ميّ آل خليفة.. لؤلؤة الثقافة والسياحة البحرينية

الأحد 2014/03/09
الشيخة ميّ تحفر في تاريخ "دلمون" لحضارة مملكتها

الرياض - تشق الطريق بحلمها، وبأعمالها لا كلامها، كاتبة من عمق التاريخ، تحب كثيرا البحث في جذور الحضارة الماضية لبناء حضارة المستقبل في مملكة الخليج الصغرى.

حملها الحرص الثقافي والبحث التاريخي لتكون أول وزيرة للإعلام والثقافة في الخليج، قبل أن تطالب باستقلال قطاع الثقافة عن الإعلام ليسهل عليها الإبحار في فضاء تعشق التحليق فيه، مدعومة بصلاحيات واسعة في فرد أجنحة المملكة الجديدة والأرض التاريخية الكبرى.

الشيخة ميّ بنت محمد آل خليفة، وزيرة الثقافة في مملكة البحرين، أسست في الخليج النفطي مبدأ الالتفاتة إلى الثقافة قبل أن يصدع بذلك إعلاميا بعض منافسيها ومنافساتها، فكان صمتها حدا دون تحقيق النجاح السريع كما فعلوا وفعلن، لأنها تتفرغ بالعمل والبعد عن أجهزة الإعلام لكن كان هذا العام تتويجا مستحقا لطموح وخفايا عمل الوزيرة المحبة للثقافة والآثار.

قضت ميّ آل خليفة غالب عمرها محتفلة بموهبتها ومسيّرة لها في حقل أرض التاريخ، حيث مجمع الحضارات وعاصمتها، فلا تملك البحرين الكثير من النفط كما هو حال بقية الدول الخمس في العائلة الخليجية لكنها تملك إرثا مختفيا كان بحاجة لفتاة العشرين آنذاك لتعلن الانطلاقة المنفردة، وتحوز على هرم الثقافة وتصنعه بشغفها ورؤيتها.

تحظى بالترحيب في كل دول الخليج لمساهماتها السياحية الداعمة للآثار، وتحظى بالقبول المجتمعي داخل مملكتها الضاربة اقتصاديا بقطاعات المصارف، لكن في باطن أرض تعيش عليها ما يكفي الخليج نفسا ودعما للتنافسية بين دول العالم في مجال السياحة.

كانت جهودها التطوعية بعيدة عن الاهتمام الحكومي، فواصلت أحلامها بمطرقة البحث والبناء، كانت تعي أن على الأرض ما يستحق أن يظهر، فوصلت بعد سنوات التعب، حتى أقنعت صناع القرار أن بناء الثقافة لا يحتاج بناء اسمنتيا أكثر من التنقيب عن كنز الأرض الحقيقي الجاذب لشهية السواح.

الحضارة التي تبنت إظهارها ميّ آل خليفة يبلغ عمرها أكثر من خمسة آلاف عام، وهي في بحر الخمسين عاما جذبت كل الاتجاهات العربية والإسلامية في خمسة أعوام فقط، لتنال العاصمة المنامة لقب عاصمة الثقافة العربية 2012 وتوجتها ميّ كذلك بأعمالها لتنال لقب عاصمة السياحة العربية العام الماضي.

اتجهت فتاة الأسرة الحاكمة البحرينية لبناء صروح الثقافة، مطلقة مشروعها ببناء الاقتصاد من خلال الثقافة الغائبة عن أراض عديدة في الخليج


ربيع الثقافة


على إثر تلك الأعمال، اتجهت فتاة الأسرة الحاكمة البحرينية لبناء صروح الثقافة، مطلقة مشروعها ببناء الاقتصاد من خلال الثقافة الغائبة عن أراض عديدة في الخليج، فأطلقت مهرجان “ربيع الثقافة” السنوي ومن أراضي لؤلؤة الخليج بنت مسرح البحرين الوطني الكبير المرافق الأساس لمتحف البحرين الوطني الذي يعد أوّل متحف عصريّ في منطقة الخليج، ليكون منطلقا ثقافيا يعيد بعضا من الوهج الثقافي والأدبي الكبير الذي عاشته البحرين وصدرته إلى بقية العالم العربي. إضافة إلى بناء متحف قلعة البحرين وأسسته ليكون معهد موسيقى العالم بين القارتين الآسيوية والعالم الغربي المحتفي بإنجازاته فقط.

تقول الشيخة الحالمة الطموحة ميّ آل خليفة “أحاول من خلال مشاريع الثقافة أن أترك للثقافة قلوباً تتكاثر بتعداد الأمكنة والمناطق” وسعت في ذلك الرصد إلى حصر الأماكن التراثية مطلقة أكبر مشروع عربي لإبراز التراث كوجه ثقافي كبير من أوجه الحضارة.

فيما تعتبر الشيخة ميّ برؤيتها الواسعة عكس بعض تدفقات الصناعة السياحية دون موارد طبيعية حقيقية أنّ منطقة الخليج العربيّ تمتلك العديد من الجواذب السّياحيّة، وأنّ البحرين تتميّز بغنى مكوّناتها الحضاريّة والإنسانيّة، مشيرةً إلى أن العالم يريد استكشاف مناطق جديدة من العمران والثّقافات والحضارات، وهو ما تبرزه البحرين اليوم.

