نادرة محمود العمانية التي تطل برسومها على العالم

نادرة محمود رسامة لا تكره المعنى، بل أن المعنى العميق هو ما يشكل مصدر غواية في رسومها.
الأحد 2019/01/06
نادرة محمود رسامة بلاد مغمورة بالسحر

 “الأقل يكفي” هذا ما يقوله فنها من خلال تقنية تستند إلى الزهد في المواد والغنى في التعبير. هي مقولة صادمة من جهة ما تنطوي عليه من قدرة على الحسم في الخيار بين الرؤية لذاتها وبينها “الرؤية”، باعتبارها وسيلة للفهم في عالم تتسارع تحولاته.

عام 1989 حين عرضت رسومها في الشارقة لأول مرة، كشفت نادرة محمود عن أن عناصر مغامرتها لا تصلح لأن تكون غذاء مباشرا للحواس، بوظائفها التقليدية. كانت هناك وظائف جديدة لحواس هي الأخرى كانت في طور التجريب والتشكل.

تخيل ما لا تراه

عليك أن تتخيل شكل الطائر ما أن تسمع خفقة جناحيه. عليك أن ترى النهر ما أن يصل إلى مسمعك خرير مياهه. شيء من رقة قطرة مطر بعد أن تكون قطرة المطر قد تبخرت. اللمسة التي تترك أثرا منها على الجدار بعد أن تكون اليد التي خلقتها قد اختفت. ستكون الرسوم مساحة للذكرى، لقاء مرهفا بين الحواس على مائدة الحدس.

أكان ممكنا والحالة هذه أن تكون نادرة جزءا من المشهد الفني العماني؟

تدرك الرسامة أنها ولدت منذورة للاختلاف، بدءا من هشاشة عظامها في طفولتها التي عاشتها في بغداد وليس انتهاء بالمنحى التجريدي الذي اتخذته رسومها، وهو منحى يجعلها تنتمي إلى الأقلية العاكفة على اختلافها، حتى حين يكون التجريد أسلوبا مشاعا في الرسم. 

هذه الرسامة لا تكره المعنى. بل أن المعنى العميق هو ما يشكل مصدر غواية في رسومها. فتلك الرسوم وهي تنتمي بقوة إلى التيار التقليلي في الفن المعاصر لا تجرد العالم المحيط من مظهره المرئي، بقدر ما تسعى إلى الوصول إلى جوهر ذلك العالم بأقل ممكناته البصرية وأكثرها كفاءة.

هي معنية إذا بالمعنى، لكن من غير أن تخضع للشروط الشكلية التي تطرحها المضامين والموضوعات التي يشتبك بها ذلك المعنى.

عُمان التي لم تُرسم بعد

التشكيلية العمانية تسعى إلى تسعى إلى الوصول إلى جوهر العالم بأقل ممكناته البصرية وأكثرها كفاءة
التشكيلية العمانية تسعى إلى تسعى إلى الوصول إلى جوهر العالم بأقل ممكناته البصرية وأكثرها كفاءة

ولدت عام 1950. درست الحقوق في بيروت غير أنها لم تعمل في ذلك المجال بل فضلت أن تتفرغ للفن، فنانة وناشطة في مجال الفنون حين أسست عام 1993 صالتها “رواق الفنون” في فندق “انتركونتننتال مسقط”. عام 1989 كان مفصليا في مسيرتها الفنية. يومها أقامت معرضها الشخصي الأول في الشارقة. حينها لفت ذلك المعرض الأنظار إلى عالمها الجمالي الخاص. بعده أقامت الفنانة معارض شخصية في دمشق وسوسة والقيروان وبرلين والكويت والمكسيك وبيروت وطهران ومسقط.

شاركت عام 1994 في ندوة “إيداع المرأة العربية” التي أقامها معهد العالم العربي بباريس. في العام نفسه عرضت أعمالها في المتحف الوطني لفنون المرأة بواشنطن. نالت جائزة السعفة الذهبية في المعرض الذي أقيم لفناني دول مجلس التعاون الخليجي في الدوحة عام 1992. وفي عام 2001 عملت مع المخرج الإيطالي روبرتو تشولي في مشروع “طريق الحرير”.

ولكن ماذا عن ذلك العالم الجمالي الذي لفت الأنظار إليه ووضعها ضمن قائمة الفنانين العرب الذين ينتمون للحداثة الفنية العالمية في جزئها الذي نضج بعد ستينات القرن العشرين؟ ما الذي فعلته نادرة لتستحق تلك المكانة؟ 

تدعونا رسوم نادرة إلى أن نقوم بنزهة جمالية لا تخلو من نزعة إلى التطهر. هل يكمن السر في بياض سطوح لوحاتها؟

ولكن الرسامة كانت قد استعملت الأصباغ كما لو أنها كانت مقبلة على عالم بهيج. وفي الحالين كانت تتحاشى صنعة التجميل.

