نادر العباسي يستحضر رأس ثور ديلموني يحرس الذاكرة

من خلال ست تجارب تنوّعت بين التجريدية والرمزية والمفاهيمية انطلق التشكيلي البحريني نادر العباسي في معرضه الشخصي الأول "خرف اجتماعي" بصالة "الرواق" في المنامة مؤخرا، من مقولة مالكوم إكس "التاريخ ذاكرة الناس"، مؤكدا على أهمية الذاكرة الجمعية للإنسانية.
الخميس 2015/11/19
أعمال نادر العباسي تطرد الزهايمر الجمعي

ما إن يدخل الزائر إلى صالة “الرواق” بالعاصمة البحرينية المنامة، التي انتصبت فيها أعمال التشكيلي البحريني نادر العباسي في معرضه الشخصي الأول “خرف اجتماعي”، حتى تواجهه جداريتان تجريديتان على جداري الرواق مشغولتان بنصين من الدستور البحريني المعاصر، واللذين يؤكدان على قيمة ذاكرة الإنسان وعلاقته بالأرض.

بينما علّقت في الصالة الثانية من المعرض ثلاث لوحات اشتملت كل واحدة منها على غيمة ممطرة، تحمل المتلقي على السؤال المفترض عن دلالة المطر والماء والسحاب ضمن تجربة حالة الزهايمر الجمعية في مجتمع ما، حيث فتح العباسي نافذة أمل على قراءة تفترض السلام.

ضمن هذا المفهوم الرمزي أكمل العباسي فضاءاته بمجوعة صور رؤوس لثور ديلموني قديم، اصطفت في ممرات الرواق كحراس أسطوريين للذاكرة، في محاولة للإشارة منه إلى تشكيل وتغيير الذاكرة ضمن مجموعة تبيّن دور الأسطورة في تشكيل ذاكرة المجتمع، فكل الصور مختلفة عن بعضها البعض إلاّ أنها تحتوي على نفس الثور. هذه الأعمال التجريدية والرمزية جاورها العباسي بمجموعة أعمال صغيرة تخص الحالة الفردية الجماعية للذاكرة، وهي أعمال فنية تبدو ضمن مشروع منفرد يخص الحِرَف التقليدية، ويتكون العمل من 12 قطعة تمثل الوقت، إما بشكل فردي أو بشكل جماعي.

لقد قام العباسي بتقديم العمل في مجموعتين تشيران إلى حالة التناغم المتقن بين الإنسان والأرض. وتظهران للمتلقي الحالة الرقمية للإنسان المعاصر مع ظهور غير مكتمل يعكس التراكم الفعلي للذاكرة.

ضمن هذا السياق قام العباسي بإلصاق صور مأخوذة من خرائط “غوغل” للبحرين القديمة، مبينا من خلالها مدى التغيّرات الكبيرة التي حصلت للسواحل بفعل الأجسام الإسمنتية الميتة، وبسبب سطوة مشروع دفن الشواطئ البكر التي لم تعد موجودة الآن، حيث اختطفت هذه السطوة العقارية الذاكرة الجمعية للناس أمام ذاكرة جمعية جديدة لا تنتمي إليهم.

نادر العباسي: تراكم الذاكرة الزمني يكون الشخصية والقيم الأساسية للمجتمع

في الطابق العلوي من المعرض يواجه المتابع عملا تركيبيا بين التشكيل والمفاهيمية، حيث علّق العباسي لوحة غير مكتملة رسم نفسه داخلها وهو يجلس على كرسي مرتديا قميصا أزرق وسروالا أبيض.

ترك العباسي أمام اللوحة نفس الكرسي والملابس المستخدمة في اللوحة، تاركا للمتلقي حق السؤال حيال الذاكرة الفردية الجمعية لملابس الفنان التي تركها ربما ليتقمّص المتلقي دوره في إكمال المشهد بما يرغب فيه من ذاكرة جمعية. أو ليوهم الزائرين بعودته القريبة لإكمال العمل، إلاّ أنه قد يكون أصيب بالزهايمر فخرج ولم يعد.

يقول العباسي “كمجتمع نفشل في تذكر القواسم والذاكرة المشتركة مع مرور الوقت، لأننا نقمع هذه الذاكرة عن طيب خاطر أو بالقوة. الذاكرة تبقى مدفونة، لكن غير ممحوّة من الوعي العام حتى تعود إلى الظهور. إن تراكم الذاكرة الزمني يكوّن الشخصية والقيم الأساسية للمجتمع ويحدد صور التعامل بين أفراد المجتمع والعالم الخارجي”.

اشتغل العباسي على مجموعة من الورش والمعارض الجماعية في البحرين وخارجها ضمن مشاريع فنية كان لها حضورها الملفت على الساحة الفنية خلال الأعوام القليلة الماضية، مثل مشروعي “نزل 88” و“عمارة 1644” بالمحرق.

ومع ذلك كان العباسي يقدّم نفسه في كل مرة بطريقة مختلفة ليؤكد على أنه فنان مشغول بالتفكير حيال مشاريعه، دون أن تبهره أنوار المعارض الشخصية التي جاءها متأخرا جدا مقارنة بعمق تجربته.

ولأن الذاكرة العربية متّهمة دائما بأنها “ذاكرة مثقوبة”، وقد شكّلت جزءا من مأساتنا العربية بسبب تعميق هذا النسق الزهايمري، بحيث لم يعد العرب يستفيدون من تراكم تجاربهم وخبراتهم التي سببت هذا المآل التعيس على مستوى الربيع العربي وانقساماته. ويرى العباسي بأن “ثقوب الذاكرة” ليست حصرا على عربي أو أجنبي، وإنما الثقب عالمي.

وفي سياق متصل يصبح من السهل جدا أن نقول “نعم نحن لا نتعلم من تجاربنا”، وينتهي جواب السؤال، لكن من الصعب أن نقول “هل تراكم تجاربنا وخبراتنا مبني على أساس قابل للتطوير والاستدامة أو هو أساس هش لا يصمد لأي هزة بسيطة؟”.

يؤكد التشكيلي البحريني على أن أحد أسباب “الصدع العربي” هو الفنان العربي نفسه مستثنيا القليل منهم.

16