نادرا ما نقرأ في العربية كتابا نقديا كاشفا

اتجهت، اليوم، الكثير من التجارب في الكتابة إلى جنس القصة لما فيها من تكثيف للغة مجازية تشتبك صورها في مجملها مع تجليات الذات والعالم، لتقدم رؤى وومضات ومشاهد مشحونة بتناقضات الحياة وما تزخر به من أسرار. ومن الأقلام التي بدأت تخط مسيرة في عالم القصة الكاتب والمسرحي السعودي عبدالله إبراهيم عقيل الذي التقته “العرب” لتحاوره بشأن تجربته المسرحية والقصصية وآرائه وأفكاره في الحركتين الإبداعية والنقدية.
الثلاثاء 2016/08/16
القصة جنس أدبي قائم بذاته ومؤثر في الساحة

انعكست التجربة المسرحية للكاتب عبدالله عقيل على تجربة كتابة هذه المجموعة، حتى لتبدو لنا خشبة مسرح تتبادل عليها الرؤى زخمها الإنساني دون إطالة أو ثرثرة، كل نص يؤدي دوره في إطار رؤية كلية تسعى إلى كشف اضطرابات الروح في مواجهة التناقضات، وقد أصدر حديثا مجموعة قصصية بعنوان “أخرقتها لتغرق أهلها”، تضم 47 نصاً تجمع بين القصة القصيرة والقصيرة جدا.

دور البيئة

عن بداياته وتجربته، يقول القاص والمسرحي عبدالله عقيل “ولدت تجربتي المتواضعة بعد أن مرّت بعدة مراحل وأستطيع تصنيفها ابتداء من البيئة كمرحلة أولى ودورها المهم في انعكاسها على حياة الفرد. أفقت منذ نعومة أظفاري على والد قارئ نهم وعاشق للكتاب في وقت لم توجد فيه أي مصادر للتعلم سوى التعليم النظامي ودفتي الكتاب.

وقد كان لرفقة عمتي رجاء وخالتي الروائية ليلى عقيل بين أرفف المكتبات بالغ الأثر في توجيهي وتنمية هواية القراءة إبان مراهقتي والتي أصبحت احتياجا مهما في حياتي. كنت منبهراً بالعوالم الفنتازية والأنثروبولوجية التي أقرأها وأحياها؛ فقد كانت محركاً مهماً للغوص في حيوات لولا القراءة لما وجدت ولما كانت، والتي انعكست على تكويني الفكري بعد بضع سنين وأصبحت شغفاً وبحثاً عن خلق عوالم متخيلة أشاركها ومحبي القراءة دون اعتبار للزمان والمكان”.

ويضيف “بدأت المرحلة الثانية بانضمامي إلى قسم المسرح بالجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون ممثلاً ومخرجاً فقرأت نتاج كل المدارس المسرحية وكذلك نتاج كبار المسرحيين العالميين وأعزو الفضل في ذلك إلى حركة الترجمة والمترجمين الأوائل الذين نقلوا الآداب العالمية إلى العربية وإن كانت أقل من المأمول وفي ذات الوقت دعمت مكتبتنا العربية بما تحتاجه من آداب ومعرفة.

أغرتني التجربة المسرحية للخوض فيها كاتباً، وهنا بدأت المرحلة الثالثة من مراحل تطور التجربة وهي الكتابة للمسرح، والتي ولدت من رحمها تجربة الكتابة القصصية التي نحن بصدد التحدث عنها. فبعد كتاب “الحذاء المنتظر- نصوص مسرحية” الصادر في 2015 عن نادي جازان الأدبي بالتعاون مع الدار العربية للعلوم ناشرون، صدرت المجموعة القصصية “أخرقتها لتغرق أهلها”، وهو الكتاب الأول في الأدب القصصي. وحتماً لن تكون تجربة يتيمة فحاليا أعمل على تجربتين منفصلتين الأولى مسرحية والأخرى قصصية ولن ترى النور قبل سنتين من الآن. أثق بأن من يكتب للمسرح حتماً سيكتب كل الأجناس الأدبية”.

