ناجي شاكر مُحرّك البشر بخيوط العرائس في سيرك الحياة

شخصيات الفنان التشكيلي الراحل ناجي شاكر احتلت مواقعها على خارطة الأرض مثل أبطال روايات نجيب محفوظ الذين حسبهم القراء أفرادا حقيقيين من فرط التصاقهم بالواقع.
الثلاثاء 2018/08/28
صانع العالم بأصابع فنان وقلب طفل

لم يكن التشكيلي ومصمم الديكور ناجي شاكر الذي رحل عن عالمنا قبل أيام، في تمصيره الأسطوري لفن عرائس الماريونت مجرد محرّك للدمى بخيوط حريرية حساسة من أجل الإمتاع البصري وإدخال البهجة إلى قلوب الصغار والكبار على السواء، لكنه فوق ذلك صاحب فلسفة متكاملة ورؤية عميقة لسيرك الحياة المقام، ومولدها الشعبي الصاخب المنعقد بلا انقطاع.

شاكر، المغامر بلا صخب، المبتكر بغير ادعاء، كان بإمكانه ببساطة تحريك البشر بأصابعه أمام أنفسهم، فيتأملون ويفيقون ويتفهمون، ويتمتعون أيضا، وربما يسخرون.

الساحر هنا يكشف بألعابه المذهلة كل ما يعتمل في القلوب، وتضمره الصدور المغلقة كصناديق التخزين العتيقة، ولديه دائما مفتاح الولوج، لأن قلب الطفل الكائن بين جوانحه يسع الوجود بأسراره، ويتفهم معنى الضوء بأبعاده المركبة.

أكثر من شخص واحد

يمتلك شاكر جملة من المواهب يندر أن تتكرر لدى فنان واحد، فأستاذ الديكور في كلية الفنون الجميلة، الحاصل على جائزة الدولة التقديرية والعديد من الأوسمة الدولية، تشكيلي مرهف رائق، يعرف كيف يستشف النور الكامن خلف ملامح الوجه، وهو سينوغرافي بارع في تصميم ديكورات وملابس أفلام ومسرحيات من العيار الثقيل، ونسيج وحده في “فن العرائس”، وأبوه الروحي بامتياز.

سار في شبابه عكس التيار ككل فاتح طريق، معلنا التحدي منذ دراسته الأولى في كلية الفنون، وعند إعداده مشروع الدبلوم اختار فن العرائس، وحينها عرض فكرة مشروعه على أساتذته، فسألوه بإشفاق واندهاش “دُمى تعمل مشروع التخرج عن الدُمى”.

يسمي البعض حقبة الستينات في القرن الماضي، بالعهد الذهبي في تاريخ الثقافة المصرية، حيث دأبت الدولة على رعاية الفنون والآداب، والإنفاق عليها ببذخ رغم ضعف الميزانية العامة، وكان للمسرح نصيب كبير من الاهتمام الرسمي، باعتباره الأقدر على مخاطبة الناس بشكل مباشر، والتأثير عليهم من خلال الإقناع والإمتاع، ومن ثم الإسهام في نشر الأفكار والاستراتيجيات القومية.

جنون العرائس

شاكر يمتلك جملة من المواهب يندر أن تتكرر لدى فنان واحد، فأستاذ الديكور في كلية الفنون الجميلة، الحاصل على جائزة الدولة التقديرية والعديد من الأوسمة الدولية، تشكيلي مرهف رائق أيضا
شاكر يمتلك جملة من المواهب يندر أن تتكرر لدى فنان واحد، فأستاذ الديكور في كلية الفنون الجميلة، الحاصل على جائزة الدولة التقديرية والعديد من الأوسمة الدولية، تشكيلي مرهف رائق أيضا

التقت طموحات شاكر، المطّلع على الفنون البصرية بالخارج واتجاهات مسرح العرائس في إيطاليا والدول الغربية، مع القناعة المؤسسية بدور المسرح وأهميته في مطلع الستينات، فكانت تجربته الطليعية في تصميم دمى وديكور مسرحية “الشاطر حسن”، التي افتتح بها “مسرح العرائس” في مصر، لتتبلور منذ ذلك التاريخ مدرسة جديدة في ميدان المسرح بمصر، يمكنها أن تفعل ما لا تفعله المسرحيات التي يؤديها الممثلون.

