نأكل اللحم أو نعيش في بيئة نظيفة

الفقر نعمة في عالم يختنق بالغازات الدفيئة، والبقر ينتج البرغر والستيك وقبلهما الميثان.
الثلاثاء 2018/12/04
تقليل كميات اللحوم الحمراء المستهلكة

تمتد آثار التغيير المناخي السلبية لتفتك بالأجيال القادمة والتي ستجد نفسها في مأزق حقيقي ولا تعلم كيفية الخروج منه، لذلك تحرص الدول والمنظمات البيئية والناشطون على المعالجة إلى هذه القضية ومحاولة توعية الناس للمحافظة على البيئة، ومن المواضيع التي ينبه لها الخبراء التقليل من أكل اللحوم وتربية الماشية وهدر الطعام،  وهي أمور أثارت جدلا واسعا بين الناس وحتى بين المختصين.

لندن - تتواتر الأبحاث العلمية حول التغيير المناخي وتأثيراته على الحياة البشرية فوق الكرة الأرضية، كما تتواصل الاجتماعات السنوية وتوصيات القادة للحد من هذه الظاهرة التي تسابق مجهودات الدول والقادة وعامة الناس للتخفيض من تلوث البيئة.

الخطر لا يتمثل فقط في التأثير على البيئة، بل على الصحة أيضا، وجامعة أكسفورد البريطانية تؤكد في أبحاثها أن استهلاك اللحوم الحمراء سيكون مسؤولا عن نحو 2.4 مليون حالة وفاة حول العالم بحلول عام 2020، كما أن الاستهلاك سيجبر الخزائن العالمية على إنفاق نحو 285 مليار دولار لأسباب طبية.

والإحصائيات والنتائج العلمية التي تزداد كل يوم من مختلف المختبرات والجامعات، جعلت الباحثين يؤكدون على ضرورة الحلول العاجلة لضمان الحياة على الأرض قبل فوات الأوان.

وآخر الدراسات نشرتها مجلة “نايتشر” البريطانية تدعو إلى تقليل كميات اللحوم الحمراء المستهلكة إلى وجبة أسبوعية واحدة للتخفيض من خطر الملوثات، وهي دعوة تطرح جدلا واسعا بين الفقراء والأغنياء في العالم والشركات المنتجة للحوم ومطاعم الأكلة السريعة التي تروج للبرغر ولحم الستيك من مربي المواشي.

اتباع نظام غذائي يعتمد على الخضروات والفاكهة يقلل انبعاث الغازات الدفيئة بنسبة 56 بالمئة في 2050

الفقير سيقول بكل بساطة إن اللحم أمر لا يعنيه ولا طاقة له بثمنه، وسيتعجب من أمر الوجبة التي عاش يتمناها كل العمر، تصبح وجبة ضارة بالبيئة والصحة، فهل سيصدق أن الفقر أصبح نعمة في عالم يختنق بالغازات الدفيئة؟

أما الغني الذي يريد أن يتمتع بأمواله، فيعتبر أن وجبة اللحم وجبة فخمة يستحقها طالما أن ثروته تسمح له بذلك، فكيف يحرم منها اليوم ليتنفس هواء نقيا؟

الحقيقة أن الأوكسيجين أهم من اللحم إذا ما أمعنا النظر في مستقبل البشرية. يقول تيم بنتون خبير الأمن الغذائي في جامعة ليدز “معظم الناس لا يفكرون في عواقب الطعام على التغير المناخي، لكن التقليل من تناول اللحوم الآن يمكن أن يجعل الأمور أفضل بكثير لأولادنا وأحفادنا”.

وتفيد الأبحاث بأن التقليل من تناول واستهلاك اللحوم بأنواعها من شأنه أن يساعد على إبطاء عملية الاحتباس الحراري التي يتزايد خطرها كل يوم، وذلك من خلال التقليل من أعداد الدواجن والمواشي والدواب، وبالتالي التقليل من كميات الغازات الدفيئة التي تبعثها بطون الحيوانات المنتفخة.

