نائل العدوان يكتب سيرة صحفي متمرّد وساخر

السبت 2014/09/13
القاص يُهدي روايته إلى كل "مجنون رفض أن يكون العقل قيدا"

عن دار “فضاءات للنشر والتوزيع”، في عمّان، صدرت رواية “مذكرات من تحت بيت الدرج” وهي الأولى للقاص والفنان التشكيلي الأردني نائل العدوان، بعد مجموعته القصصية “المرفأ”.

ينبه نائل العدوان قارئه في البداية إلى أن الرواية عبارة عن درجات -أربعين درجة- لا يمكن صعودها بالترتيب. لكن يمكن سماع وقع الخطوات من فوقها.

بطل الرواية أحمد، أو “سحنون”، صحفي متمرّد وساخر، وهو السارد بضمير المتكلم، يتنقل بين ماضيه وحاضره، عبر الحكي حينا، والبوح حينا آخر، بحرية مطلقة وكأنهما يسيران جنبا إلى جنب، من دون أن تفصلهما فترات زمنية، ويعرف أسرار مدينة عمان جيدا، درجاتها، قططها، رائحتها التي يعشقها، شوارعها المضمخة ببرك الماء، نسيمها، وأريجها.

ويعتبرها صغيرته التي أحبها، وكلمته التي ينسى الكل ولا ينساها، وقبلته التي لا يعطيها لإنسي، وقد خبأ مفاتيحها في جيبه الصغير. ولد وحيدا بين ست بنات في جبل التاج بعمّان، وكان يبحث عن التاج لوقت قصير، لكنه أدرك أنّه مجرد اسم بلا معنى. كان البيت الذي ترعرع فيه صغيرا، يتكون من غرفة واحدة ينام فيها الجميع، وحمام وصالة، بمعنى أنه عاش طفولة بائسة جدا، وحين كبر أصبح يقيم مع زوجته سحر في غرفة رثة، تصيبها العفونة في كل شتاء.

لا يحب أباه لأنه كان غليظا في تعامله معه ومع أمه “أنا لا أفهم حقده الذي لا ينتهي عليّ، أبي يملأ برميل الغسيل بالماء ويعاقبني كلما أخطأت أمي، يدسّ رأسي بالبرميل ثم يدفعه ويضغطه، وأختنق، لكني لا أموت”.

يترك أحمد عمله في الجريدة بسبب خلاف مع رئيس تحريرها الذي لم تعجبه مقالته الأخيرة لكونها سياسية بامتياز! وتتحدث عن فساد الحكومة.

ويقضي معظم وقته مع أقرب أصدقائه مؤنس، وتكمن معاناته في كونه صادقا وذا ضمير حي يرفض المهادنة، ويقف دائما في وجه الانتهازيين والفاسدين، وقد أودى به إحساسه المرهف إلى مأساة أقرب إلى الجنون، حيث يكشف له الطبيب أن تخطيط الدماغ لديه ينبئ باختلاط متدرج في ذاكرته قد يكون بسبب ضغط نفسي أو إجهاد عقلي، فيستقبل التشخيص بفرح، لأنه يريد أن يتخلص من عقله إلى الأبد، وهو موقف وجودي يشير إلى أن الوعي يقود إلى الشقاء.

وفي موقف آخر، حين يقرر الرحيل، يقول لزوجته سحر: “الجنون، أوده بالكامل، أنا طامح له بكل تفاصيلي، فهو حالة الأصل وحالة العقل هي الزيف بحد ذاته، يكفي تقييدا، سأدع عقلي يقرر ما يحلو له، لن أرضى بأنصاف الحلول بعد اليوم….. أستودعك السلام”.

وهنا يعيدنا الكاتب إلى الإهداء الذي دونه في بداية الرواية: “إلى كل مجنون رفض أن يكون العقل قيدا”.

وفي هذا الصدد تقول الروائية الفلسطينية مرمر القاسم: “هنا يبدو أن أحمد لم يجن إنما وصل إلى الدرجة الأخيرة في سلّم إجهاد العقل ورفض الواقع، وتلك هي أقصى درجة يمكن له الوصول إليها، ومنها يبدأ الهبوط السريع حيث يقرر العقل تجميد الماضي والبدء من جديد، فيبدو للآخرين كأنه جنّ، فلا يمكن أن يكون غير ذلك”.

وتضيف قولها: “المجنون يفقد العلاقة كاملة بالماضي أما الهارب من الواقع، والذي إذا أصابته متلازمة الانفصام يحفظ الماضي مبعثرا، وينسى لفترة زمنيّة بعض التفاصيل والأسماء، ولا ينسى اسمه، إنما يُهيَّأ للآخرين أنه كذلك بينما يعيش هو في شخصيّته الأخرى الّتي لا يدركها الآخرون من حوله، ظانين بأنها حالة جنون”.

16