يختلف مسرح العرائس عن فنون خيال الظل وعروض الأراجوز المبسّطة المعروفة آنذاك في الثقافة الشعبية، فهو يسمح بتقديم عروض ناضجة من خلال العرائس التي تنوب عن الممثلين التقليديين، ويبدو هذا اللون الجديد أكثر تحررا من مسرح الممثلين، فهذه العرائس متعددة الوظائف بين التسلية والإضحاك والإمتاع والتثقيف وتغذية الوجدان بالقيم والأخلاقيات والمفاهيم، على نحو أكثر إيجابية في التأثير على الصغار والكبار.

من طبيعة البشر ميلهم إلى تصديق من لا يخاطبهم بشكل مباشر، والتفاعل بإيجابية مع الرسائل التي تأتي من وراء أقنعة مصحوبة بقدر من الخيال والتشويق والإثارة. هكذا، شق مسرح العرائس دربا سحريًا لتحريك قلوب البشر من خلال خيوط خفية.

كان ذكاء ناجي وتفهمه طبيعة الفن الجديد الذي يقدمه والنجاح الجماهيري الذي فاق التوقعات، من عوامل تطور مسرح عرائس الماريونت في وقت قياسي، ليلبي الرغبات الشعورية واللاشعورية للمتفرجين، المتطلعين إلى قراءة ذواتهم وأحوال مجتمعهم في مرايا جاذبة.

هذه الخلطة العجيبة بلغت نضجها بسرعة البرق، مع المسرحية الأبرز “الليلة الكبيرة” في العام 1961 التي صمم عرائسها ناجي شاكر، وكتبها صلاح جاهين، ولحنها سيد مكاوي، لتتأكد من خلال العرض الذي حظي بصدى منقطع النظير ونال جائزة مهرجان بوخارست الدولي برومانيا فلسفة ناجي شاكر ومقولاته بشأن “تفوّق العرائس على البني آدمين”.

لم يتوقع شاكر ذلك الصدى والإقبال الجماهيري على لون فني لم يكن معروفا في ذلك الوقت بمصر، لكن الذي حدث أن “صالة المسرح كانت كومبليت في كل ليلة، وكنا قد اعتقدنا أن الأطفال فقط هم الذين سيتعلقون بالليلة الكبيرة، لكن الجمهور كان من كل الأعمار، وهذا ما لم نتخيله”، برواية شاكر.

العرائس، في أصابعه ليست دمى، وإنما لها أرواح، فكل شخصية احتلت وجودها على خارطة الأرض، شأنها شأن أبطال روايات نجيب محفوظ الذين حسبهم القراء أفرادا حقيقيين من فرط التصاقهم بالواقع، وهكذا شأن “العمدة” و”لاعب البخت” و”بائع الحمّص” و”المصوّراتي” و”الرقّاصة” وغيرهم من شخصيات مسرحية “الليلة الكبيرة”، التي رصدت ليلة المولد النبوي، ولخصت ملامح الحياة الشعبية في القرى المصرية بشكل كامل، عبر ساعة واحدة من التكثيف الفني الاستثنائي.

في “الليلة الكبيرة” تجسيد لانتصار رؤية شاكر، فالعرائس فعلت ما لم يكن يستطعه الممثلون، فهذه الكائنات الناعمة الجامعة بين الجد والهزل ألصقت بخيال الإنسان منذ فجر تاريخه الحضاري، وهي المحرك المدهش المثير للمشاعر والرغبات، كما أن قوتها الروحية مضاعفة، لتلبُّسها الأساطير والسير الشعبية والقصص الخرافية.

كما أن الرسائل السياسية والاجتماعية، المؤيدة أو المحايدة أو المنتقدة من قبيل “فتَّح عينك، تأكل ملبن (نوع من الحلوى). فينك فينك، تأكل ملبن. أوعى لجيبك، لا العيب عيبك، قرب.. جرب.. نشن”، يمكن تمريرها بسلاسة وسلامة أكثر في مسرح الهواء الطلق من خلال العرائس، التي هي في أوقات الخطر ليست من جنس البشر الحاليين، بقدر ما أنها سليلة مسرح العرائس القديم لدى الفراعنة والصينيين واليابانيين وبلاد ما بين النهرين.

