مَن يخسر مَن؟

الخميس 2017/10/19

الشعوب التي لا تتعظ من حكاية الفأرة والجبنة، شعوب تُعيد أخطاءها مرارا وتكرارا بل تقع بذات الأخطاء والخطايا التي وقعت فيها. الغريب أن شعوبا تفخر بأنها طوت صفحات التأريخ، وتسجلت كونها ذاكرة العالم القديم، بسلسلة حضارية طويلة تصل حتى فجر السلالات، مازالت تكرر الأخطاء نفسها وكأن فيروسا ضرب “كودها” الحضاري أو أصيبت بزهايمر لعين أفرغ ذاكرتها.

وكما يقال مأساة الشعوب أن تنتهي من حيث بدأت، فإن مأساة العودة إلى المربع الأول الذي بدأت فيه تحتم عليها أن تقف بكل شجاعة وتواجه نفسها، وتسأل كل يوم: ما الذي حدث؟ ما الذي يحدث؟ لماذا العالم يسير ونحن نتراجع؟ في آلية بنائنا الحضاري، ولماذا تسجل كل يوم خطأ جديدا بأكل الجبنة في مصيدة الفئران التقليدية، دون شمها مسبقا قبيل أن تضع رأسها في المصيدة؟ مجرد تساؤلات تطرق رأسي المحشو بالأسئلة، وأنا أتلمس طريقي في قراءة ما يحدث في تجربتنا مع فلسطين، التي قضمت على مراحل مبرمجة منذ إعلان هيرتزل في بازل بسويسرا في العام 1898 أول بيان لمشروع صهيوني منظم، أسس بعد خمسين عاما الدولة الصهيونية.

وفي تعاملنا مع العراق الذي يُقضم هو الآخر، وضاقت عليه الحدود نتيجة إغراقه في أزمات متكررة نتيجة عدم معرفة قياداته وإدراكها لقيمة ‘المتغير الدولي” المحيط بها والذي ورطه في غزو الكويت وورطه قبلها مع إيران وورطه مع تركيا ومع بلدان أخرى، حتى انكفأ وأخرج عن مهمته كدولة قومية فاعلة في الإقليم ليكون دولة مفعولا بها، من أغلب دول الجوار، التي مدت أذرعها لتمس كرامات بلد، ومصالح وطن، ثم لتؤسس فيه ما ينسلخ عنه، في مشروع قديم هو فصل محافظاته ذات الأغلبية الكردية، والمعروف تأريخيا مَن كان وراء ذلك المشروع ورعايته، بالتأكيد دول عظمى وكبرى وإقليمية وصغرى ومتوسطة، تعمل لمصالحها التي تتقاطع كليا مع مصالح وحدة الوطن العراقي وأمنه ولها مصلحة في إضعافه.

في الذاكرة السياسية العراقية يتراءى للمرة الأولى زعيم تمكن من أن يجنبه الصِدام، وتحمل الخسائر الباهظة، بتوظيف “المتغير الدولي” لمصلحته حين تولى ضابط درس في الأستانة وخبر العالم وأسس الدولة العراقية الحديثة العام 1921 وانتزع ولاية الموصل من الإرادة التركية بحائط الصد الإنكليزي، ووضعهم أيضا مصدا يحول دون تمكين النزعات الكردية للاستقلال من المحاولة الأولى منتصف العشرينات حين أعلن محمود الحفيد كيانه في السليمانية، ذلك هو الفريق نوري السعيد باشا الذي لم تلد أم في السياسة العراقية مثله، باعتراف كل العارفين ببواطن الدولة العراقية وقيمة استمرارها، أليس هو القائل “لا معنى للحديث عن أمن وطني عراقي إلا باثنتين: تأمين منابع مياه دجلة والفرات ومنفذ كفؤ على البحر”.

التاريخ لا يلد قادة عظاما دوما، لأنهم يولدون من رحم الأمم بلحظات فارقة، التاريخ يختار القادة الذين يصنعون مجد دولهم ويجعلونها في قمة عطائها كي تسير بلا حقول ألغام، ليس في حاضرها فحسب بل في مستقبلها أيضا.

24