مي سكاف كلما ارتفع علم أسود طال عمر الجريمة

الأحد 2014/08/17
مي سكاف: أنا كائن متوقف عنده الزمن حتى لحظة سقوط النظام السوري

عمّان- مي سكاف الممثلة السورية التي أدت الكثير من الأدوار بين المسرح والسينما والتلفزيون، ولكن دورها الأبرز كان عام 2011 مع بداية الثورة السورية، فكانت ممثلة للمرأة السورية الثائرة، ورمزا طالب الشيخ سارية الرفاعي خطيب مسجد الحسن في الميدان بدمشق السلطات السورية بإطلاق سراحها، بعد أن اعتقلت على خلفية مظاهرة سلمية رافضة للنظام.

مي سكاف الممثلة السورية التي أدت الكثير من الأدوار بين المسرح والسينما والتلفزيون، ولكن دورها الأبرز كان عام 2011 مع بداية الثورة السورية، فكانت ممثلة للمرأة السورية الثائرة، ورمزا طالب الشيخ سارية الرفاعي خطيب مسجد الحسن في الميدان بدمشق السلطات السورية بإطلاق سراحها، بعد أن اعتقلت على خلفية مظاهرة سلمية رافضة للنظام.

هي التي هتف باسمها بلبل الثورة إبراهيم القاشوش في المليونية الشهيرة في ساحة العاصي بحماة، وكان لمشاركاتها بالمظاهرات في أكثر مناطق دمشق سخونة وحصارا وتنكيلا وانتقاما وقع مميز، فاستحقت لقب “أيقونة الثورة السورية” بكل جدارة. مي التي كانت رافضة للخروج من سوريا، وهي التي لا تطيق العيش إلا في دمشق، اضطرت إلى المغادرة حاملة حقيبة سفر صغيرة.


أيقونة الثورة


التقتها جريدة العرب اللندنية في عمّان بعد أكثر من عام على مغادرتها دمشق، وكانت بداية الحديث عن النشاط الذي تعتقد أنها استحقت على خلفيته لقب أيقونة الثورة السورية، فأكدت أنها “حقيقة أنا لا تعلم سبب هذا اللقب”، لأنها عملت للثورة كما عملت الكثيرات من نساء سوريا، وتضيف قائلة: “إن ما قدمته يكاد لا يذكر أمام ما قدمته نساء سوريات عظيمات، ولكن قد يعود إطلاق هذا اللقب عليّ إلى كون الكثيرين في سوريا يعتقدون أنني مسيحية، والأيقونة رمز مسيحي، بينما أنا ولدت وترعرعت في حي دمشقي شعبي مسلم، من أم مسيحية، أي لديّ جذور مسيحية”.

لا تخفي الفنانة أنها استغلت جذورها المسيحية لدحض خطاب النظام، لأن النظام ومنذ اليوم الأول اتهم الثورة بأنها إسلامية إرهابية. فصرخ الكثيرون “إن كان الحراك إسلاميا، فلماذا يفعل النظام ما فعله مع مي سكاف وغيرها من الناشطين المسيحيين والمدنيين؟”، وهذا برأيها كان مفيدا للحراك الشعبي، كما كانت فائدة الحراك المدني من كافة القوميات والطوائف على كامل الأرض السورية. لذلك جميعنا بتنا ندرك أن الإرهاب المنسوب للإسلام هو صناعة المجتمع الدولي بالتعاون مع الديكتاتوريات وأنظمة الاستبداد.

