مَن يكتب نص الغلاف الأخير؟

إن كتابات الأغلفة الأخيرة التي يتناوب عليها من أشرنا إليهم هي شهادات نصية يمكن أن تكون دالّة، لكنها تبقى شهادات غير مكتملة حتى بإيحاءاتها المباشرة وغير المباشرة.
الخميس 2019/05/09
أغلفة الكتب نوافذ (لوحة للفنان علي رضا درويش)

عشرات ومئات وآلاف تصدر في اليوم الواحد من الكتب الأدبية والثقافية والعلمية والمعرفية والتخصصية والبحثية والمنهجية بكل لغات العالم، وحركة المطابع لا تتوقف في حركية دائبة لتنتج منها المزيد مع اللحظات في شتى المعارف الإنسانية. والكتب المولودة تخرج من أرحام الأحبار ساخنة ثم تبرد مع مرور الوقت في عملية متواصلة لا تنقطع على مدار اليوم والساعة والدقيقة، ليكون العالَم على مواعيد يومية مع كتب وإصدارات جديدة علمية وأدبية ومعرفية وتوثيقية.

وكل هذه الكتب مُصدّرة بسرديات قصيرة في أغلفتها الخلفية بطريقة الترغيب والإعلان لتوجيه القارئ وكسبه بطرق متعددة. وربما الالتفاف عليه في بعض الأحيان كما يحدث عادة في الكتب التجارية الرائجة التي تجد لها متبضعين في سوق الكتب من الشباب والقرّاء العاديين الذين يشكلون أحينا نسبة غير عادية من التلقي، بل حتى في الكتب التي توصف بالرصانة الفنية والعلمية فإنها لا تخلو من محاولات تمويه معروفة لأغراض تجارية كما هو مفهوم لنا.

ما يلفتنا في العالم العربي هو سرديات الأغلفة الأخيرة للكتب علما وثقافة ومعرفة وثقافة أدبية عامة. وهي سرديات مكثفة تشير إلى النوع ولا تشير إلى التفاصيل عادة، إلا في كتب العلم حيث تتكثف المعلومة في الغلاف الأخير وتشير إلى شيء من جوهر الكتاب على نحو مباشر، فالعلم مباشر في سردياته المعرفية ولا يحتاج إلى إنشاء وخيال وترغيب قسري، وقارئه خاص وليس عاما، بينما تشير الإصدارات الأدبية في الشعر والقصة والرواية إلى تلميحات وإنشاءات كثيرة بصيغة إعلانية أحيانا وفنية في بعض الأحيان وترويجية في غالب الأحيان.

 لذلك نجد أن كثيرا من دور النشر المحترفة بدأت تعتني بالغلاف الأخير كونه إحدى عتبات الكتاب وأحد الموجّهات الممكنة لاجتذاب القارئ وكسبه والتأثير على ذائقته. وبالتالي فإن كثيرا من هذه السرديات القصيرة تخضع إلى مستويات فنية واعتبارية بصيغة إعلانية لها قوة الجذب الأولي وسحره. فمَن يكتب سرديات الأغلفة الأخيرة، الناشر أم المؤلف أم الخبير أم طرف آخر يتطوع للكتابة بصيغة إعلانية أو فنية أو نقدية أيضا؟

حسب علاقاتنا المتاحة مع المؤلفين ودور النشر فإنّ الجميع يشتركون في هذه السرديات المكثّفة: المؤلف بالدرجة الأولى، لأنه الحريص على جذب القارئ وتسويق مؤلَّفه وبالتالي ضمان أكبر عدد من القرّاء لمطبوعه الجديد، ويليه الناشر الذي يسعى إلى كسب القارئ بالإعلان عن جديده من الإصدارات الأدبية، لهذا يختار الأكثر خبرة في مجال التسويق الإعلاني: المؤلف وما يتسلسل في الأهمية بعده، ومن ثم الخبير الفكري الذي يكون مقنعا في حالات كثيرة حينما يكون مسؤولا عن إصدار الكتاب وإجازته، كونه القارئ الأول له فهو الموثوق إلى حد ما في الترويج الفني للكتاب من دون أن يتدخل في الإشهار الإعلاني الذي يتوخاه الناشر، وأخيرا المُكلّف الخارجي صاحب الرأي المقروء لاسيما من الأسماء المعروفة، والذي يسعى إليه الناشر والمؤلف معا، وعادة ما يكون من كبار الأدباء والمثقفين.

