مُدن جنوب سيناء تستهوي عرب 48 للاصطياف على شواطئها

الفلسطينيون يفضلون الغوص ورحلات السفاري على زيارة المزارات التاريخية والدينية.
الأحد 2018/08/26
الاستمتاع بجمال الكهوف يغري بالتقاط صور تذكارية

تحولت مدن جنوب سيناء إلى ملاذ جذاب للكثير من المواطنين الفلسطينيين الذين يطلق عليهم “عرب إسرائيل”، مستفيدين من الطبيعة الفريدة للشواطئ وسهولة التنقل وانخفاض الأسعار لقضاء عطلاتهم، وقفزت أرقام هؤلاء بصورة كبيرة مؤخرا، ما جعلهم في مقدمة السائحين الذين وفدوا على سيناء، بعدما تراجعت أعداد السائحين من روسيا ودول أوروبية عدة

جنوب سيناء (مصر) – حملت مدن الساحل الجنوبي لسيناء سحرا خاصا لدى السائحين من دول مختلفة، بعد أن امتلكت طبيعة فريدة، من مناظر خلابة وشعب مرجانية نادرة وأسماك ملونة تسحر عيون المتابعين لها، فضلا عن أماكن دينية تحتل حيزا من اهتمام البعض من السائحين.

ورغم أن السياحة في جنوب سيناء ظلت محصورة لسنوات طويلة في السائحين القادمين من دول أوروبية، خاصة إيطاليا وألمانيا، ثم روسيا التي منعت سائحيها من القدوم بعد حادث سقوط طائرتها في سيناء قبل ثلاثة أعوام، فإن جنسيات الباحثين عن المتعة السياحية في سيناء تغيرت.

وأصبحت المدن الكبرى مثل شرم الشيخ ودهب وطابا، مكتظة بسائحين عرب عبروا الحدود المصرية الإسرائيلية للاستمتاع بعطلاتهم. وكانت هذه المنطقة من الأماكن الجاذبة لهؤلاء منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، غير أن المواطنين العرب تصاعد تعلقهم وازدادت أعدادهم بسيناء مؤخرا، وهو ما وجد فيها العاملون في مجال السياحة فرصة لتعويض تراجع السياحة الغربية.

وباتت منتجعات جنوب سيناء أكثر جذبا لعرب إسرائيل، ما شكل ظاهرة لافتة في القطاع السياحي المصري الذي دشّن مؤخرا مشروعات عدة لاستعادة حيويته.

واستبدل عرب إسرائيل بشكل خاص مقاصدهم السياحية واختاروا قضاء عطلات الصيف في طابا ودهب وشرم الشيخ، بدلا من مقاصد تقليدية مثل عكا وحيفا ويافا.

بحثت “العرب” عن أسباب اختيار الفلسطينيين لسيناء والتقت عددا منهم في مدينة دهب في جنوب سيناء قبل أيام، فقالت يثرب محمود (ربة منزل) إنها جاءت بصحبة أسرتها من مدينة الناصرة في رحلة استمرت تسع ساعات، “الرحلات البرية للكثير من العائلات الفلسطينية إلى سيناء أصبحت بديلا للاصطياف في مُدن سياحية داخل إسرائيل”.

وأضافت أن الانتقال بين الحدود أصبح يسيرا وآمنا، ما شجع الكثير من السائحين على الانطلاق نحو سيناء للاستمتاع بأجوائها الخاصة، علاوة على الدفء الإنساني الذي نحتاج إليه كمواطنين من أصول عربية.

الغوص على رأس أولويات عرب إسرائيل
الغوص على رأس أولويات عرب إسرائيل

وفندت محمود عدة أسباب لكثافة إقبال الفلسطينيين، منها الوضع الاقتصادي، حيث باتت الفنادق أقل تكلفة في سيناء من الكثير من الفنادق والمنتجعات السياحية في إسرائيل وغيرها، بسبب انخفاض قيمة العملة المصرية، فمن الممكن قضاء ليلة في فندق خمس نجوم شاملة الوجبات والخدمات في غرفة مزدوجة بنحو 70 دولارا، ما يُمثل فرصة عظيمة للكثير من زوار سيناء، علاوة على العروض المغرية بتخفيضات عالية يقدمها قطاع السياحة في مصر، ساهمت في جذب الكثير من سياح عرب إسرائيل الذين يزورون سيناء بسياراتهم.

وتبدو الأسباب القديمة أيضا عاملا قويا لجذب تلك النوعية من السائحين، حيث يمتلك من يحملون الجنسية الإسرائيلية حق دخول سيناء دون تأشيرة طبقا لاتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين مصر وإسرائيل، كما أن جنوب سيناء تحتل أولوية أمنية لدى الحكومة المصرية، ما جعلها مركزا لاستضافة الكثير من المؤتمرات الدولية.