أدرك شاكر مبكرا أن حياة الفن مرهونة بأن يكون فن حياة، فالليلة الكبيرة عرض نابع من حياة المصريين وتراثهم ومعتقداتهم، والثنائي صلاح جاهين وسيد مكاوي يملكان حسا فكاهيا كبيرا، فمكاوي يجيد إلقاء النكات وجاهين رسام كاريكاتير حتى النخاع، وبالتالي فإنه من الطبيعي أن يقدما عرضا كله فكاهة وسياسة أيضا.

خصوصية عرائس الماريونت أكسبتها مرونة وليونة وانسيابية، بخلاف الدمى الخشبية، فهي بملابسها وحركاتها ورقصاتها وأصواتها تجسد شخصيات حية، فيتوحد معها المشاهدون، الآملون في التحرر من قيود ذواتهم المنكمشة، ومن كابوسية الواقع المحيط، والانطلاق إلى حياة بديلة في عالم مواز.

براعة مزدوجة

مسرح العرائس يختلف عن فنون خيال الظل وعروض الأراجوز المبسّطة المعروفة في الثقافة الشعبية، فهو يسمح بتقديم عروض ناضجة من خلال العرائس التي تنوب عن الممثلين التقليديين، ويبدو هذا اللون الجديد أكثر تحررا من مسرح الممثلين
مسرح العرائس يختلف عن فنون خيال الظل وعروض الأراجوز المبسّطة المعروفة في الثقافة الشعبية، فهو يسمح بتقديم عروض ناضجة من خلال العرائس التي تنوب عن الممثلين التقليديين، ويبدو هذا اللون الجديد أكثر تحررا من مسرح الممثلين

براعة شاكر مزدوجة، فهو يُحمّل العرائس طاقات لا يتحملها الممثلون التقليديون من البشر، ويدمج المشاهدين بهذه العرائس حدّ التوحّد، لتنشأ بين الطرفين علاقات تسمح بتمرير رسائل متبادلة، لدرجة أن المشاهدين يكادون يرصدون استجابة العرائس لهم في مواضع مختلفة، فمسرح العرائس ليس تلقينيّا أحاديّا.

شخصيات “الشاطر حسن” و”الليلة الكبيرة” و”بنت السلطان” و”حمار شهاب الدين” وغيرها، كائنات من لحم ودم، أخذت من شاكر في ملابسها وحركتها الجهد ذاته الذي بذله في تصميم ملابس أبطال الأعمال الدرامية من البشر، كما في فيلم “شفيقة ومتولي” للمخرج علي بدرخان، بطولة سعاد حسني وأحمد مظهر وأحمد زكي، وفيلم “صيف 70” الذي كتبه وأخرجه بنفسه، ومسرحية “الزير سالم” لألفريد فرج، ومسرحية “شغل أراجوزات” للمخرج أحمد إسماعيل.

من عوامل نجاح ناجي في بلورته فن العرائس، أنه لم يستسلم لقوانين الوافد الغربي في هذا المضمار، فالرجل أعلن مبكرا أنه يقيم فنًا مصريا أصيلا، ومن ثم فإن العرائس شخصيات مصرية حتى النخاع، جذورها ضاربة في التربة، وتفاصيلها مستوحاة من البسطاء والعاديين الذين يجوبون الشوارع ويرتادون الأسواق.

كفل هذا التوجه الوصول إلى قاعدة عريضة من جمهور المسرح ومحبي الفنون، فالعرائس المصرية كما يوضح ناجي شاكر “تدخل القلب على طول، والدليل على ذلك أنه عندما عُرضت مسرحية الليلة الكبيرة في أوروبا، كان الجمهور لا يفهم ما تقوله العرائس، لكن شكلها أبهرهم وجعلهم يصفقون عند العرض ويشعرون بالسعادة”.