جمع بين القصة القصيرة والقصيرة جدا

يرى عقيل أن الأساس يكمن في “حرية السؤال والبحث عن ذات غير مؤطرة تحلِّق أينما شاءت وكيفما تشاء، ولا خضوع لإطار الرأي الواحد ولا الوقوف لمراقبته في هذا العالم “القرية” بل تجاوزه بلا التفاتة. هذا مفهوم مهم يساهم في رفع سقف الإبداع وتعدد تجارب الكتابة، فقد كان ولا يزال أحد الروافد الأساسية المسافرة بدورها منذ الأزل بثقافات وحضارات الشعوب في مثاقفة وانفتاح فكري متجاوزة الحدود، ومعززة أسباب التواصل الإنساني في خوض مغامرة معرفة الآخر واستقصاء مدى خبراته وتحديه لهمومه الإنسانية كي يبقى في حالة تشظّ تغذي رغبة عارمة في خوض مغامرات البحث عن حيوات أخرى قد لا يتسع العمر لعيشها كلها”.

وحول حضور القصة القصيرة في لحظتها الراهنة خاصة مع الازدهار الروائي القائم، يشير إلى أن القصة القصيرة أدب حديث ولد من رحم الرواية وعلى الرغم من ذلك تسجل حضوراً فاعلاً يتطور ككل الآداب ودليل ذلك ظهور فن “القصة القصيرة جداً” التي لها مريدوها كتاباً وقراءً. ويلفت عقيل إلى أن القصة القصيرة في العالم العربي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر وتأخر ظهورها سعودياً إلى بداية القرن العشرين وارتبطت ولادتها الحقيقية بالصحف؛ فقد كانت في شكل مقالات تعنى بالجانب الاجتماعي.

تأثير الأحداث

يوضح عقيل “عربيا وخاصة في مرحلة الستينات تأثرت الأصوات الأدبية بما حولها من ثورات ومقاومة للمستعمر الإمبريالي وقد تلى هذه المرحلة تحول ثقافي واجتماعي وسياسي، وأثر هذا التحول على الأدباء السعوديين إضافة إلى التحول الاقتصادي وزيادة أسعار البترول. الكثير من التحولات ساهمت في تنوع المواضيع التي تناولها الأدباء كالتحول من المجتمع القروي إلى المدني وحالة الاغتراب المكاني والثقافي والفكري ومؤخراً الاغتراب الزماني بعد غزو التقنية”.

ويؤكد عقيل أن “الأصوات القصصية سواء أكانت عربية أم سعودية مرت بأجيال متعاقبة قبل أربعينات القرن الماضي وأثرت الساحة الأدبية بإبداعات وتجارب تعددت مشاربها، منها ما حُفظ ووصل إلينا ومنها ما اندثر وطواه النسيان، ولكنه سيبقى جنسا أدبيا قائما بذاته ومؤثرا في الساحة حولنا ويتجلى ذلك في الإرث الموجود في مكتبات عالمنا العربي”. وينفي الكاتب وجود أزمة في القصة القصيرة ويقول “ليست أزمة بمعناها المجرد، هو تحدٍ لممارسي فن القصة القصيرة وبإمكان ممارسيه تجاوز السائد والارتقاء بالقادم وذلك بابتداع أشكال قصصية لم تطرق من قبل إضافة إلى تكثيف اللغة الشاعرية والغوص عميقاً في إيحاءاتها”.

وفي ما يتعلق بمواكبة الحركة النقدية لحركة القصة القصيرة، يرى عقيل أن النقد الأدبي نسق معرفي اختلفت توجهاته بتوجهات ممارسيه، فمنهم من يمارسه لأجل الإصلاح ومنهم بقصد المجاملة ومنهم لأجل الهدم. أحيانا لا نرى نقداً أدبياً فنقول مات النقد الأدبي، وأحيانا أخرى يسير ببطء حتى ننساه متوقعين موته في أي لحظة.. نادراً ما تقرأ خطاباً نقدياً يكشف أن ذلك العمل هو مادة خام للتفكير، وله خصوصيته وبيئته التي أوجدته أو ولدته! كما أنه من الظلم وضع المبدع في قالب جامد تتم قولبته وتصنيفه حسب البعض من النظريات الجامدة التي أثبتت عجزها عن اللحاق بخيال المبدعين. وبنظرة متفائلة، من الجميل أن تظلّ الخطابات النقدية تسير وربما يتغير الحال في قادم الأيام.

14