وتشير الإحصائيات إلى أن غازات بطون المواشي والدواجن تشكل ربع إجمالي كميات الغازات الدفيئة المنبعثة حول العالم أجمع، وبحسب باحثين، هذا لا يترك لنا مجالا أو خيارا أفضل من التقليل من استهلاك لحوم هذه الحيوانات وتربيتها.ومع نمو الطلب العالمي على

اللحوم الذي يزداد بارتفاع عدد سكان الأرض، يخشى العلماء من ازدياد إنتاج المواشي والدواجن والدواب، مما يعني زيادة كميات الغازات الدفيئة مثل غاز الميثان وغاز أحادي النيتروجين، الأمر الذي يساهم بدوره في ارتفاع درجات الحرارة..

ويقول الباحث لويز أستون “بالإضافة إلى الميثان المنتج في الجهاز الهضمي للحيوان، يتم إنتاج الغازات الدفيئة في نقل الماشية وعلفها، وإنتاج الماشية هو المحرك الرئيسي لإزالة الغابات لإنشاء المراعي والأراضي لزراعة أعلاف الحيوانات”.

ويجدر التذكير بتلوث الأرض التي تزرع بالذرة والصويا وأنواع أخرى من الأعلاف التي يحتاجها المزارعون في تربية الحيوانات،  واستعمال مكثف للمبيدات.

وتشير الإحصائيات إلى أن العالم يستهلك سنويا 55 مليار حيوان بري، ومئة مليار حيوان مائي، بعد أن تحول استهلاك اللحوم الحمراء والبيضاء إلى أمر يومي.

ويرى خبراء البيئة أن هذه النسبة العالية من الاستهلاك لم تكن لتصير متاحة، لولا الاعتماد على تربية الماشية الصناعية المكثفة والصيد المكثف للسمك، كما تشير أرقام منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن الصناعات الغذائية تشكل 15 بالمئة من الانبعاثات العالمية بشكل عام، وتشكل صناعة اللحوم الحمراء وإنتاج الحليب الجزء الأكبر منها.

الحيوانات عنصر من البيئة

البقر ينتج الميثان أيضا
البقر ينتج الميثان أيضا

على عكس الآراء التي تذهب إلى أن تربية الحيوانات من الأسباب الرئيسية لتلوث البيئة، هناك من يقول إن الحيوانات عنصر أساسي من الطبيعة والبيئة.

وترى الطبيبة البيطرية والكاتبة الألمانية أنيتا آيدل، أن اعتبار تربية الماشية ضارة بصحة المناخ “خطأ فادح يتم توظيفه بشكل ماهر في النقاش حول حماية البيئة
والمناخ”.

وتعتبر أن الأبقار “جزء من الطبيعة، وهي تساهم منذ آلاف السنين في زيادة خصوبة الأرض، لذا فإن معظم الدراسات حول التأثير السلبي لتربية الماشية على صحة المناخ، قائمة على أساس غير علمي، لأن معظم الباحثين يضعون في الاعتبار جانبا واحدا فقط من الصورة”.

وتضيف آيدل أن تربية الحيوانات بأسلوب مستدام تساعد على الحفاظ على التربة، حيث لا مجال فيه لاستخدام الأسمدة الاصطناعية، موضحة أن للاعتماد على العشب أهمية كبيرة هنا، لأنه كعلف للماشية يعتبر أفضل كثيرا مقارنة مع الذرة وفول الصويا، بالإضافة إلى أن زراعة العشب أكثر رفقا بصحة المناخ.وتؤكد أن “هناك حاجة كبيرة لإجراء المزيد من الأبحاث

لمقارنة الأنظمة المختلفة المتبعة في تربية الحيوانات، بدلا من تحليل تربية الحيوانات ضمن نظام الزراعة الموسع الذي تستخدم فيه الأسمدة الاصطناعية الضارة بالبيئة”.

وتعتبر آيدل أن تقييم ضرر غاز الميثان على صحة المناخ بأنه أكبر بحوالي 300 ضعف مقارنة بثاني أكسيد الكربون، أمر تقوده المصالح المختلفة ويعمل ضد الزراعة المستدامة.