وحول تحركها ونشاطها في الريف الدمشقي وتحديدا ما يسمى الغوطة الشرقية تقول: “أنا عشت في الغوطة الشرقية لمدة اثني عشر عاما ومن هنا أعرف هذا المجتمع بطيبته وتسامحه وما زلت أنتمي إلى هذا المجتمع الذي استضافني خلال الثورة بكل حفاوة وحرص، هذا المجتمع الذي عمل النظام على مدى أربعين عاما وأكثر على تفقيره وتجهيله، ومنذ بدء الثورة عمل على شيطنته، كان لا بد له أن ينتفض، ينتفض طلبا للحرية والكرامة والعدالة ويصرخ مطالبا بحقه في العيش الكريم كمواطن، وأكاد أجزم أن حيزا كبيرا من الحراك السوري منشأه طبقي اقتصادي وثورة فقير على الغني، أي الثورة السورية هي ثورة إنسان وليست ثورة إسلامية كما روّج لها النظام، وكرسها المجتمع الدولي وعلى رأسه أميركا”.

الإرهاب المنسوب للإسلام هو صناعة المجتمع الدولي بالتعاون مع الديكتاتوريات وأنظمة الاستبداد


إسلام مدني


حول خيار التسلح في الثورة السورية، تشير مي سكاف إلى أنه منذ اليوم الأول للثورة، سعى النظام في دمشق إلى تسليح الثورة وأسلمتها، فيما بقي المجتمع السوري والشباب الثائر لعدة أشهر مصرا على سلميّتها ومدنيّتها، ولكن أمام ممارسات النظام وكل أشكال القتل والتعذيب والتنكيل، التي لم يسجلها تاريخ من قبل، لم تكن الخيارات متاحة للشباب السوري المسالم، الذي اضطر بداية إلى حمل السلاح لحماية المظاهرات السلمية، إذ أن السلاح لم يكن خيارا وإنما كان الحل الوحيد الممكن، ليأتي بعد ذلك التخاذل الدولي وتآمره على الدم السوري، ورغبته في التخلص من الإرهاب الذي خلقه بتوجيهه إلى سوريا، إضافة إلى رموز الإرهاب التي أخرجها النظام من معتقلاته، بعد أن اعتقل أو قتل جل الناشطين المدنيين. كل ذلك أدى، في رأيها، إلى أسلمة الثورة في أحد وجوهها، وهذا لا يمكن أن ينسجم أو يستمر في المجتمع السوري، لأن الإسلام السوري إسلام مدني.


الخروج من سوريا


مي سكاف التي أعلنت على الملأ أنها باقية في سوريا، وليفعل النظام ما يشاء، ورفضت بناء على ذلك عروض لجوء قُدمت لها مثل الكثير من المعارضين، من قبل دول أجنبية، ومنها فرنسا على وجه الخصوص، اضطرت للخروج من دمشق بين ليلة وضحاها، حاملة معها حقيبتها الصغيرة التي اتسعت لحاجيات أساسية وقليلة جدا.

تستذكر ذلك قائلة: “احتاجت رحلتي من دمشق إلى بيروت، التي كانت لا تحتاج إلى أكثر من ساعة ونصف الساعة، إلى تسع ساعات، محفوفة بكل الأخطار. فاتجهت من دمشق إلى يبرود على الطريق الدولي، الذي كانت كل أبنيته مهدمة، وكل أشجاره مكسورة، ورأيت بأم عيني سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها النظام السوري. مررت على حواجزه بحجة تقديم العزاء لشخص محسوب عليه في يبرود، ومنها إلى عرسال ثم إلى بيروت، التي كانت قبل حيز من الزمن قبلة الثقافة العربية وملجأ المثقفين الأحرار، قضيت فيها قرابة شهر، لكنني لم أشعر بالأمان نتيجة الانتشار الواسع واليد الطولى لحزب الله فيها، وفي عموم الأراضي اللبنانية، فاتجهت إلى عمّان. كنت في كل تحرك أقوم به، أرغب في البقاء بدولة من دول الجوار السوري”.

