ناجي العونلي: المقاومة هي تغيير العالم من داخل المجتمع

الجمعة 2014/05/16
العونلي: في المقاومة لبس أنطولوجي يجعلها تترنّح بين الفعل والانفعال

نظّم قسم الفلسفة بجامعة صفاقس التونسية، ملتقى دوليا على مدى ثلاثة أيام حول موضوع الفلسفة والمقاومة بهدف البحث والتحاور والتفكير في دلالات المقاومة ومضامينها وأشكالها وعواملها وصيغها وآلياتها. وتوزّعت أشغال هذا الملتقى على أربعة محاور هي فلسفة المقاومة بوصفها أخلاقيات مادية والمقاومة والإستراتيجيات الجديدة والمقاومة وجماليات الإبداع الفني وفي صلة الفلسفة بالمقاومة على ضوء التحوّلات الراهنة والأشكال الجديدة للهيمنة في عالمنا المعاصر.

قدّمت مداخلات كثيرة ساهم بها نقاد ودارسون وأساتذة جامعيون من الجامعات التونسية والجزائرية والمصرية والمغربية والألمانية والفرنسية والبريطانية نذكر منهم على سبيل المثال ناجي العونلّي، ومحمد محسن الزراعي، ومعز المديوني وكاتب هذه السطور، وعبدالعزيز العيادي، وعزالعرب لحكيم بناني، وجلبار الأشقر، ومليكة بن دودة، وبيتر هول وورد، وسمير أمين، ولورون فوركو، وأم الزين بنشيخة، وفتحي المسكيني، وجان كريستوف ميرل، وفيليب منغيه، وبشير البعزاوي وغيرهم..


المقاومة والمعارضة


وعلى هامش هذا الملتقى التقينا بمدير قسم الفلسفة بجامعة صفاقس التونسية الدكتور ناجي العونلي الذي سألناه عن علاقة المقاوم بالفلسفة فأجاب بقوله: “من السهل على كلّ امرئ أن يربط اختيار هذا العنوان الكبير للملتقى بالتحوّلات الجارية راهنا في العالم العربي بخاصة، ولكن لا يبدو أنّ الفلسفة تقف عند التعاطي مع الراهن بوصفه الآن والهنا القائميْن في العالَم”.

ويضيف العونلّي قوله: “للتفكير الفلسفي ما يجمع بين النظر في الراهن القائم من حيث تشكّلاته ومجرياته والنظر في ما يفترضه الراهن ويقتضيه من تحوّلات وتقَلبات فكرية وسياسية، لأنه من دون هذا يبقى ذلك الجانب الأوّل مجرّد تسجيل ومعاينة لأحداث صمّاء لا تُفهم ولا يُسمع لها.

ومن منظور جنس النظر الثاني ركّزت معظم أشغال الملتقى على بيان أنّ المقاومة ليست مجرّد معارضة واعتراض سلبيّ من حيث الحفاظ على وضع قائم ومناوءة كلّ جديد، ولا هي أيضا مجرّد مطلب حقوقي لكلّ ذات يتّجه عملها نحو الخير العامّ، بما أنّ التشريع الحقوقي غالبا ما يغفل الفرق بين الشرعية والمشروعية، أو إن شئت، غالبا ما يلعب على حبل الخلط بينهما قصد التبرير والتسويغ لسياساتِ هيمنة بعينها”.

وبالنسبة للدكتور العونلي فإنه من “البيّن بنفسه من الانتفاضات الجماهيرية التي وُسمت وتوسم إلى الآن بـ”الربيع العربي”، أنّ أوّل من هرع إلى الاستفادة منها هم رأسا الحقوقيون، وأنّ أهم سبب من أسباب خيباتها المتتالية إنّما يعود إلى ما قد يُسمّى “حوْققةً” للربيع العربي، أعني تدبير مطالبه وتطلعاته والتشريع لها من منظور حقوقي بحت. في تقديري، قصور المنظور الحقوقي يكمن أساسا في أنّه لا يرى في المقاومة إلاّ معارضة أو اعتراضا سلبيا سرعان ما يتبدّلان بتبدّل موازين القوى السياسية”.


إقامة في الداخل


في تصوّر العونلي إن هذا الملتقى الفكري حول المقاومة يرمي كذلك إلى إيجاد بدائل لهذا النمط من النظرة الحقوقية القاصرة حيث أن “ما أخذ يتبلور على مرّ الأيام الثلاثة لأعمال هذا الملتقى هو أنّه من منظور فلسفة المقاومة، لا وجود لبديل عن العالم، بل إنّه لا بدائل إلاّ داخل العالَم ومع العالمين.