سأكون واضحا أكثر. في عالم الأحبار والأصباغ المائية على الورق هناك مجال لممارسة الحيلة، حيث تكون لتقنية استعمال المواد سلطة جمالية شبيهة بتلك السلطة التي يمارسها الفنان. وتكون النتائج حينها حقا متنازعا عليه بين الفنان ومواده. فلا يمكن الفصل بين النتائج التي تم التوصل إليها عفويا وبين النتائج التي كانت مقصودة لذاتها. هناك علاقة سرية لا يفصح عنها الظاهر من العمل الفني. ولأن نادرة كانت حريصة على ألا ترفع يدها عن الورقة، كما كانت تفعل وهي طفلة، فقد حاولت بقوة ألا تسمح للمواد وهي تتفاعل في ما بينها أن تتكرم عليها بحلول جمالية، هي في حقيقتها محاولة لخداع المتلقي والتسلل إلى عينيه بما يُدهشهما بصريا. ألهذه الدرجة تثق الرسامة بالرسم، حتى من غير مواده وبركات تجلياتها؟     

يُخيل إلي أن هذه الرسامة كانت ولا تزال مطمئنة إلى الرسم، أكثر من أن تكون واثقة بالمواد التي تجعل الرسم ممكنا. سيكون لديها دائما متسع من الوقت لكي تنأى بنفسها بعيدا عن سحر المواد، ولكن تلك المواد وهي تشارك في صنع اللوحة لا تتخلى عن حقها في أن ترى أثرها المضاد. تعيش نادرة إذا صراعا خفيا، بين الرسم ومواده، تسعى من خلاله إلى الإخلاص إلى نزعتها التقشفية، فتود لو أنها التقطت المعنى الإنساني عاريا من بلاغته الزخرفية.       

لقاء الإيقاع بالإيقاع

اللمسة التي تترك أثرا منها على الجدار بعد أن تكون اليد التي خلقتها قد اختفت
اللمسة التي تترك أثرا منها على الجدار بعد أن تكون اليد التي خلقتها قد اختفت

تزعم محمود أن لوحتها لم تُرسم بعد. كل الرسامين الحقيقيين يقولون ذلك. لم ينبت لواحد منهم جناحان ليرى من فوق، مثلما فعل الإدريسي من قبل في خارطته، حقيقة موقعه على الخارطة. ما تقصده الفنانة بتلك اللوحة يتعلق بالمصير المجهول لفنها. وهو شعور استثنائي لا يمت للتقييمات الإعلامية وحتى الثقافية الراهنة بصلة.

ما من أحد من كبار المتعبدين في إمكانه أن يقول لك “إن لي مكانا محجوزا في الجنة”. يدرك الفنانون أن الخلود قد يخطئهم. ربما كان سيزان استثناء. كان الرسام الفرنسي يرنو إلى اللوفر ووصلت أعماله إلى ذلك المتحف العريق.

حيرة محمود لا تتعلق بالخلود. شيء كبير منها يذهب إلى محاولة فهم المعنى. معنى أن يكون المرء رساما.

لقد قُدر لها أن تكون عمانية، وكانت في كل ما فعلت عبر مسيرة حياتها مخلصة إلى هذا القدر، ولكنها وقد أصبحت رسامة، كان عليها أن تواجه قدرا مزدوجا. فما معنى أن يكون المرء رساما عُمانيا؟

بالنسبة لمحمود فإن ذلك التعبير كان ينطوي دائما على مشكلة وجودية، غاية في التعقيد. مثل ذلك الشيخ الذي ألتقيته ذات مرة في نزوى، هي تعرف أن المخطوطة لا تغير كلماتها، غير أن المعاني تتغير دائما. جعلتها فكرتها السائلة عن الزمن قادرة على أن تكون جزءا من عُمان الحقيقية، لا من عمان الواقعية. ما لم يُرسم بعد هو جزء من خيال ذلك البلد الذي لا يكف عن الحلم الأبدي.

لم تر الرسامة من بيئة بلدها سوى ذلك الخط الأبيض الذي يحيط بزرقة البحر. لم تغرها المشاهد المعمارية بقدر ما سحرتها رائحة البحارة القادمين من بعيد. لم تأسرها عمان التي رآها المستشرقون في هيأة بلد يغفو على أسطورته التي هي مزيج من سفن عائدة إلى الميناء وجمال عابرة للصحراء.

عُمان بالنسبة لابنتها اللواتية هي شيء آخر. شيء أشبه باللوحة التي لم تُرسم بعد. شيء يقبل مثل نبوءة ليشجع الآخرين على الاعتراف بان هناك جمالا لا يزال ممكنا بالرغم من أنه لن يكون متاحا واقعيا. “هل رأيت الخارطة؟” تقول لك وهي تعرف أن تلك الخارطة لا يجرؤ أحد على وضعها على المنضدة.

هي فنانة استثنائية، لا في بلدها عُمان وحسب، بل وأيضا في العالم العربي. لقد اجتهدت في أن تكون قريبة من تيار فني لم يقترب منه الفنانون العرب ولم يثر اهتمامهم وهو تيار غني في بلاغته الفنية الخالصة. ذلك هو التيار التقليلي الذي نشأ في أوروبا في ستينات القرن العشرين.

كل عمل من أعمالها التي لا تتشابه هو تجسيد لحالة تأمل عميق في الجمال الطبيعي المتاح وفي ما ينطوي عليه ذلك الجمال من معان إنسانية. فن محمود هو خلاصة عميقة لما يمكن أن ينتج عنه لقاء الإنسان والطبيعة مجردين من ملامحهما المباشرة. إنه لقاء الإيقاع بالإيقاع.

أفكر بنادرة محمود وأنا أنظر إلى واحدة من أجمل لوحاتها. التقليليون هم أكثر الناس كرما.

9