الغذاء النباتي أو شبه النباتي يكفي

المشاوي لم تعد غذاء سليما
المشاوي لم تعد غذاء سليما

الجدل يتسع ليثير تساؤلات حول ثقافة الأكل عند الشعوب، فماذا سيفعل العرب في أعيادهم وأفراحهم، وكيف سيستقبلون ضيفهم بلا لحم، علما وأنه في مناطق عديدة من العالم تذبح الحيوانات في المناسبات والمواسم كالأعراس، وتتركز احتفالات أخرى مثل أعياد الميلاد حول الديك الرومي أو اللحم المشوي، كما أن الأطباق المعتمدة على اللحوم تعتبر طقوسا اجتماعية مهمة في مجتمعات عديدة.

الحلول التي يقترحها الباحثون لا يمكن أن يقبلها الإنسان بسهولة حتى وإن اقتنع بجدواها، فالوعي والقناعة بخطورة هذه الظاهرة نادرا ما يكونان كافيين حتى يغير الناس أنماط حياتهم، فتغيير السلوكيات أمر صعب ثقافيا، مثل العادات الغذائية اليومية للبشر، ولذلك يرى الباحثون الاجتماعيون أن الأمر يتطلب دراسة متأنية لنفسية الأفراد وثقافة المجتمعات.

وينصح الخبراء في بحوثهم التي تنشرها المجلات الطبية والمتخصصة في مجال الطاقة، أنه يتوجب علينا تناول واستهلاك كميات أقل من اللحم، مشيرين إلى أن تقليل الاستهلاك العالمي من اللحوم الحمراء بنسبة لا تقل عن 10 بالمئة من شأنه أن يقلل من كمية الغازات التي تنبعث ويتم إخراجها من المواشي.

ويدعو هؤلاء إلى اتباع نظام غذائي يعتمد بشكل أساسي على الخضروات والفاكهة، ما من شأنه أن يقلل انبعاث الغازات الدفيئة بنسبة 56 بالمئة بحلول عام 2050.

هذا الحل السحري لمشكلة الغازات الدفيئة التي تنغص الحياة في بيئة نظيفة، سيجد حتما رفضا من قبل الأكثرية من سكان الأرض، لذلك اقترح آخرون الاعتماد على نظام غذائي شبه نباتي، فالمعروف عن “شبه النباتيين” أنهم لا يمانعون في أكل الأسماك أو الدجاج مثلا أو مشتقات الحليب ولكن بنسبة منخفضة.

Thumbnail

ومثل هذه الأنظمة الغذائية المتوازنة ستساهم في الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري واستهلاك المياه الصالحة للشرب والتلوث البيئي في العقود المقبلة، كما ستساهم في تخفيض كميات الطعام المهدورة.

ودعما لهذه المقترحات ظهر ناشطون يشجعون المستهلكين على الامتناع عن اللحوم يوما واحدا في الأسبوع للصحة الشخصية والبيئية.

وقد حاول ماركو سبرينغمان الباحث في برنامج مستقبل الغذاء في جامعة أكسفورد، أن يحدد بالأرقام إلى أي حد يمكن للأمور أن تكون أفضل.

فقد أنشأ هو وزملاؤه نماذج بالكمبيوتر تمكنت من التنبؤ بما يمكن أن يحدث لو تحول جميع البشر إلى الحمية النباتية بحلول عام 2050. وقد أشارت النتائج إلى أنه بفضل التخلي عن استهلاك اللحوم الحمراء، فإن انبعاثات الغازات ستنخفض بنسبة 60 بالمئة تقريبا. وإذا أصبح العالم نباتيا، فإن انبعاثات الغازات ستنخفض بنسبة 70 بالمئة.

ويلعب الطعام بحسب الخبراء، وخاصة الثروة الحيوانية، دورا كبيرا كأحد الأسباب التي تؤدي إلى فقدان التنوع الحيوي، وانبعاث الغازات الدفيئة الزراعية كنتيجة لتحويل الأراضي.

فإذا تحولنا جميعا إلى نباتيين، فسوف نخصص 80 بالمئة على الأقل من هذه المراعي لإعادة الأراضي العشبية والغابات إلى  سابق عهدها، والتي يمكنها أن تمتص غاز الكربون وتخفف في المستقبل من حدة التغير المناخي.

20