إن هذا ما شدّدت عليه الورقة العلمية للملتقى وما جعل المتدخلين يتفكّرون المقاومة بوصفها إقامة في هذا الداخل الذي لا فكاك لنا منه، ومثاله مداخلة الأستاذ عبدالعزيز العيادي في أنطولوجيا المقاومة التي استلهمت فكريْ توني نيغري وجيل دولوز لبيان أوّلية المقاومة وبنيتها الشبكية لتنتهي إلى التشديد على المشترَك (أو الشِرْكة في الفقر والمحبّة) محلا رئيسا للمقاومة. لكنّ هذا يقتضي إعادة النظر في “الفرضية القمعية والقهرية للسلطة” وتعقّبَ الفحص عن جنيالوجيا حركات المقاومة (من عصيان وتمرّد وانتفاضة وثورة).
الفضيلة الأنطولوجية للمقاومة تكمن في أنها محايثة لموضوعها، ما جعلها سهم (شركة إنسانية برية)

ومن ثمّ فغرض المقاومة ليس السلطة، بل هو تغيير العالم بأيدي الذاتيات الجمهورية القادرة على صنع عالم جديد يخترق وجوديا (وليس سياسيا وحسب) كلّ سلطة وكلّ نظام. ومع ذلك فالمقاومة ليست منتظِمة وليست متجانسة، بل هي تنتقل في شكل انفجارات فجائية قد يؤدّي توزُّعها وتنقّلها وكثافتها إلى إحداث شروخ وتصدّعات في العُدَد وإلى رأب شتات الجماعات الجمهورية ومن ثمّ إلى إعادة صوغ ما تقطّع من أوصال جمهرات المشترك".


علة غيرها


أما عن السؤال حول العلاقة المركبة بين المقاومة والكينونة فقد أوضح الدكتور العونلّي قائلا: «هذا السؤال هو تحديدا ما حاولت أن أشتغل عليه في ورقتي العلمية على أساس التساؤل: هل يمكن للمقاومة أن تكون علّةَ ذاتها؟ فعنوان “في فلسفة القوْمة، لا المقاومة وحسب” يشي في حدّ ذاته بأنّ في المقاومة لبسا أنطولوجيا مكينا يجعلها تترنّح بين الفعل والانفعال والارتكاس حيث أنني لم أجد حيلة في تدبير هذا اللبس إلاّ بالعمل على تحليلية فلسفية في المقاومة من منظور الاقتدار (وليس من منظور السلطة وحسب)، ولهذا اشتغلت على استنطاق منطق المقاومة بالرجوع إلى شبكة الحروف التي تتصدّر الجذرين الألماني واللاتيني، ومن ثمّ أخذ يتبيّن لي أنّه بالنظر إلى أنّ الكينونة مطلق تقرّر وتوكُّد ذاتييْن، ليس للمقاومة إلاّ أن تكون علّة غيرها وتتنزّلَ بالتالي ضمن منطق القيمومة أو القيام الذاتي شريطة أن نخرج به عن خطة الوعي الذاتي أو مجرّد الاستيعاء. إن الفضيلة الأنطولوجية للمقاومة تكمن في أنّها ، وإن لم تكن بدئيا علّة ذاتها، محايثة لموضوعها، وتكوّن ضربَ أو حال كينونة، أعني دوّامة الانفعالات والأهواء وردود الفعل والتوتّرات التي تجعل منها سهمَ “شركة إنسانية برّية” حيث تتصارع وتتغالب، وتترابط وتتحالف اقتدارات بما أوتي لكلّ اقتدار من الحيلة في التعاطي مع القوى الداخلية والخارجية..».


الاستغراق في الهوة


تبدّى الطابع المركَّب للمقاومة من خلال مداخلة الأستاذة مليكة بن دودة الموسومة “دمى روسية” كما يلاحظ الأستاذ العونلي: «إن طرافة المقاربة من خلال هذه الصورة المجازية تكمن في اقتران المقاومة لدى حنة أرندت بالاستغراق في الهوة وفي الجمع بين سيرة المقاومة لدى رحيل فارنهاجن المنبوذة في عصر التنوير الألماني وروزا لوكسمبورغ المنخرطة في العالم أثناء “الأزمنة الظلماء”، وبين كتابة سيرتها الفكرية في مقاومة تحريف مهمة الفلسفة والفكر أثناء صعود نجم الفيلسوف الثعلب مارتن هيدغر».

وفي الأخير حدثنا الدكتور العونلي عن ردود الفعل على عقد ملتقى دولي حول الفلسفة والمقاومة في تونس مبرزا: «لكي أصدقك القول، كنّا في بادئ الأمر في لجنة التنظيم، ننتظر بعض مجابهة أو معارضة ولكنَّ شيئا من هذا لم يحدث، باستثناء مجرّد مقاومة فيزيقية وإدارية، أعني عراقيل ومعوقات سرعان ما ذُلّلت، ربّما لأنّ قسم الفلسفة في صفاقس قد اكتسب بعض مناعة فلسفية من حيث أنه درج على اختيار موضوعات مربكة وغير مألوفة (من مثل الأخلاقيات والسياسة في 2002 والحداثة المغايرة في 2008).

ولذلك ترى ملتقى “الفلسفة والمقاومة” متّصلا من حيث النهج الفلسفي في جامعتنا ومع ذلك الذي وسمه ابن رشد بـ”المشاغبية”، وربّ مشاغبة مقتدِرة أرسخ من مجرّد مناهضة السلطان، أو لنقل: ربّ قلم أحسم وأقدرُ من سيف».
15