هذه العرائس، في أعماله لا تتحرك من تلقاء ذاتها، إنما وفق قواعد ومسارات درامية، وإن كانت مستقاة من الواقع، فإن كل واحدة تحمل جانبا خفيّا من شخصية الفنان ذاته، ونبعه الداخلي الذي يغذيه بالتثقف المعرفي، والنهل من الحياة.

تعامُل شاكر مع الفن، كهاو فطري، يبدو غير متعارض مع رؤيته الصارمة لهذا الفن كقيمة مجردة، وكعنصر فعّال من عناصر النهضة والتقدم المجتمعي والرقيّ الإنساني، وكانت هذه الأطروحات سائدة في العهد الناصري باعتبارها مسلّمات، وظل مؤمنا بهذه القيم التي ربما وصفتها أجيال لاحقة بأنها شعارات، فمن رأيه أن “المسرح عمود فقري لعقل الشعب وخياله”، ويجب أن يظل “ممثلا لكل فئات الشعب”.

الهزيمة والتراجع

"الليلة الكبيرة" تعد خلطة عجيبة لا تزال تؤثر في المتلقي، صمم عرائسها ناجي شاكر، وكتبها صلاح جاهين، ولحنها سيد مكاوي.
"الليلة الكبيرة" تعد خلطة عجيبة لا تزال تؤثر في المتلقي، صمم عرائسها ناجي شاكر، وكتبها صلاح جاهين، ولحنها سيد مكاوي

يدين شاكر لفترة المد الناصري ليس فقط بأفكاره، وإنما بوجوده، فلهذه المرحلة الفضل في إنشاء مسرح العرائس، وتأسيس فرق تجوب المحافظات، وتشارك في المحافل الدولية، ويعترف بأن الحلم الجميل لم يدم طويلا، إذ جاءت هزيمة يونيو 1967 لتكسر القلوب، وتغير المفاهيم، وصارت الدولة في عهد الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك أقل اهتماما بالفنون، بل إن المسرح تعرض إلى ما يشبه التهميش.

معلّم الأجيال ناجي شاكر، هو تشكيلي بدرجة فنان “فائق الحساسية”، فمثلما أن شخصياته وعرائسه من دعائم الذاكرة البصرية والوجدانية والشعبية، فإن لوحاته تستمد بريقها وصفاءها ونقاءها من الإشعاع الموجود بذاته في الوجوه والقلوب والملامح والمناظر الطبيعية التي يصوّرها، وتأتي جميعها بنكهة مصرية خالصة.

بداية شاكر كعازف للكمان، في صباه، لا يمكن إغفال تأثيرها في تجربته كفنان تشكيلي، فهو رسام الدفقات المنثالة والخطوط المرنة والفيوضات السائلة، وتتناسق ألوانه عادة وفق هارمونية محبوكة ومنظومة إيقاعية حاكمة.

لم يقف عند حد التصوير، لكنه قطع أشواطا في رحلة التجريب والأعمال المركبة، كما في تجربته “حديث الضوء”، التي استوعبت باقتدار وحدات هندسية يتحقق فيها البُعد الرابع عبر مزج الألوان والتصوير والإضاءة، فضلا عن إفساح المجال للموسيقى لتتداخل مع التكوين أثناء العرض، وهذا الإيمان بالضوء كان ملازما أيضا للفنان في أعماله المسرحية، اعتقادا منه بأن “التشكيل الضوئي هو الذي يصنع الطقس النفسي للمشهد”.

اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة من أبرز سماته كفنان، في التشكيل أو في التصميم، فهو حريص على الالتقاط والانتقاء من بين الركام، بوصف الفن نفسه حالة اختزال وتكثيف للحظات المجانية الاعتيادية في الحياة، لذلك جاءت شخصياته علامات، ولوحاته رموز دالة وإحالات إلى ما هو أكبر وأشمل في الوجود.

ناجي شاكر حالة نادرة من حالات الانسجام والاتساق، وتماهي الفنان مع شخوصه ومفرداته وتصاميمه وألوانه وأدواته، فالفن عملية حيوية، والحياة مكابدة فنية، وحركة الإنسان الدائمة هي رحلة اكتشاف غايتها وصوله إلى ذاته.

13