نابلس تستعيد لذة حلوياتها في أواخر رمضان

قطاع الحلويات في نابلس يستعيد عافيته جزئيا خلال شهر رمضان بعد ركود بسبب فايروس كورونا ليقدم للصائمين مزيجا من الحلويات التي تضفي رونقا خاصا على المائدة.
الثلاثاء 2020/05/19
تشكيلة متنوعة تشترك في الطعم اللذيذ

تعتبر نابلس عاصمة الحلويات الفلسطينية التي تشهد عادة حركة نشيطة لبيع أنواع مختلفة من الحلويات تضفي على حياة وموائد رمضان طعما ورائحة فلسطينية أصيلة، لكن كورونا أجل هذا الموسم وأصاب المصانع والمتاجر بالكساد، ولم يفرج عنها إلا في الثلث الأخير من شهر الصيام.

نابلس- تعد مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية المحتلة، عاصمة الحلويات في فلسطين، حيث استطاع قطاع صناعة أشهى وأشهر الحلويات العربية أن يثبت نفسه ليس في فلسطين فحسب، بل وفي العالم العربي.

تتحول الكثير من المطاعم في رمضان إلى محال لصنع الحلويات، لتلبية الطلب الكبير عليها، وتعويض الصائم ما فقده من سكر خلال الصيام، فتتراجع مبيعات الكنافة التي لا تؤكل إلا ساخنة، لمصلحة حلوى أصابع زينب والعوامة والتي تؤكل بكل أوقاتها.

يقول محمد عيد الذي ينهمك منذ الصباح في إعداد عجينة القطايف في محله في شارع النصر “إن مَحَلي في الأيام العادية عبارة عن مطعم، لكنني في شهر رمضان ومع ازدياد الطلب على القطايف، أتحول لبيع هذه الحلوى، والتي يطلبها الناس بمختلف الأحجام، فمنها الصغير والمتوسط والكبير، والتي تحشى إما بالجبنة أو بالقشطة أو بالمكسرات، وهناك البعض ممن يحشوها بالشكولاتة”.

وبعد ركود هذا القطاع بسبب فايروس كورونا، استعاد عافيته جزئيا خلال شهر رمضان، ليقدم للصائمين مزيجا من الحلويات الشهيرة التي تضفي رونقا خاصا على مائدة الصائمين.

وكانت محال الحلويات قد أغلقت منذ مطلع مارس الماضي، أسوة بكل القطاعات، عقب الإعلان عن تسجيل إصابات بالفايروس، في مدينة بيت لحم جنوبي الضفة الغربية.

ومع شهر رمضان، رفعت الحكومة الفلسطينية قيود منع الحركة جزئيا في عدد من محافظات الضفة، لخلوها من أي إصابة بكورونا، ومن بينها مدينة نابلس. ويكثر الإقبال على تناول الحلويات في شهر رمضان، وعادة ما تفتح تلك المحال أبوابها طيلة الشهر بساعات عمل مضاعفة.

يقول مجدي أبوصالحة، أحد مالكي محلات الحلويات، “لا تخلو مائدة إفطار في مدينة نابلس من الحلويات، نابلس مدينة تعشق صناعة وتناول الحلويات بكل أنواعها”. ويضيف أنه “يعمل هذا الموسم بقدرة إنتاجية مقدارها 20 في المئة فقط، تماشيا مع قرار الحكومة الفلسطينية، الذي يمنع وجود عدد كبير من العمال في المصانع”.

ويتابع “نعمل كل ما بوسعنا لتلبية حاجة السوق، لأن الإقبال على الحلويات يتزايد عادة في شهر رمضان”. وكان أبوصالحة خلال المواسم الرمضانية السابقة قد اعتاد أن يزيد من عدد العمال لديه، إلا أن الأمر تغيّر هذا العام بسبب كورونا.

العاملون في مصانع الحلويات يحرصون على لبس القفازات والكمامات خلال العمل وتلبية متطلبات الزبائن الذين يعقمون أياديهم عند الدخول والخروج
العاملون في مصانع الحلويات يحرصون على لبس القفازات والكمامات خلال العمل وتلبية متطلبات الزبائن الذين يعقمون أياديهم عند الدخول والخروج

ويقول وائل الشرف الذي يعمل في مصنع أبوصالحة، بينما يعمل على إعداد فطائر بالجبن، “كان المصنع يتحول طيلة شهر رمضان لخلية نحل، نعمل نحو 12 ساعة يوميا، حين كان هناك إقبال كبير على الحلويات النابلسية”.

وبينما يصنع الشاب شرفة الفطائر، يصنع زملاء له أصنافا أخرى، ويتابع آخرون عملية نضج الحلوى في الأفران، بينما يحضر شبان في مقتبل العمر القطر (الماء المحلى)، والجبن والعجينة، والمكسرات، وغيرها من المواد المستخدمة في صناعة الحلوى.

