مُولد سيدي "العريان"!

الأربعاء 2017/10/04

كمواطن عربي يفزعني مشهد الصبيان والبنات الذين يمشون في الشارع، وهم يلبسون بنطلونا "مقطَّعا" يتباهون به، وذات مرَّة سُحبت من لساني وحاولت لفت انتباه فتاة بأن بنطلونها قد قُطع من عند ركبتها، فضحكت طويلا بعد أن استدعت بعض صديقاتها، وقلن لي وهنَّ يضحكن طويلا إن هذه هي الموضة.. وبينما ابتلعت ريقي دهشة عاجلتني إحداهن بسؤال كضربة قاضية عن ثمنه؟ وقبل أن أردّ أجابت باستعلاء "500 جنيه يا عمّ الحاج"، فتزايدت الغُصَّة في حلقي، وولَّيت وجهي!

إنها الموضة اللعينة التي جلبت لنا كذلك أقمصة مطبوعة بالذباب.. فتبَّا لها وقد جعلتني موضع سخرية، بعد أن كنت لا أجرأ على الخروج للشارع بقميص أو بنطال فيه ثقبٌ أو مجرد قطع صغير، أو حتى لم تمرّ عليه رِجْل مكوجي الحارة بعد أن يمنحه بعضا من رذاذ فمه المليء بالماء.

لم يكتفِ بعض الشباب والفتيات ببناطيلهم المشقوقة بل اتَّسع الشقُّ على الرَّاتقِ، لتبدو السيقان كأن لا ساترَ لها، كاشفة عن أشياءَ "إن تُبْدَ لكم تسؤكم"، وحاملة النقيض تماما مع ما يعلوها ربما من "حجاب" مصطنع خَضَع هو الآخر لهذه الموضة، فيما كان مضحكا ما كتبته إحدى الفتيات على صفحتها في وسائل التواصل الاجتماعي شاكية من أنها ذات ليلة اشترت بنطلونا مقطعا بـ300 جنيه، وفوجئت صباحا بأن والدتها قامت بخياطته لها، ظنَّا منها أن هذا عيب تصنيع، وليس عيب موضة انحدرت أخلاقيا في حدِّها الأدنى، وللدرجة التي لم تكتفِ فيها بمجرّد التقطيع بل أضافت عليه أيضا أن يبدو وكأنه "مبلول"!

في الماضي، وربما حتى الآن، كانت دعوات الآباء والأمهات لنا، نحن الأبناء والبنات، تركز على السَّتر في الدنيا والآخرة، ومن ضمنها ألا نتعرَّى عمدا بهذا الشكل الذي نشتريه بأموالنا حتى باتت مثل هذه المشاهد المتناقضة جهلا أو غباء أو تقليدا، وكأنها تورطك قسرا في "مولد سيدي العريان"، وأن عليك إن لم تشارك فتتحسر على الأقل، وفي أضعف الإيمان تمتثل لفتاوى مماثلة وكلها أيضا على الموضة وبما لا يخالف شرع الله.

ربما من هذه العينة الأخيرة، تلك النكتة الساخرة التي سَرَت مؤخرا، وملخصها أن فتاة محجبة تمشي في الشارع وهي ترتدي بنطلونا مقطعا عند ركبتيها، فاعتبر أحدهم: أن هذا دليل قاطع على الإيمان والورع وأنه من كثرة السجود.. ليصيحَ بصوت عال: ربنا يتقبل يا طاهرة!

24