نائب أردوغان المأزوم يقبع مهمّشا في الظلّ

الإعلام التركي يحرص على إبقاء فؤاد أوكتاي منكّرا وغائبا، ويكتفي غالبا بالإشارة إليه وتعريفه بأنّه نائب الرئيس أردوغان.
الأربعاء 2019/09/11
الشخص المناسب في المكان المناسب

أنقرة - حين ألغى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان النظام البرلماني، وفرض النظام الرئاسي بعد استفتاء 2017، احتكر المناصب في شخصه. وربط مقاليد أمور الحكم بنفسه كحاكم مطلق يعمل على بناء دكتاتوريته على حساب تهميش مؤسسات الدولة.

احتاج أردوغان أثناء عملية الانتقال وبعدها إلى شخصيات شكلية في مناصب قيادية، لاسيما بعد إقصائه لشخصيات وازنة فاعلة في حزب العدالة والتنمية، وتصديره لشخصيات تابعة له تذعن لإملاءته، وتحرص على تقديم فروض الطاعة والولاء له، كبن علي يلدريم الذي تلاعب به أردوغان ونقله من منصب إلى آخر تبعا للحاجة.

وكانت آخر هزائمه خسارته في انتخابات بلدية إسطنبول في مارس الماضي، وفي جولة الإعادة في يونيو كذلك بفارق أكبر.

تبعية مطلقة

إلى جانب يلدريم يحضر الأكاديمي فؤاد أوكتاي الذي عيّنه أردوغان نائبا له، واختاره بعناية لما له من مواصفات، وأهمّها التبعية المطلقة، ذلك أنّ أردوغان يحتاج إلى من لا يقوى على اتّخاذ أيّ قرار بنفسه.

ويكتفي بالمنصب الذي يشعر بأنّه كبير على قياسه وشخصه، وأنّه يشعر بالامتنان لتشريفه بكرسي نائب الرئيس الذي كان يحتاج إلى إشغال، كي لا يبقى شاغرا، وكي لا يثير شهية شخصيات قوية حاضرة في المشهد السياسي، وفي حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يبدو بدوره ماضيا للتفكّك بعد استقالة شخصيات قيادية منه.

أوكتاي الذي أصبح أول نائب رئيس في تاريخ تركيا منذ تأسيسها عام 1923، وصم المنصب بالهامشية لأنّه ارتضى التهميش وقبل به، ويبدو سعيدا بأداء دوره كهامشي يتبع المركز المتمثّل بأردوغان.

يوصف أوكتاي بأنّه خلال الأزمة الاقتصادية التي ضربت تركيا في وقت مبكر عام 2000، كان متخصصا في إدارة الأزمات والقائم على المشاريع التنموية حينها، لكنه يبدو في الوقت الحالي كشاهد صامت غير قادر على التأثير والفعل في الأزمات الاقتصادية والسياسية التي اجتاحت تركيا منذ تعيينه نائبا للرئيس، ويظهر بدور العاجز عن المبادرة واتخاذ القرار المؤثّر.

ومن اللافت أن الإعلام التركي يحرص على إبقاء أوكتاي منكّرا وغائبا، ويكتفي غالبا بالإشارة إليه وتعريفه بأنّه نائب الرئيس أردوغان، وكأنّه غير مسمّى وغير معرّف إلّا بأنّه نائب أردوغان، وأنّ هذه ميزته الوحيدة الأهمّ، والتي عليه أن يكون وفيّا لها ويلعب دوره المطلوب بدقة من دون أن يخرج عن السيناريو المعدّ له.

يصف معارضون أتراك نائب أردوغان بأنّه شخص مأزوم، وأنّ صفته التي كان يعرف بها بأنّه رجل الأزمات، ليست إلا تلاعبا بالمصطلحات والمفاهيم والتوصيفات، لأنّ أزمته الحقيقية تتمثّل في ارتضائه لدوره كتابع من دون أن يكون قادرا على الظهور بمظهر القائد المؤثّر.

كفاءة ولكن

أفاد أوكتاي أردوغان كثيرا من حيث أنّ المنصب الذي يفترض به أنّ يتمتّع بأهمّية كبرى لم يبق شاغرا، وتمّ شغله من قبل شخص لم يكن ليحلم به أصلا، ويكتفي بما وصل إليه، ويبقى ممتنا لرئيسه الذي أسكت خصومه ومعارضيه بوضعه لشخصية أكاديمية في منصب قيادي شكليا، مع حرصه على تقييده والتعتيم عليه وعدم إفساح أيّ مجال له ليحقّق الظهور الذي يخشى منه.

كما تاجر أردوغان من خلال تعيين أوكتاي بقضية الكفاءات، وأنّه اختار أكاديميا ذا كفاءة عالية ليكون نائبه، ويرضي من خلاله، ويسكت عبره، من يشكّك بأنّه يلغي أدوار الكفاءات ولا يفسح لأصحابها المجال لرسم السياسات واتّخاذ القرارات.

ويُعرف عن أوكتاي بأنّ سلوكه وشخصيته على النقيض من شخصية أردوغان وسلوكه، فأردوغان لا يوفّر أي مناسبة للظهور والخطاب واستقطاب الجماهير بالشعبوية والشعارات المكررة، ويحرص على أن يحتل الصدارة والمركز أينما حل وارتحل، في حين أنّ أوكتاي لا يفتعل الضجيج، ويفتقر للخطابية والأسلوب الشعبوي، ويكاد لا يخرج له صوت وهو يدلي بتصريحاته التي تكرّر أفكار أردوغان وآراءه الاستعدائية الشعبوية بأسلوب مخفف ملطف.

وكانت تقارير إعلامية – منها تقرير لموقع زمان – كشفت أن أوكتاي كان يعمل في شركة أدينت بالاحتيال على الآلاف من الأتراك المغتربين، ومعظمهم من المغتربين في ألمانيا، ما ضاعف الشكوك بتاريخه وأنّ له ملفات فساد قد يستغلّها أردوغان حين الحاجة إليها، أو إذا خرج عن الحدود المرسومة له بطريقة من الطرق.

أوكتاي الذي كان يعرف كذلك بأنّه نصير اللاجئين وصديقهم، بعد أزمة اللاجئين السوريين وتدفقهم على تركيا في أعقاب الأزمة السورية 2011، حيث كان المدير العام لإدارة الطوارئ والكوارث “أفاد” المسؤولة عن استقبال وتنظيم حياة اللاجئين، وساهم بإغاثة عدد من اللاجئين من خلال وكالته، أصبح عدوّ اللاجئين والمتاجر بقضيتهم وورقتهم، حين أعاد قبل أيّام التأكيد على تهديدات أردوغان بفتح الأبواب أمام اللاجئين السوريين للعبور إلى أوروبا إذا لم تقم الدول الأوروبية بدعم تركيا، وأشار إلى أنّ تهديدات أردوغان حقيقية وليست تهديدات إعلامية فقط.

7