ومن ضمن الأسباب المشجعة أيضا، حاجة فلسطينيي 1948 إلى التلاحم مع مُجتمعات أقرب لثقافتهم والاحتكاك المباشر بعرب يتحدثون اللغة ذاتها وتجمعهم أذواق متشابهة وعادات متقاربة، تعوضهم الغربة التي يشعر بها بعضهم داخل إسرائيل.

وهو ما أكدت عليه محمود التي تقول “عرب 48 أشبه بباحثين عن الهوية المختطفة منذ أزمنة الأجداد الذين شهدوا عروبة بلادهم قبل قيام دولة إسرائيل، ولا يوجد أجمل من لهو أطفالنا مع المصريين ليدركوا أنهم مازالوا عربا وينتمون إلى وطن كبير رغم معاناة الاحتلال”.

سالي نذير، فتاة فلسطينية تبلغ من العمر 18 عاما، جاءت من مدينة القدس المحتلة إلى دهب مع عائلتها للمرة الأولى، غير أنها زارت من قبل شرم الشيخ، قالت لـ”العرب”، “مصر لديها ثروة عظيمة من الشُعب المرجانية الجديرة بالمشاهدة”.

وأكدت أن ممارسة هواية الغوص تتناسب كثيرا مع طبيعة شواطئ سيناء المعدة لذلك، وأن الطرق البرية الواصلة بين حدود إسرائيل وجنوب سيناء مؤمنة تماما، ما يشجع على القدوم إلى شرم ودهب وطابا.

وأشارت إلى أن القدوم إلى سيناء تحول إلى عادة صيفية لدى الكثير من عرب 1948 الذين يقضون وقتا جيدا بين رحلات السفاري والغوص والاستجمام في المنتجعات المنتشرة في غالبية مدن جنوب سيناء.

وكشفت أنها زارت جميع مُدن جنوب سيناء دون استثناء، غير أنها لم تزر القاهرة التي تحتاج إلى الحصول على تأشيرة بترتيبات وإجراءات معقدة.

اهتمام متزايد برحلات السفاري
اهتمام متزايد برحلات السفاري

ويرى مُتعاملون في قطاع السياحة المصري أن زيارات السياح من عرب 48 ساهمت في تعويض جزء من التراجع الذي شهدته السياحة إلى مصر نتيجة حوادث العنف والإرهاب في سيناء، والتي بدأ يعود إليها الهدوء مؤخرا.

وقال عادل بكري، موظف بأحد الفنادق السياحية في دهب، إن زيارات السياح الإسرائيليين إلى مصر تراجعت بشدة بعد ثورة يناير عام 2011، لكنها بدأت تنتعش خلال الأشهر الماضية.

ولفت لـ”العرب” إلى أن الكثير من الأجانب خلطوا بين حوادث الإرهاب التي تحدث في شمال سيناء وبين مدن جنوب سيناء الهادئة والآمنة، فاستبعدوا السفر نهائيا إلى أي منطقة في سيناء، وعلى رأس هؤلاء السياح الإسرائيليون.

وشدد على أن فلسطينيي الأراضي المحتلة (هكذا يسميها) عوّضوا جانبا من تراجع السياحة إلى مصر، غير أن هؤلاء يتم تسجيلهم رسميا ضمن السياحة الإسرائيلية القادمة، لأنهم يحملون جنسيتها، ودخلوا بهذه الصفة.

وكشفت بيانات حديثة لوزارة السياحة أن عدد السياح القادمين إلى مصر من إسرائيل بلغ خلال عام 2017 نحو 234 ألف سائح، وتبيّن بعض المؤشرات أن هذا الرقم تزايد بنسبة قد تصل إلى 30 بالمئة العام الجاري.

ويعتقد بعض الخبراء في مجال السياحة أن معظم هؤلاء المحسوبين باعتبارهم سياحا إسرائيليين هُم من عرب 1948 الذين نشطوا في زيارة جنوب سيناء مؤخرا، ودللوا على صحة ذلك بأن مقاصد السياح الحالية أقرب لأماكن الترفيه.

ويهتم السياح الإسرائيليون في سيناء بزيارة عيون موسى وجبل الرحمة وسانت كاترين، باعتبارها مقاصد دينية بالنسبة لليهود منهم، نظرا لأن الله كلم النبي موسى عند جبل الرحمة بسيناء. وعلى جانب آخر، لا يهتم الكثير منهم بالمزارات التاريخية والدينية وينشغلون بممارسة هواية الغوص ورحلات السفاري وحضور الحفلات الغنائية والترفيهية.

16