الكرامة التي طالب بها الشباب السوري لن تتحقق على الصعيد السياسي ما لم تتحقق على الصعيد الاقتصادي


أحلاهما مر


مي كانت قبل خروجها من سوريا أمام خيارين أحلاهما مر، خيار عملها كممثلة، العمل الذي عاشت وتعيش منه جسديا وروحيا على مدى ما يقارب العشرين عاما، وبين وقوفها إلى جانب الشعب السوري الثائر لأجل كرامته وحريته، وحين حددت خيارها، تم منعها من العمل، وفقدت مصدر عيشها، لكنها كسبت مصدرا آخر للكرامة، وتمتعت بنكهة أخرى من الحرية وبحيز في قلوب محبيها ما كان لها أن تحرزه حتى لو عملت كممثلة في آلاف الأعمال التلفزيونية والسينمائية والمسرحية.

انتشرت على ضوء ذلك بين الأوساط الرافضة لموقفها وخيارها مقولة أنها” تقف مع الثورة بحثا عن الشهرة”، لكنها تفند ذلك قائلة: “إذا أردنا الحديث عن الشهرة، فليس أسهل منها، لأن فتاة الدعايات التجارية تحققها بسرعة هائلة، ثم إن الشهرة لم تكن طموحي في يوم من الأيام، ولم أرغب بأن أكون ممثلة أصلا، صحيح أنني كنت أقوم بأداء أدوار مسرحية كهاوية في المرحلة الجامعية وما قبلها، وكان هدفي الإخراج المسرحي أو السينمائي، لكن من المعروف أن الإخراج لا يحقق شهرة، إلا أن ظرفي الاجتماعي كوني ابنة هذا المجال دفعني باتجاه التمثيل، إضافة إلى أن ظرفي الاقتصادي لم يسمح لي بالسفر بعد تخرجي من الجامعة لتحصيل الماجستير في الإخراج. لم تكن المنحة الدراسية الرسمية التي تقدمها الحكومة السورية حينها متاحة لي، لأنني لم أكن بعثية، وربما من هنا أسست «تياترو»”.


حاضنة فنية


«تياترو» هو معهد تدريس الدراما للهواة، استقطب مدرسين من خيرة الممثلين المسرحيين السوريين، إضافة إلى كونه مساحة لإقامة الفعاليات الفنية السورية بشتى أنواعها. استمر “«تياترو»” اثني عشر عاما، وقد اضطرت مي سكاف، حسب ما تقول، إلى أن تصرف أحيانا على هذه المؤسسة من أجرها كممثلة، بسبب غياب الدعم المادي والمعنوي من قبل المؤسسة الثقافية الرسمية، وأصبح «تياترو» حاضنا لأمزجة فنية مختلفة، وملجأ لكثير من التجارب الشبابية السورية، لأن الشرط الأساسي لأية فعالية يستقطبها هو الجودة الفنية لا غير. وتعتبر سكاف أن وجود “«تياترو»” واستمراره لاثني عشر عاما يعد معجزة، ليس من الناحية الفنية، بل من مبدأ الوجود أصلا.

وتضيف الفنانة: “صحيح أن هناك مؤسسات مشابهة، وربما أهم بكثير، موجودة في لبنان ومصر، لكن وجود مؤسسات المجتمع المدني الداعمة والممولة في تلك الدول يسهّل شرط الوجود. أما في سوريا فمؤسسات المجتمع المدني ممنوعة، وبذلك مرت عليّ أوقات كنت أصرف على «تياترو» من عملي كممثلة، ولست نادمة، وأتمنى حقيقة أن تنتقل تجربة «تياترو» إلى كل الدول العربية، وخاصة هنا في عمان. لديّ استعداد ورغبة للتأسيس والاستمرار، لأن كل مدينة عربية تحتاج إلى «تياترو» أو ما يشبهه”. وتلفت الفنانة إلى أن توقيف «تياترو» لم يكن بسبب مادي رغم كل الصعوبات، بل تم إيقاف نشاطه بأمر سياسي.

من الأساسيات التي قامت لأجلها الثورة، جعل الأكثرية في سوريا أكثرية سياسية لا دينية والاعتقاد الديني حرية شخصية وحق لكل مواطن


طفولة ثائرة


"النهار لي أفعل ما أشاء والليل لأهلي يعاقبوني كما يشاؤون"، هذه العبارات لمي سكاف، يمكن اعتبارها مرآة حقيقية لشخصيتها على مدى سنوات حياتها من الطفولة إلى المراهقة والشباب حتى الآن.

