ميّة الرحبي تعتبر الفقه الإسلامي ذكوريا ولا ينصف المرأة

الاثنين 2014/07/14
"الإسلام والمرأة" يطرح سؤالا إشكاليا: هل الإسلام ضد المرأة

أصدرت الباحثة ميّة الرحبي، كتابها الجديد “الإسلام والمرأة” عن دار “الرحبة” بدمشق المتخصصّة في نشر وترجمة الكتب النسويّة، ووقعت الكتاب، الذي يضم عشرين فصلا، في 251 صفحة من القطع المتوسّط. ومية الرحبي كاتبة وطبيبة سورية تتميز بأنها تكتب في أكثر من مجال، كالطب والأدب. وإن كتاب “الإسلام والمرأة” لهو محاولة لمعالجة قضايا مفصلية بشكل جريء ودقيق، خاصة فيما يخص المرأة وقضاياها المتشعبة والتي تتحتم ضرورة طرحها بجدية وجرأة.

ترى الكاتبة أن الفقه الإسلامي، الذي قامت عليه الدساتير العربية عموما، هو فقه ذكوري، قام أصحابه بإخفاء ما لا يناسبهم من أحكام الشريعة. الهدف من الكتاب ليس محاججة المتعصبين المتشددين من الإسلاميين، بل إطلاع النساء على أصول الأحكام التي حُرّفت وشوّهت على مدى التاريخ الإسلامي حسب الكاتبة.


الإسلام والمرأة


إنه بحث في ثنايا الشريعة، يحمل دعوة صريحة لتغيير الثقافة السائدة، التي اختلط فيها الدين بالأساطير والأعراف والتقاليد القبلية التي تمتد جذورها إلى مرحلة ما قبل الإسلام. وعليه حمل البحث دعوة صريحة من الكاتبة إلى تغيير قانون الأحوال الشخصية المجحف بحق المرأة المعاصرة، والذي لم يُراعَ فيه تغيير الأحكام بما يتناسب مع تغيّر أحوال المرأة والمجتمع.

رحلة البحث التي مضت إليها مية الرحبي، بدأتها من سؤال: هل الإسلام ضدّ المرأة؟ وفي غضون بحثها عن الجواب، كان منهجها يقوم على اعتبار القرآن الكريم دستورا أولا يُعتَمد عليه في الشريعة الإسلامية، مع إشارة إلى ضرورة التفريق بين الآيات المحكمات والمتشابهات وأسباب النزول والسياق التاريخي الذي جاءت به تلك الآيات. كما اعتمدت أيضا على الحديث الشريف وما ورد في السيرة النبوية، بما لا يتناقض مع القرآن الكريم، وجوهر العقيدة القائم على العدل.


الخطيئة الأصلية


كثيرة هي الآيات القرآنية، التي تنفي فكرة “خطيئة حواء”، وتوضح أن المرأة إنسان كامل، مساو للرجل في الأهلية والتكليف والثواب والعقاب. وتجري الكاتبة مقارنة بين الأسطورة التوراتية، كما وردت في سفر التكوين، الإصحاح الثاني التي تقول بأن الرب الإله بنى من الضلع التي أخذها من آدم، وبين آيات قرآنية نقيضة للأسطورة التوراتية، بما يوضح المساواة في الخلق، إذ تم خلق الذكر والأنثى من نفس واحدة، والأكرم عند الله هو الأتقى، سواء كان ذكرا أم أنثى.


الزواج وتعدد الزوجات


بعض الشرائع اختلط فيها ماهو ديني بالأساطير والأعراف، فأضحت لا تتناسب مع تغيّر أحوال المجتمع

اعتمادا على الآيات القرآنية، قاربت الكاتبة المحلَل والمحرم في علاقة الزواج، واستنتجت أنه لا وجود لأية إشارة على المهر والقوامة أو الإنفاق أو التعدد، بل الاتحاد النفسي والروحي بين نفسين، ذكر وأنثى. والقاعدة الأساسية في الزواج هي الأحادية، أما التعدد فقد ورد في الآيات التي تضبط أحكاما متعلقة بالأحوال التي سادت زمن نزولها، وقُيِّدتْ بشروط تتناسب مع ذلك.