وأعادت ترميم بيت جدها الكبير الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، الذي كان منارة تربية وثقافة لتعيد معه بناء منازل جيران التربية الخاصين والقريبين من الشيخ إبراهيم، من أصوات الفن وعشاق النحت والفنون التشكيلية بعموم اتجاهاتها، حيث قالت الشيخة ميّ إنها قامت بـ”تذكار الموقع القديم لبيت جدي الذي تحول إلى مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث”، ثم امتدت فكرته إلى بيوت تراثية أخرى من حوله لتأسيس بيت البحرين الصحافي، وبيت فن الصوت الخليجي، وبيت للشعر”.

وخلال هذا العام توجت ميّ آل خليفة جهودها باختيار المنامة كأوّل عاصمة في مشروع مدينة السّياحة الآسيويّة للعام 2014 رغم احتجاجات بعض الطوائف فيها معتبرة أن المنامة ومملكة البحرين في عمومها “مهما هبّت عواصف على البحرين ستبقى البلاد كما هي، كما عهدناها”.

وأعلنت المنامة بعد هذا التتويج الآسيوي الكبير رغم وجود عواصم سياحية مميزة في القارة الصفراء الشاسعة عن استراتيجيّات التّبادل الثّقافي وتوطيد العلاقات ما بين أوطان آسيا، من أجل صياغة التّقارب ما بين مختلف شعوب القارّة وإثراء حركة السّياحة على مستوى آسيا ودول العالم.


المرأة المدافعة عن مبادئ اليونيسكو


ميّ آل خليفة يشكل حضورها الثقافي قيمة عربية عظيمة، فغالبا ما يتكرر اسمها في صدارة السيدات العربيات الأكثر تأثيرا على كافة الأصعدة خاصة في مجال العمل الحكومي، فأصبحت المتوجة فوق العادة في قوائم مجلة فوربس الشهيرة، إضافة إلى نيلها جائزة البيستوم للآثار من “بورصة البحر المتوسط للسّياحة الأثريّة”، إضافة إلى “حصولها على “جائزة كولبير للإبداع والتراث” وتمنح من خلالها لقب “المرأة المدافعة عن مبادئ اليونيسكو”.

الشيخة ميّ بنت محمد آل خليفة، وزيرة الثقافة في مملكة البحرين، أسست في الخليج النفطي مبدأ الالتفاتة إلى الثقافة قبل أن يصدع بذلك إعلاميا بعض منافسيها ومنافساتها

وكرست ميّ طاقة أحلامها لتجعلها واقعا معززة الحفاظ البحريني على الهوية التاريخية، من أجل تطوير السياحة وحفظ التراث مع الترويج له ليس إقليميا فقط بل عالميا، وصنعت منه رافدا استثماريا حقيقيا يضاف إلى القاعدة التجارية المتمثلة في قطاع المصارف الذي تتميز به البحرين، محققة من صناعاتها الثقافية بعمومها دولة حاضنة لموقع طريق اللؤلؤ وموقع قلعة البحرين، اللّذين أُضيفا على قائمة التراث الإنساني العالمي لليونيسكو.

ولم يقف الأمر على حدود الإرث التاريخي، بل جعلت مملكة البحرين في الترتيب الثالث للفوز بعضوية “لجنة التراث العالمي” وذلك بعد الصين وأستراليا بعد تقديم البحرين عن طريق الشيخة ميّ خطة متكاملة في مجال دعم التراث الطبيعي والثقافي والخبرات التي يمكن تقديمها لدعم جهود اللجنة في المحافظة على هذا التراث وقدرتها على أن تكون مركزا للدراسات والبحوث في مجال التاريخ والتراث على أرض الخليج لأول مرة.

ورغم تواصل انتقاداتها لليونسكو التي وصفتها بالمنظمة “المسيسة” وأن المنظمة تحكمها السياسة وتتجاوز الشأن الثقافي إلا أنها نجحت في أن تجعل من المنامة مركزا رئيسيا لتقديم المساعدة للدول الأعضاء في (اليونسكو) في الدول العربية بغرض الارتقاء على تنفيذ اتفاقية التراث العالمي بما في ذلك فهم السياسات والمفاهيم والقواعد الإجرائية المتعلقة بالتراث العالمي، ورصد حالة الصون، وتطوير برامج التعليم، من خلال تيسير تنظيم التدريب الملائم في مجال التراث العالمي في مقر المركز الإقليمي العربي للتراث العالمي.

اليوم، ومن خلال حزمة برامج متنوعة تسعى الشيخة ميّ لإعادة وهج مملكة البحرين في مجال صناعة اللؤلؤ، عبر إنشاء المركز العالمي لفحص اللؤلؤ والأحجار الكريمة.

للشيخة الاستثنائية الصامتة ميّ آل خليفة سبعة كتب في حقل التاريخ والثقافة البحرينية والخليجية عموما، أبرزها “من سواد الكوفة إلى البحرين”، وتسعى كذلك في خطة قريبة من التحقق في توسيع المحافظة على التراث بين النشء عبر مناهج خاصة لتشجيع الشباب على الحفاظ على الهوية الأصيلة للبلد.

20