وهذا التضمين الشائع هو محاولة الوصول إلى القارئ النوعي الذي يهمه أن يصدّر كبار الأدباء مطبوعات الشباب وغير الشباب، على أنّ المؤلف هو الأكثر قربا واقترابا من مادة كتابه، وهو الأقرب إلى الحالة الإعلانية التي يتوخاها هو والناشر معا بطريقة يتفق عليها في تصدير المطبوع.

وفي هذه الخارطة الرباعية (المؤلف- الناشر- الخبير- الأديب المكلف) تصدر دور النشر كتبها بسرديات مكثفة ووافية لأغلفتها المتنوعة، تحرص فيها على أن يكون الغلاف الأخير متوجا بكلمة من هذه العناصر المترابطة فنيا. فما هي الدلالة المباشرة لمثل هذه الكتابات غير التسويق التجاري المطلوب؟ وماذا يكتب المؤلف على الغلاف الأخير؟ ولماذا لا يضع المؤلف اسمه ويكتفي بأن يضع اسم دار النشر بوصفها هي التي أصدرت الكتاب، وأنّ سردية التعريف لها وليست له؟

حرص المؤلف، مهما حاول أن يتخفّى، هو إعلاني بالدرجة الأولى متضامن مع دار النشر التي تجد في مؤلِّفها أفضل من يكتب عن كتابه وأفضل مَن يصدّره، وفي تفسير آخر فإن كتابته إشارية إلى أكثر من جهة؛ إلى الناقد والقارئ معا، فهو يكتب بتوجيه ذاتي ويشير إلى روايته أو مجموعته الشعرية بطريقة لابد أن تلفت أنظار القارئ والناقد، وكأنما يعطي دلالات نقدية لمواضع معينة على الآخرين أن ينتبهوا لها. وهذا توجيه شخصي ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار نسبيا، فهو أحد مفاتيح القراءة الصامتة وأحد موجّهات النظر إلى سرية العمل الأدبي وتأويله.

وفي حالة كهذه يتجرأ المؤلف كثيرا – بغياب اسمه على الكتابة الخلفية – على أن يشير إلى علامات نقدية مخصصة ليوجّه الناقد إليها بإشارة صريحة لحلقة يراها المؤلف من دون غيرها في كتابه، وهي حلقة ترغيبية في وجهها الثاني إلى القارئ الذي تستميله سرديات الأغلفة الخلفية، فهو يعتقدها عَتَبة إشارية تلتقط المخفي من الكتاب وتشير إليه بحرص وعناية، ونعتقد أنّ الناشر يفضّل هذا التضمين السري أكثر من الخبير، فهذا الأخير يستل جزءا فنيا من تقييمه الفكري وفي العادة يكون الاستلال فقرة فنية عامة تشير إلى جودة الكتاب. لذلك نجد معظم القرّاء وحتى الأدباء يميلون إلى قراءة الغلاف الخلفي قبل تصفّح الكتاب. وهذه حالة نفسية تحيط بالجميع تقريبا.

إن كتابات الأغلفة الأخيرة التي يتناوب عليها من أشرنا إليهم هي شهادات نصية يمكن أن تكون دالّة، لكنها تبقى شهادات غير مكتملة حتى بإيحاءاتها المباشرة وغير المباشرة، لذلك يلجأ الناشرون إلى محاولة استكمال العرض بوضع صورة المؤلف وسيرة ذاتية له تحاذي الكتابة القصيرة الموجّهة إذا كان المؤلف معروفا، وبفونت طباعي لا يشبه خط المتن وأكبر حجما منه كعلامة من علامات التوجيه المباشر. وفي مثل هذه الاحترافية المتدرجة مع الزمن الطباعي وتطوره ستكون للغلاف الأخير أهميته كما هي أهمية الغلاف الأول الذي يُعتنى بإخراجه كثيرا، وما هذه السرديات المقتضبة إلا محفزات أولى للاقتناء قبل المتن الرئيسي الذي يضمه الغلافان الأول والأخير.

مثل هذه الاهتمامات الشكلية في ظاهرها وطّدت على نحو ما علاقة القارئ بالكتاب مع تطور الآلة الطباعية ورشاقتها وفنياتها المستحدثة لمزيد من أناقة الكتاب وتوفيره. ومن ثم فإن الغلاف الخلفي وبعناصره المتضامنة، كتابة وصورة، هو حلقة مهمة من حلقات صناعة الكتاب وترويجه لاسيما في ذكاء السرديات القصيرة التي تكون عينا خارجية لمحتوى الكتاب وعدسة جامعة لا غنى عنها مع كل إصدار ثقافي وعلمي ومعرفي.

14