وفي هذه النقطة تتجنب الكاتبة التوسع في تدعيم رأيها حول الأحادية والتعدد في الزواج. فالنص القرآني واضح ( مثنى وثلاث ورباع) مع اشتراط العدل بين الزوجات، وهو الموضوع الأكثر إشكالية الذي يواجه الباحثين الذين يسعون إلى التوفيق بين القانون المدني وبين الدساتير المستمدة من الشريعة الإسلامية.


أبغض الحلال


عبر عملية تنقيب في النص القرآني وفي الأحاديث النبوية، تعمل الكاتبة جاهدة لتحسين الصورة التي تخفف من غلبة الذكورة على النساء. ولا تنفي الكاتبة أن مفهوم الطلاق في الإسلام هو حق للرجل، وليس للمرأة حق في ممارسته، والخلع الذي يسمح للمرأة بمفارقة زوجها بإرادتها، شرط أن تعيد للرجل المهر الذي دفعه لها، فهو يقف حائلا في كثير من الأحيان، بين المرأة وبين قدرتها على تحمل الكلفة المادية المترتبة على خلعها، خاصة في ظروف المرأة غير العاملة.

يرتبط بموضوعي الطلاق والخلع، ما يسمى “العدة” وهي للمطلقة ثلاثة أشهر، وللأرملة أربعة أشهر وعشرة أيام، إلا إذا كانت الأرملة في سن اليأس، فعدتها كالمطلقة ثلاثة أشهر، والطبيعي أن تكون عدة الحامل حتى ولادتها.

قبل الإسلام كان الطلاق مباحاً للرجال دون حدود أو ضوابط. وكي يحد الإسلام من هذا الحق، اشترط أن لا يتزوج الرجل من امرأة طلقها ثلاث مرات. تبدو هذه التغييرات، إذا أخذت في واقعها التاريخي، تقدما في تنظيم الحياة الاجتماعية من خلال مؤسسة الزواج.


مسألة الإرث

تخطيط: ساي سرحان


تأتي الكاتبة بحشد من الآيات القرآنية، من سور (الأنعام والضحى والنساء، وسواها)، كما تثبت عددا من أحاديث الرسول، وتوظف آراء بعض الفقهاء، لتدعم فكرتها عن إمكانية، بل ضرورة، تغيير أحكام الإرث مع تبدل الأحوال. وتذكر أن المشرّع اضطر في بعض الدول الإسلامية إلى تبديل بعض القوانين، لأن تغيرات الحياة جعلت بعض قوانين الإرث مجحفة في حق البعض، فيما التقاليد المدنية طغت على التقاليد القبلية في بعض المجتمعات الإسلامية.

وما تنشده الكاتبة من تحديث وتطوير للدساتير العربية والإسلامية، وإن لم تفصح عنه، أقرب إلى المطالبة بدساتير جديدة، تأخذ فيها المرأة حقوقها التي تتناسب ومعطيات العصر، وهنا لا تعود عملية البحث عن توافق، مع الشريعة أو تناقض مع منطلقاتها.

توقف الكتاب عند قضايا كثيرة، تتصل بالمرأة، كالحجاب والختان وسواهما، ودائما تنهل الكاتبة من الفكر والتراث الإسلاميين، ما يحض على رفع الظلم والجور عن المرأة وهو ما تناوله سابقا عدد من الكتاب. وعلى قلة الكاتبات والباحثات فمية الرحبي تسهم معهن في التأكيد على حقوق المرأة في الإسلام، انطلاقا ممّا أطلقت عليه: صلب الشريعة الإسلامية.

تشي معالجة مية الرحبي باقتراب حذر من مقولة: تجديد الفكر الإسلامي، بالدرجة التي تصل إلى الفصل بين الشريعة والدساتير، عندما تتعارض الأولى مع حقوق المرأة في الحياة المعاصرة. وهذا الاقتراب لا يمكن أن يتوقف عند قضايا المرأة حصرا، إنما يتخطاها ويتكامل معها نحو شؤون الحياة العامة ككل، اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.

15