مُلهمات السينما والجمال

تأثير "الملهمة" يتجاوز الفنانين والأدباء، ويمتد نحو المتفرجين والمتلقين، بوصفها نموذجا جماليا يسعون للاحتذاء به.
الأحد 2018/09/09
تاريخ السينما خارج الفيلم

باريس –  يحفل تاريخ الأدب والفن بحكايات عن المُلهمات، ودورهن في تفجير الطاقة الإبداعيّة لدى من يلتقي بهن أو يستدعيهنّ، وكأنهن رسل الإبداع الذي يتجلى بحضورهن، إذ يدفعن الفرد إلى تجاوز ذاته، نحو الجمال الصرف الذي يفتحن بواباته. لكن، رغم الصورة الرومانسيّة والمتخيلة عن الملهمة، هي موضوعة وليدة جهود ثقافيّة، تجعل منها أيقونة فنيّة أو أدبيّة، هذه الجهود أًصبحت أكثر مرئيّة

مع اختراع التصوير الفوتوغرافي والسينما، لأن تقنيات الاستعراض وآليات صناعة “الصورة” الفائقة والإيقونيّة غدت أكثر تأثيرا وانتشارا، ليتجاوز تأثير “الملهمة” الفنانين والأدباء، ويمتد نحو المتفرجين والمتلقين، بوصفها نموذجا جماليا يسعون للاحتذاء به.

تقيم منظمة جيروم سيديو في العاصمة الفرنسيّة باريس معرضا بعنوان “الملهمات: صور الممثلات 1945-1930”، والذي يحتفي بالنجمات اللاتي شكلن صورة “المرأة الفرنسيّة” في السينما الصامتة وبدايات السينما الناطقة في فرنسا وهوليوود، ما جعلهن أيقونات تلهم المخرجين والمصورين، إلى جانب التعريف بدورهن في رسم عوالم الموضة والأزياء والمكياج، وإنتاج “الأشكال” التي كانت تسعى النساء للتمثل بها.

يركز المعرض على تجربة كل من الأخوين باته وبيرنراد ناتان، بوصفهما من أول صناع السينما في فرنسا، وأدى التعاون بينهما إلى افتتاح أستديو باته-ناتان للتصوير، وإصدار مجلة باسم “الصورة”، والتي تبنت شكل مجلات هوليوود السينمائيّة، لترسم معالم “النجمة الفرنسيّة”، والوضعيات الفوتوغرافيّة التي اشتهرت بها، والتي كانت إطارا للعري والإغراء لجذب المشاهد من جهة والمنتجين من جهة أخرى.

نكتشف في المعرض بدايات توظيف مصطلحات "خزانة الملابس" و"النجمة" و"الجاذبيّة الجنسيّة" ضمن المجلات، والتي تتجاوز عبرها الممثلة الصيغة الأيقونة، ليتحول سلوكها إلى نمط حياة
نكتشف في المعرض بدايات توظيف مصطلحات "خزانة الملابس" و"النجمة" و"الجاذبيّة الجنسيّة" ضمن المجلات، والتي تتجاوز عبرها الممثلة الصيغة الأيقونة، ليتحول سلوكها إلى نمط حياة

يحوي المعرض المئات من الصور التي نشرت في المجلات الفرنسيّة المختلفة، والتي تتنوع بين البورتريهات التي تصنع “هالة” النجمة، والبوسترات كبيرة الحجم الخاصة بها، والصور التي تلتقط أثناء تصوير الفيلم، في محاولة من المنتجين لتحويل فضاء التصوير ذاته إلى عنصر فني وثقافي مستقلّ، إذ نشاهد صور غرف الماكياج،وصور الممثلات أثناء تسريح شعورهن أو داخل غرف تبديل الثياب، حيث تحضر الصورة التقليديّة للممثلة أمام مرآتها، وهي تستعد للظهور أمام الكاميرا، كما في صور ألفير بوبيسكو في فيلم “امرأة سعيدة”، وغابي مورالي، في فيلم “مرة في قديم الزمان”.

الجهود البصريّة السابقة تحول زمن “اللا-تصوير” أو ما خلف العدسة إلى منتجات ثقافية وتجارية، تعود بالربح على الأستديو، وتلعب دورا في خلق ثقافة الإنتاج السينمائي، والتعريف بالممثلة بوصفها محط الجهود الجماليّة، إذ نقرأ عن النصائح التي كانت تقدمها بريجيت هيلم وجينا مانيس للمشاهدات، في سبيل الحفاظ على جمالهن، كما نقرأ في اللقاءات معهن كيف يروجن لسلوكيات يوميّة ترتبط بـ”مظهر” المرأة، وعلاقتها مع الرجل الذي يجب أن تظهر فاتنة أمامه.

نكتشف في المعرض بدايات توظيف مصطلحات “خزانة الملابس” و“النجمة” و”الجاذبيّة الجنسيّة” ضمن المجلات، والتي تتجاوز عبرها الممثلة الصيغة الأيقونة، ليتحول سلوكها إلى نمط حياة، يُمارس خارج وقت التصوير، ويمكن للقراء تبنّيه. المثير للاهتمام أن سلوك “النجمات الفرنسيات” اشتهر في هوليوود بسبب قانون “هايس”، الذي صدر في أميركا في بداية

الثلاثينات، والذي شكل رقابة على الإنتاج السينمائي، إذ منعت المشاهد الجنسيّة والإيحائية المغرية، وأُجبر المنتجون على التزام خط سياسي لا يجب تجاوزه، كعدم التعاطف مع المجرمين، وعدم المس بالدولة، ما جعل صور “الفرنسيات” بمثابة متنفس للمشاهدين ولصناع السينما، الذين وجدوا فيهن رموزا للأناقة والغواية، واحتمالات لإنتاج أفلام خارج الولايات المتحدة.

بعيدا عن القيمة النوستالجيّة التي يحملها المعرض واحتفائه بالعصر الذهبي للسينما، إلا أن الوثائق والصور تبرز طبيعة صناعة السينما الذكوريّة في تلك الفترة، وكيف وُضعت معايير الجمال من وجهة نظر الشهوة الذكوريّة، التي تسعى في ظل سياسات الاستعراض لتحويل المرأة إلى موضوعة جنسيّة، مهما كان الدور الذي تلعبه، فالمكياج والأزياء وغيرهما من التقنيات تخلق نماذج غير واقعيّة، وقوالب ذكوريّة لـ”شكل المرأة” سواء كانت تلعب دور سيدة مجتمع راق أو متشردة أو ربة منزل.

14