لنحو 1500 شخص.

استغرقت زيارة أنحاء المطعم المترامية نحو ساعة تقريبا، حيث يمكن اعتباره أحد متاحف المدينة لكثرة الأعمال الفنية، والذي يعج بالحفلات والمناسبات في قاعاته الكثيرة. ولا بد لهذا المطعم أن يقفز كمرشح أول لتناول العشاء لأي زائر لمدينة ميونيخ.

وقد روى لنا بيتر فيزر، الذي توارثت عائلته استئجار وإدارة المطعم منذ 100 عام. التاريخ الطويل للمطعم واستضافته للوفود الرسمية التي تزور المدينة، والاحتفالات الشعبية مثل فوز فريق بايرن ميونيخ بأي لقب محلي أو أوروبي.

الحجم الكبير أحد ملامح ميونيخ وبافاريا عموما، فإلى جانب مطعم راتسكيلر العملاق، هناك حانة هوفبراوهوس وهو مبنى تاريخي لإحدى أقدم شركات إنتاج أنواع البيرة البافارية الشهيرة، ويتسع لنحو 3500 زائر.

كما أن هناك العشرات من المطاعم والحانات العملاقة، وصولا إلى مركز ومعرض شركة بي.أم.دبليو، الذي يستقبل نحو 2.3 مليون زائر سنويا، ليكون أكثر معلم سياحي استقبالا للزوار في ألمانيا.

معظم متاحف بارفاريا أعيد بناؤها بعد أن دمرت في الحرب العالمية الثانية

وقد توجت الزيارة بالانتقال في آخر ليلتين إلى أحد أقدم الفنادق في العالم، وأكثرها فخامة حتى اليوم، وهو فندق بايريشير هوف Bayerischer Hof الذي أقام فيه جميع الملوك والقياصرة والرؤساء الذين زاروا ميونيخ منذ عام 1841.

وتوفر الجولة السياحية في الفندق الشاسع الذي يضم 340 غرفة وجناحا، مقسمة إلى 15 فئة، إطلالة فريدة على تاريخ الولاية، من خلال قصص الزعماء الذين أقاموا فيه والأعمال الفنية الفريدة والتصاميم النادرة.

لا يمكن اكتمال زيارة ميونيخ دون زيارة قصور مملكة بافاريا التي تعود إلى نحو ألف عام، وبلغت أوج تاريخها في القرن التاسع عشر، لتنتهي بنهاية الحرب العالمية وقيام الجمهورية الألمانية، ولايزال لها أمير هو لويتبولد أوف بافاريا، من أسرة فيتلزباخ، التي حكمت بافاريا لأكثر من 8 قرون.

كما لاتزال العائلة الملكية تحتفظ بمكانة رمزية، إضافة إلى الإقامة في 3 من قصورها التاريخية، في حين آلت القصور الأخرى ويصل عددها إلى 70 قصرا إلى الحكومة المحلية، لتتحول إلى متاحف تستقطب السياح من أنحاء العالم.

وتنافس ميونيخ بتلك القصور، أكبر المدن الأوروبية الرئيسية، خاصة أنها تضم التاريخ الفريد لولاية بافاريا، التي كانت لفترات طويلة من أكثر بقاع أوروبا ازدهارا وخاصة في القرن التاسع عشر.

ويصاب الزائر بمفاجأة كبرى حين يعلم أن معظم تلك القصور دمرت بالكامل خلال الحرب العالمية الثانية، لتتم إعادة بنائها بنفس الأحجار وبأدق مواصفاتها الأصلية، لتختفي جميع آثار إعادة الإعمار.

20