وللمحل زبائن من مختلف مدن وبلدات الضفة الغربية وفلسطينيي 1948 (الداخل الإسرائيلي)، في حين اقتصر محيط زبائنه هذا العام على سكان مدينة نابلس وبعض البلدات المجاورة.

وكانت الحكومة الفلسطينية قد منعت دخول الفلسطينيين من داخل إسرائيل للبلدات والمدن الفلسطينية، خشية نقل العدوى.

يقول أبوصالحة إن “القطاع استعاد جزءا من عافيته بعد نحو شهرين من الإغلاق التام”، لافتا إلى “أنه تكبد خسائر مادية كبيرة”.

ويحرص العاملون على لبس القفازات والكمامات خلال العمل وتلبية متطلبات الزبائن. وعلى مدخل المتجر يمر الزبائن عبر غرفة خاصة للتعقيم قبل دخولهم وخروجهم.

وتجري عمليات تعقيم وتنظيف المتجر مرات عدة خلال ساعات العمل التي تبدأ من العاشرة صباحا حتى موعد أذان المغرب. ويقول مجدي عرفات، صاحب محل حلويات في نابلس، إن “الإقبال هذا العام أقل بكثير مقارنة مع السنوات السابقة”.

ويضيف عرفات (49 عاما)، بينما يعمل على صناعة حلوى أصابع زينب، أنه يعمل في المهنة منذ 34 عاما، وتعلمها من والده وجده، وأن “نابلس هي دمشق الصغرى، مدينة من الحلويات، شهرتها وصلت كافة المعمورة”.

ويصنع عرفات الحلويات على مدار العام، ويزداد الإقبال عادة بشكل كبير خلال شهر رمضان. يقول “رمضان كان فرصة للعمل وكسب الرزق، الناس تقبل على شراء الحلويات بكل أصنافها خلال شهر الصيام، فالحلويات للفقير والغني في شهر رمضان”.

ويعزو عرفات تراجع الإقبال إلى تردي الحالة الاقتصادية الناجمة عن تفشي فايروس كورونا والإغلاق الناتج عنه. ويصنع المحل الخاص بعرفات حلوى العوامة وأصابع زينب والطمرية والزلابية.

الكنافة خارج حسابات الصائمين
الكنافة خارج حسابات الصائمين

وتعتبر الكنافة النابلسية من أشهر أنواع الحلويات التي صنعتها مدينة نابلس وسميت على اسمها. ويحتفظ الحاج إياد خليل داود أبوسير بالرواية التاريخية لهذا الطبق التي تعود لنحو قرنين من الزمان، ويفخر بأن لجده الأكبر يد السبق في منح هذه الحلوى بصمة نابلسية بامتياز.

ففي العام 1850 وفد شاب سوري لمدينة نابلس، واشترك مع الجد الأكبر لعائلة أبوسير في محل لإعداد هذا الطبق، لكن أبوسير يؤكد أن الطبق بشكله الحاضر وبطعمه وبرائحته طبق نابلسي الأصل.

ويبيّن قائلا “كانت الكنافة في ذلك الوقت تحشى بالمكسرات واللوزيات، وبعد مرور سنتين من تأسيس المحل، ترك المواطن السوري نابلس وعاد إلى بلده، وبقي المحل لجدي، ثم دخل معه في المحل شقيقه، وعرف المحل باسم ‘حلويات غرناطة'”.

ونظرا لعدم وفرة المكسرات التي تحشى بها الكنافة، قام الجد بوضع الجبنة كحشوة بدلا من المكسرات، وكانت أول مرة توضع الجبنة داخل الكنافة وكان طعمها شهيا جدا. وحسب ما يؤكد أصحاب محلات الكنافة في المدينة، يشتهر هذا الطبق أكثر من غيره ويزداد الطلب عليه في فصل الشتاء، وفي المواسم والمناسبات كشهر شعبان، حيث يلجأ إليه الناس بحثا عن الدفء والطاقة في هذا الطقس البارد.

وإلى جانب الكنافة الخشنة والناعمة، تصنع في نابلس حلوى، فطائر الجبن وفطائر القشطة، وخدود الست، وشفايف الست، وآراتيس بالحليب، وسُرّة بنت الملك، وبين ناريين، والعوامة، وكراكيش، والهريسة، وقزحة، والقطايف، ومدلوقة، وكلاج، والبقلاوة بأنوعها، وبرمة، وبلورية. وفي أسواق المدينة القديمة ينتشر العشرات من الباعة الموسميين في شهر رمضان، يصنعون أصنافا من الحلويات التي لا تخلو منها مائدة إفطار في المدينة.

 ونابلس واحدة من أقدم المدن في العالم، ويطلق عليها اسم دمشق الصغرى، نظرا لتشابه بناء بلدتها القديمة مع حارات دمشق القديمة.

20