وتعقب سكاف قائلة: “عشت طفولة شقية وصبيانية لدرجة أنني دأبت على التسلل ليلا على سلّم بارتفاع ثلاثة طوابق، من أجل كتابة عبارة ” تسقط الامبريالية” وغيرها من العبارات على الجدران في منطقة المهاجرين بدمشق، كثيرا ما كنت أعاقب على ذلك، ومن هنا قلت العبارة السابقة. في الحقيقة لقد عشت تناقضا رهيبا في طفولتي، فمن ناحية أنا ابنة الشيخ إبراهيم الحي الشعبي في منطقة المهاجرين، ومن ناحية ثانية أنا الفتاة التي تتلقى تعليمها في مدرسة كانت حينها تعتبر من أرقى المدارس في سوريا، وكان من واجباتي بعد انتهاء الدوام المدرسي الذهاب إلى الراهبات لمدة ساعتين لتعلم اللغة الفرنسية وإتقانها، من ثمة أعود إلى الحي الشعبي لاستكمال حياتي الطبيعية، ولأكمل نهاري كمعظم أطفال سوريا”.

تؤكد الفنانة أنها كانت تدرك أن هذا التناقض قد يكون له انعكاس سلبي على شخصية الإنسان، إلا أنها تعتبره انعكس في شكل غنى استثنائي على شخصيتها، وأسس لتكامل تفخر به، واستفادت من حياتها ضمن الحارة الشعبية ودرايتها بأخلاق أناسها وطقوسهم وعاداتهم، مطوعة ذلك في حراكها ضمن الثورة السورية ومع الشباب الثائر في الريف الدمشقي.


الأكثرية سياسية


كان لا بد من ختام الحوار مع الفنانة مي سكاف، ليس عمّا يجري الآن في سوريا، فالكل يعرف ويرى ويسمع، بل عن المستقبل، عن الحلم بسوريا الحرة، وبعد الشرود الحزين للحظات قالت الفنانة: “أنا كائن متوقف عنده الزمن حتى لحظة سقوط النظام السوري، وإذا رغبنا في التفاؤل والحديث عن المستقبل فأنا أعتقد أنه لا بد لنا من الاستفادة من تاريخ سوريا المشرّف قبل حكم البعث، وأنا على قناعة بأن الكرامة التي طالب بها الشباب السوري لن تتحقق على الصعيد السياسي ما لم تتحقق على الصعيد الاقتصادي”.

وتضيف قولها: “من هذا المنطلق، وعلى الرغم من أنني لست على دراية كافية بالاقتصاد، ولكنني أعتقد أنه إذا تمكن الاقتصاديون السوريون الأصيلون، من مسك اقتصاد سوريا، فإنها ستتعافى بسرعة ويعاد بناؤها على أسس إنسانية واجتماعية سليمة، لأنه إذا صَلُحَ الاقتصاد صلُحت البلد، ولا بد من العمل على ردم كل الفجوات والخلافات التي صنعها النظام في المجتمع، ومنها الهوة الطائفية الكبيرة التي أصابت المجتمع السوري، بكافة شرائحه حتى أطفاله، الذين شاهدوا بأعينهم ذبح عائلاتهم ونهب ممتلكاتهم والدوس على كرامة آبائهم”.

تخلص سكاف إلى أنه “لا بد من الاعتراف، أن في سوريا أكثرية يُبيدها النظام بحجة حماية الأقليات، ولكن بالنهاية البلدان بأكثريتها وللأسف نحن ما زلنا في دول الأكثرية فيها أكثرية دينية. ومن الأساسيات التي قمنا بالثورة لأجلها، أن تكون الأكثرية في سوريا أكثرية سياسية، وليكون الاعتقاد الديني حرية شخصية وحقا لكل مواطن”.

16